سنة الحياة

كلما تلونت السماء، أيقنت أن وتيرة حياتي تغيرت عن ذي قبل، وستتغير كلما فتحت بابا لمرحلة جديدة منها.من قال إن الثوابت لا تتغير، أيعقل أن نظل على نفس الحال مهما دارت بنا الأرض، وتحرك بنا الزمان.

تأملت نفسي الآن كيف صرت؟ كيف أصبحت؟! لم أكن أنا تلك الفتاة الهشة، الضعيفة، المكسورة والمغلوبة على أمرها.

توقفت لوهلة تساءلت مع نفسي هل تأقلمت على وضعي الحالي ؟ أم أنني بالفعل تغيرت؟ وهل تغيرت للأفضل أم للأسوأ؟

هل تبدلت روحي بروح أخرى غريبة عنى لا تشبهني أم أنني خلقت من جديد، ولدت من العدم .تزاحمت الأسئلة برأسي، لربكتني كل هذه الأسئلة بشدة حتى تهت في أعماق نفسي، فأصبح المجهول معلوما والمعلوم مجهولا.

أصيبت حواسي بالشلل التام، ظللت أركض وأنا متسمرة في مكاني لا يحركني ساكن. حملقت عيناي إلى السماء شاردة، لا أرى العالم من حولي، لا بشر، ولا حيوانات .أسمع صوت أفكاري فقط بين العدم والوجود، الحقيقة والوهم ، الواقع والخيال.

لا تقوى قدماي على التحرك، تمهلت في مشيي رفعت نظري إلى السماء، استنشقت الهواء ثم زفرته، شممت رائحة أوراق الشجر المتساقط عليها قطرات الندى. جسدي ثابت على الأرض، ولكن روحي محلقة في السماء تتداخل في حركات متناغمة بين السحب، كطائر حبيس في قفص من ذهب انطلق نحو حريته معانقا السماء، حتى وإن كانت غائمة مظلمة يغطيها الضباب.

أغمضت عيناي، ثم فتحتها، سرحت في شكل السحب وتكوينها، تحررت روحي من كل ما يكبلها أو يقيدها، نظرت إلى أعلى ، تعمقت في ألوان السحب، مر شريط حياتي نصب عيناي. ابتسمت لكل ذكرى سعيدة رأيتها أمامي في تلك اللحظة، ثم سقطت منى دمعة على ذكرياتي الأليمة التي صنعت منى شخصا آخر.

فجأة شعرت بخفة جسدي، وكلما نظرت إلى السماء، كلما خفت حركتي كريشة متطايرة لا تعلم من أين أتت ؟.السحب تتكاثر، تتنوع أحجامها ما بين كبير وصغير، وكأنها تبعث لي برسالة شفهية نصها أن الحزن يولد كبيرا ومع مرور الوقت يتضاءل حجمه، مما لا شك فيه أن الحياة مستمرة رغم أحزاننا وهذا لا يعنى أننا ننسى حزننا على من فارقونا، سواء بإرادتنا أو رغما عنها. لكننا نتعايش مع شكل حياتنا الجديد حتى تنتهي رسالتنا على الأرض .

حملقت أكثر في السماء، أصابتني قشعريرة في جسدي، حيث رأيت سحابة سوداء ملتصقة بسحابة بيضاء .تصارعت دقات قلبي، تضاربت أنفاسي، شعرت أنني أختنق، وذلك لأن السحابة البيضاء هي روحي قبل أن تتلوث بأيدي البشر، قبل أن يتشوه قلبي لكثرة ما يحمله من ذنوب، قبل أن يمتزج الباطل بالحق، فيصبح الباطل حقا والحق باطلا.

والسحابة السوداء، هي روحي الجديدة المشوهة التي سئمت أفعال البشر لما فعلوه بها من ظلم، وكراهية، وعنصرية، فأصبحت تؤذي نفسها ومن حولها.

تولدت سحابة رمادية صغيرة من رحم السحابة السوداء، انهمرت في البكاء بشدة، شعرت بانسحاب روحي من جسدي، تجمدت حركتي، تلاشت السحابة الرمادية رويدا رويدا، انبعث منها دخان كثيف. ضاق صدري، لا أقدر على التنفس، تمثلت تلك السحابة أمامي على هيئة شخوص جددوا إشعال النار في الرماد. إنهم يعشقون الخراب عشقا لا حدود له، يدمروا حياة أقرب الأقربين لهم، بحجة نشر العدالة والحق. يبرروا أفعالهم حيث وجدوا فقط ليبثوا الخير، هذا ظاهرهم المزيف، ولكن باطنهم الحقيقي يخفي ما لا يدركه عقل ولا تصدقه عين. بداخلهم سواد كثيف، نبتة قاسية، بركان صعب السيطرة عليه ،بل الأصعب التنبؤ به وتوقع توابعه فهو مع الأسف الشديد مبهم الملامح.

كم تمنيت أن أطير، وأتداخل بين هذه السحب، مثل هذه اليمامة أو أن أطلق صيحات الغضب الخفي بداخلي كهذا الغراب .كم محظوظة هذه الطيور لأنهم أحرار لا تكبلهم قيود الحياة مثلي.

تلونت السماء باللون الأحمر مع اقتراب غروب الشمس، شفق أحمر اللون، رائع الشكل، ولكن بالرغم من روعته إلا أنه أصابني بالتوتر. وجال بذهني سؤال هل سينفجر البركان بداخلي يوما ما ؟ وما عواقب هذا البركان؟ وما حجم خساراتي نتيجة توابعه؟ هل سيتحملني من أحببت؟

انقبض صدري، تسارعت دقات قلبي، ارتعشت يداي حتى أصبحت باردة كالثلج ، روحي أصبحت أخف، أشعر بألم ما في رأسي نتيجة تداخل الأفكار، فعقلي لا يسع أفكاري، لا يتحمل ذبذتها ، وتكاثرها.

كم تمنيت أن أحظى بسلامي النفسي في تلك اللحظة، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يبلغه. قدمي لا تقوى على حمل جسدي، شعرت بدوار أصاب رأسي، نظرت إلى السماء فهي طوق النجاة بالنسبة لي، رأيت وجوها ناضرة ، مستبشرة، وجوه من أحببتهم ابتسموا لي، يتوسطهم ملاكا، وجهه ساطع، مضيء كالبدر في ليلة التمام، اطمأن قلبي وهدأت دقاته .

اقتربت منهم ،وحلقت في السماء مثلهم، انبعث شعاعا من وجهي، نورا لا نهاية له، ضحكت من قلبي ، الضحكة التي افتقدتها طيلة عمري، لأنها لم تكن حقيقية، كانت مزيفة، امتلأ قلبي بالرضا والسعادة.

هأنا قد عثرت على نفسي، وسلامي الداخلي، حيث التقيت بمن أحببت وتركوني وحدي في هذه الحياة الجميلة ،على الرغم من قسوتها، وتركت من أحبوني بصدق رغما عني حتى التقي بهم يوما ما.

تلك هي سنة الحياة...

بقلم الكاتب


اسمى مروة محمد , مهندسة اتصالات . أهوى القراءة واعشق الكتابة, شغوفة بقراءة المقالات و البحث فى التاريخ.أعمل فى مجال تكنولوجيا المعلومات

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..



المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لاتمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

اسمى مروة محمد , مهندسة اتصالات . أهوى القراءة واعشق الكتابة, شغوفة بقراءة المقالات و البحث فى التاريخ.أعمل فى مجال تكنولوجيا المعلومات