في غرفةٍ جدرانها زُينت بالأبيض، راقدٌ كجثة هامدة، رجلٌ يضرم الشيب في رأسه، شاحبٌ وجهه كأنه شبح، عيناه سوداوان غارقتان في الكمد، يغزو الليل جفنيه المنهكين من ضربات الأرق، كلما أغمض عينيه، وحاول فتحها يظن نفسه لوهلة أنه غادر هذا العالم، يصحو من شرودٍ عميق، بعد معارك ضارية مع أفكاره التي جعلت من عقله سجينًا للشتات، فلا يعود من هذا الحبس، يستنجد زاحفًا على ركبتيه بأدويته المهدئة التي صرفها له طبيبه المعالج، فيغرق في نومٍ عميق ليرتاح من عناء تفكير طويل لم يصل بعده إلى شيء، وهكذا تمر أيامه، ما حدث له جعل منه روحًا طائفة في عالم الحلم وجثة ساكنة في الواقع، ما مر به كان كبيرًا على أن يستوعبه.
من سنوات وحيدًا يسكن هذه الغرفة الخالية من أي لون كان، أصبحت عالمه بعدما خذلته آخر رصاصة اخترقت صدر آخر أبنائه، لم يطق ذلك المنظر المروع، أرواح فلذات كبده تحتضر أمامه، وتلفظ أنفاسها الأخيرة لتكُون سمًا تسلل إلى روحه، كان مشهدًا بشعًا يُصيب بالجنون، لا يمكن لبشري تحمله، لم يكن يعلم بأنّ عائلته ستؤذيه، فهُم نقطة ضعفه الوحيدة، لم يستطع بعدها التعايش مع الحياة التي ضُرِجت بدماء أطفاله، توسل للموت كثيرًا حتى إنه حاول الانتحار، لكن الحياة كانت تتمسك به فيعود مجددًا يحمل على عاتقه هذا الحزن القاتم، مستسلمًا محني الظهر كجندي عاد من ساحة الحرب منهزمًا.

التاسعة صباحًا
موعده مع طبيبه النفسي الذي لم ييأس من سنوات في إنقاذهِ مما هو فيه، يحاول جعله يتحدث لكن دون جدوى، فهو في حالة بؤسٍ شديدة، تتضارب به الأحداث، ويعود إلى ذاك الحادث الشنيع في كل مرة يحاول بها النسيان، ترفض ذاكرته النسيان تمامًا كما ترفض صور الذكريات الأليمة أن تتركه، ينظر إلى السماء فيتخيل أرواحًا وأشباحًا غريبة تطارده، يسمع أصوات لا وجود لها، يحيا كجسد دون روح.
كل يوم يرى نفسه في الحياة، يلهث ولو لقليلٍ من السلام، لكنه كلما حاول بُتر جزء منه، لا يدري لمَ يهرب منه السلام، لمَ هذا التملص والاختباء؟
ينقذه الطبيب كل مرة، وتخذله الذكريات، فتضيق به جدران غرفته التي لم يغادرها من زمن، ترهقه ذكرياته الكثيرة، وتلك الأصوات المزعجة التي لا وجود لها إلا في مخيلته، يشعر بالذنب، الذنب ذاته الذي يجعله يشعر إنه شخص سيئ لا يستحق الحياة، يشعر باليأس من حياته، كثيرًا ما يُتمتم بصمتٍ (لا أمل لي في الحياة، الحياة حاجز كبير بيني وبين أبنائي)، يخاطب الجدران تارةً، وتارةً يدخل في نوبة جنون عارمة.
يقضي ليالي يقاتل السهد، فيجعل من غرفته ساحة معركة، ثم يصرخ بغضب كأنه يصرخ على أحد، لكن لا وجود لأحد سواه! يعارك الهواء ونفسه.
يصبح المكان فوضى، شخص يعاني نفسه، أين يترك حزنه ويمضي؟
فالهرب وهم، هو يحمل حزنه معه أينما رحل، يحمل الذكريات في معطفه، تمضي الأيام هكذا بين ليالي أرق، ليال مظلمة وبؤس لا ينتهي، وبين نهار معتم يفتقد الشغف فيه للتنفس.
على غير عادته استيقظ ذات صباحٍ هادئ، تظن لوهلة أنه شُفي مما يشعر به، أن ما حل به تبخر، ينظر إليه الطبيب متأملًا، هذه فرصته ليحاول معه، دون أن ينطق حتى بسؤال، كان يروي ما مر به، يروي للمرة الأولى بحزن مخلوط بالكبرياء:
- حينها كانت السماء كئيبة، لعلها كانت تشعر أن شيئًا سيحدث، دقائق حتى شاركتني المطر، كنتُ ألوح بتوسلٍ ألا تخترق الرصاصات روحي المستوطنة أجسادهم، كنت أنظر بجمود، حتى تشنج داخلي، ثقل الهواء فكدتُ أجزم أني لا أتنفس، ضربات قلبي كادت تشعرني أنه سيتوقف حتمًا، كنت سأركض لولا أن سرعة الرصاصات خذلتني، فتمنيتُ لو اخترقت عينيّ عوضًا عن رؤيتهم هكذا، مر شريط حياتي أمامي كفيلم، اشتد بكاء السماء وعيناي، فبكيت لأوّل مرة كطفل، ثم تسمرتُ في مكاني كأني لا أشعر، أنظر كمن لا ينظر، أريد أن أصرخ لكن صوتي لم يكاد يتجاوز حنجرتي فبكيتُ أكثر، يداي المُلطخة بدماء أبنائي، ورجفة داخلي، سواد في سواد، ثم لم أشعر بشيء، استيقظت فجأة، للوهلة الأولى ظننت أني غادرت معه، لكني كنت أتنفس، وصوت موسيقى قلبي لا يزال يعمل، لم أرحل معهم.

كان لا يزال الطبيب يستمع إليه، يشعر بحزنه وبحجم المعاناة، يشعر بالأمل أنه سيعود إلى الحياة مجددًا، ينظر لعينيه التي كأنها ستمطر، ينظر مختلفًا هذه المرة، لا يحكي طلاسم، إنه يحكي البؤس بوعي تام، أول مرة يراه يحكي، وأول مرة يراه يتنهد، لم يتسلل اليأس للطبيب أنه سيبدأ بالتحسن، كان يتأمله بيقينٍ أنه أقوى من الصدمة التي يُعانيها، إنه أقوى من الاكتئاب أيضًا.
مرَّ شهر من أول يوم وصف جحيمه، أصبح يشعر أن الحديث يخفف العبء قليلًا، كان الطبيب يستمع إلى حكاياته، تارةً يحكي حياته البسيطة الهادئة بحب، يومه العادي الذي يبدأ بالعمل، استقبال أطفاله له، الدفء المُنبعث من قبلاتهم له، والحنان الذي يغمر منزله، حنينه إلى تلك الأيام وإلى الحب الذي كان فيها، وتارةً يشرد مجددًا، تعود له الذكريات، فيبدو كشخص سيحتضن المشنقة.
تمر الأشهر فيتحسن يومًا بعد يوم، وتتسلل إلى عمقه الحياة قليلًا، الحديث عن حزنه، فالأدوية المضادة للاكتئاب، والرياضة، أشياء لم تكن تفارقه، بدا كأن الربيع سيزهر في أيامه مجددًا، كأنه سيغادر هذا البياض المحيط بغرفته، كأنه سيعود إلى العالم الذي أخذ منه شغفه، كأنه سيعيش السلام الداخلي، كأن السلام سيتسلل إلى روحه أخيرًا، وسيتعايش مع أوجاعه والآخرين.
مرَّ كثير على الحادثة، أصبح يبدو هادئًا، كأن روحه أصبحت أكثر وقارًا، يتحدث بوعي، كلما حاول الحزن مهاجمته يتذكر ذكرياته السعيدة، فرحته بأول أبنائه، أول ذكرى لمولوده الأول، أول مرة قيل له (بابا)، النزهات القليلة التي عاشها معهم، منزله الدافئ، ورائحة الحب المنبعثة منه، يتذكر كثيرًا من اللحظات الدافئة، فيعود إليه السلام، ويتنهد بحب.
مرت سنوات
كان لا يزال السلام يتغلل إلى قلبه، وكانت حرب بلده كأنها تتضامن معه، تختفي رويدًا رويدًا، تشرق من بين الركام، وتُنير الأمكنة المُعتمة، يزهو الجمال منها كأنها لم تشهد حربًا، أصبح يهرب من أفكاره إلى أخبار أرضه، يمتلئ أملًا كلما سمع خبرًا سارًا، ويبتسم بمعمقٍ كلما اقتربت نهاية الحرب.
انتهت الحرب وعمَّ السلام ورائحة السكينة الأرجاء كلها حتى قلبه، غادر المكان الذي استوطنه سنوات كثيرة، غادره مودعًا حُزنه وألمه وكل الذكريات، غادره على أملٍ أن يحيا بهدوء بعيدًا عما يؤلمه، كي ينسى مُر ما عاناه، لم يعد إلى ذاك المنزل مجددًا، تركه بكل الحب والدفء الذي كان به، تركه مع الأسى الذي سرق منه سنوات طويلة ليتعافى منه، ليشعر أخيرًا بالسلام الروحي متزامنًا مع سلام أرضه.
في قريةٍ ما مُحاطة بالخُضرة، وقطرات الندى مستلقية على أوراق الشجر، السحاب لا يزال يحتضن الجبال بعمقٍ رافضًا للشمس أن تنير، كان يقف هناك بثباتهِ المعهود، ينظر نحو العدم، ويتنهد (سنلتقي يومًا)، يقطع صوت أفكاره طفل صغير، يناديه ليجلس بجوارهِ كي يتأملا منظر السحاب وهي تتنحى جانبًا للشمس كي تشرق، يمسك بيد الطفل بحب وينظر إلى عينيه بدفء، كان آخر أمل له كي يعود إلى الحياة مُجددًا، طفل صغير دون مأوى سرقت الحرب منه كل شيء عدا روحه، يلتقي به ليصبح له المأوى، ويصبح الطفل روحًا لروحهِ المتعبة.
جميل اسلوبك ربنا يوفقك
ممتنة جدًا، آمين ووفقك الله🤍
مبدعة كعادتك
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.