تُعد مسألة حضانة المحضون من أهم موضوعات قانون الأحوال الشخصية، لما لها من تأثير مباشر على مصلحة الطفل واستقراره النفسي والاجتماعي، وقد سعى المشرّع العراقي إلى تنظيم هذه المسألة من خلال وضع ضوابط واضحة، لكن التطبيق العملي يكشف عن وجود تباين قضائي ملحوظًا، خاصة فيما يتعلق بسن تخيير المحضون بين والديه.
ينشأ التباين القضائي في سن تخيير المحضون بالعراق من اعتماد القضاء سن 15 وفق قانون الأحوال الشخصية مقابل 18 عامًا في تطبيق المدونة الجعفرية رغم ربطها التخيير بالبلوغ والرشد لا بعمر محدد.
موقف قانون الأحوال الشخصية
نصت المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل على تخيير المحضون عند بلوغه سن (15) سنة، حيث يُمنح الحق في اختيار الإقامة مع أي من والديه، وهذا النص يُعد واضحًا وصريحًا، ويهدف إلى تحقيق مصلحة المحضون من خلال منحه قدرًا من الإرادة بعد بلوغه سنًا يُفترض معه الإدراك والتمييز.

موقف المدونة الجعفرية وتطبيقاتها
في حال اختيار الأطراف تطبيق المدونة الجعفرية، فإن مسألة التخيير تُطرح بشكل مختلف، إذ لم يحدد المجلس العلمي المختص سنًا معينًا للتخيير، وإنما ربط ذلك بمرحلتين:
- البلوغ
- الرشد
ومن المعلوم أن:
- البلوغ الشرعي قد يتحقق للأنثى بعمر (9) سنوات وللذكر بعمر (15) سنة.
- أما الرشد فهو أمر تقديري يثبت عبر اختبارات ومعايير خاصة، ولا يرتبط بسن محدد بالضرورة.
ورغم ذلك، نجد أن التطبيق القضائي اتجه إلى اعتماد سن (18) سنة لتخيير المحضون في إطار المدونة الجعفرية، استنادًا إلى المادة (106) من القانون المدني، التي تتعلق بكمال الأهلية، ولم يستند إلى مادة في قانون الأحوال الشخصية نفسه، حيث نصت المادة 57 على التخيير في سن 15 سنة.
ولم يتم الاستناد إلى الفقه الجعفري الذي يقتضي تخيير الأنثى في عمر 9 سنوات مع اختبار الرشد، وتخيير الذكر في عمر 15 سنة مع اختبار الرشد. ومن المهم جدًا، في حال عدم النجاح في الاختبار، أن يُعاد كل سنة مثلاً.
موطن التباين القضائي
- في الأساس الفقهي: المدونة الجعفرية لم تنص صراحةً على سن (18) سنة للتخيير، بل ربطت الأمر بالبلوغ والرشد، وهما مفهومان يختلفان عن التحديد العمري الجامد. وبالتالي، فإن اعتماد سن (18) يُعد اجتهادًا خارج النص الفقهي.
- في النص الخاص: المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية تُعد نصًا خاصًا ينظم حالة التخيير بشكل مباشر، وكان من الأولى تطبيقها حتى في حالات اختيار المدونة الجعفرية، لكونها أكثر اختصاصًا بموضوع الحضانة من المادة (106) مدني التي تتناول الأهلية بشكل عام.
- ازدواجية التطبيق القضائي: يؤدي هذا الوضع إلى نتيجة غير منطقية، حيث قد يقوم القاضي نفسه بـ:
- تخيير المحضون بعمر (15) سنة في حالة تطبيق قانون الأحوال الشخصية.
- وتخييره بعمر (18) سنة في قضية أخرى في حالة تطبيق المدونة الجعفرية.
وهذا يُنشئ ازدواجية واضحةً في المعايير، ويؤدي إلى اضطراب في استقرار الأحكام القضائية. ويمكن القول إن القضاء في هذه الحالة:
- لم يلتزم بالأساس الفقهي الذي يُفترض تطبيقه عند اختيار المدونة الجعفرية.
- ولم يلتزم في الوقت ذاته بالنص القانوني القائم (المادة 57) الذي ينظم ذات المسألة. مما يؤدي إلى تباين داخلي في المنظومة القانونية.
رؤية إصلاحية لإنهاء التباين القضائي في سن التخيير
إن مبدأ تخيير المحضون يكشف عن مسألة تستدعي إعادة نظر قضائية وتشريعية، وفي رأيي الشخصي، أفضّل لو يتم:
- إما تطبيق ما هو موجود في المذهب كونها مدونة أحكام فقهية جعفرية ويجب الالتزام بتفاصيلها، حيث إنها اشترطت البلوغ والرشد، ففي البلوغ تكون الأعمار للذكر 15 سنة وللأنثى 9 سنوات إذا توافر معها الرشد، فيتم التخيير مباشرةً، وإذا لم يتوافر يعاد اختبار الرشد كل سنة مثلاً، وبهذا نكون قد وفقنا ولبينا المذهب الذي اتجهت شريعة المتعاقدين إلى تطبيقه.
- أو تطبيق ما هو موجود في القانون ووفق ما جاء في المادة 57 التي يكون التخيير فيها بعمر 15 سنة للجنسين، وبهذا يتحقق الاستقرار في الأحكام القضائية.
- أو تغيير المادة 57 ليكون التخيير فيها بعمر 18 سنة وليس 15 سنة، وبهذا أيضًا يتحقق عدم التباين في الأحكام.
وبغير ذلك، ستبقى الأمور أمام ازدواجية يصعب تبريرها قانونًا ومنطقًا، حيث يُخيّر المحضون وفق معيارين مختلفين في النظام القانوني ذاته، وهو أمر يتنافى مع مبادئ العدالة واستقرار الأحكام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.