سمات الأدب العربي القديم

 لعل أهم ما يميز النص العربي القديم -في وعينا الحديث الحالي والمعاصر- هو إخفاء المعنى. إن النص العربي القديم يتوارى عنا تحت قناع معانيه الكثيفة، فيتجاوزنا بدلالاته المتخفية خلف حجاب اللغة القديمة، وهي لغة ضاعت فعلًا عبر تداول الأجيال العربية والإسلامية على مدى قرون طويلة متقطعة.. وبعد ذلك حدثت القصة الإشكالية.

اقتداء بأعيان القدماء وأركان المحدثين، نسخر جهودنا التفسيرية في غلاف أدلته وكلماته، ومن خلال الكشف عن غرابة صيغه وبنياته، تطوَّرت مهاراتنا التحليلية على مدى عقود من الزمن، ونجحنا في ذلك. اختبار فرضياتنا التفسيرية في متاهة عوالمها كلما تمكنا من التجربة دون تحقيق اكتمال بنيتها أو محتواها دائمًا.

وهذا الغيب ينشأ من مسافة الزمان والمكان. وفي الواقع، فإن النص العربي القديم صريح وسيميائي وقديم للغاية لدرجة أن قراءته تتطلب دائمًا حركة كبيرة في الفضاء، وزيادة معينة في الخيال الثقافي، وتغييرًا قويًّا في الإحساس والذوق، وتجربة خاصة في الأمور الفنية.

الفهم والتأمل الجمالي. ولا شك أن هذا العتق المثير للقلق والإخفاء الآسر هما علامتان أساسيتان تشيران إلى درجة كبيرة من التخمير والعمق في هذا التراث الحضاري. يُغطى الزيت القديم في الحاوية المستعملة بطبقات سميكة من الأسفل والأعلى، ما يجعل طعمه مختلفًا تمامًا عن الزيت الطازج.

ومع ذلك، فإننا نادرًا ما نعطي هذه السمات الخاصة بالأدب العربي القديم - أي العصور القديمة والتخمير والغيبية - الاهتمام والحذر الواجبين عند دراسة عالم النصوص القديمة مع مناهجنا الحديثة (الانطباعية، الواقعية، علم النفس، الماركسية، الظواهر، علم الظواهر).

والبنائية، وما إلى ذلك)، وأدواتنا المعاصرة (الأسلوبية، والشعرية، والتفسير، وعلم الجمال، والتفكيك، والسيميائية) وما إلى ذلك، وادعاءاتنا الخاصة (الذاتية، والموضوعية، وما إلى ذلك)، فإننا نعتقد، للوهلة الأولى، في وقرب الاتصال رغم بُعد القرون، وإمكانية التواصل مع فضاء حضاري انهار واختفى دون شروط أو قيود.

فكثيرًا ما يستدعي مثلًا مصطفى ناصف في كتاباته الأنيقة وجهوده التفسيرية الحديثة، يصعب على الباحث أن يقبله نموذجًا لقراءة التراث العربي القديم. لماذا؟ لأن دعوته لاحتضان التراث القديم عناقًا حميمًا تتناقض ببساطة مع بديهيات الممارسة النقدية اليومية في مجال التراث الأدبي والفكري العربي القديم.

اقرأ ايضاََ ملخص كتاب "الأهداف" لبراين تراسي

ما هو التفسير؟

التفسير هو حوار إبداعي بين النص والقارئ. حوار يعطي النص معنى يشارك فيه طرفان. فالنص لا معنى له إلا بقارئ نشيط يحفزه، ويقلب الشبهات الواحدة تلو الأخرى، ويتخيله قادرًا على الإلهام.

ونقطع مسافات طويلة؛ لأننا نحب أن نرى بأعيننا. النص لا معنى له: «بصرف النظر عن كل همومنا ومعضلاتنا ومخاوفنا وآمالنا».

يبدو هذا البيان مقنعًا، لا شك في ذلك. لكن إذا فحصناها بعناية وقيمناها في ضوء تجاربنا السابقة مع غرائب ​​التراث، وتذكِّرنا، على سبيل المثال، الجهود الصبورة التي بذلها المحقق الخبير لترميم النص القديم وجعله كاملًا من الأصل.

عالم الموتى، سنتذكر أيضًا لحظات الشك والارتباك الكثيرة التي تعذبنا قبل تحديد أي «معنى». بالنسبة للنص القديم، كنا قد أدركنا صعوبة كل المراحل التمهيدية التي مررنا بها من قبل.

لتتمكن من خلق «حوار» مع هذا النص القديم. وإذا كان هذا الناقد قد اشتكى في الماضي القريب من تعسف الانتقادات البنيوية والشكلية فيما يتعلق بالنصوص العربية، فإننا نرى أنه مع ذلك يتفق معها تمامًا في رمي التاريخ إلى الهامش، وإلغاء شروط القراءة الفيلولوجية بتحرير المعنى من تقييد النص لصالح القارئ المعاصر، ومزج الآيات مع أعماق النص القديم وتوضيح بنية النص الحديث... إلخ.

والحقيقة أنه في ظل الحماس الذي ساد العالم العربي لنظريات التلقي الألمانية في العقد الأخير من القرن العشرين، آمن بعض النقاد العرب المعاصرين بإمكانية تفسير النص العربي القديم حسب أهوائهم وأذواقهم..

وبمقاربتها بمقاربة حديثة، أي قبلوا بداهة حق «الحوار» مع النص دون تحديد شروط القراءة الأولية التي تفترض بناء قاعدة فقهية وتاريخ متين، وهي سهلة. فهم أهمية الخطاب في ظل غياب تصور سيميائي عالمي لعمليات إنتاج النص ونشره، ولمراحل تلقيه واستعادته في عمق المخطوطات.

ومصدر هذا «الاعتقاد» البريء و«التفاؤل» المفرط هو أمور عدة، نود أن نتأمل بعضها لحظة لأنها تمثل -في نظرنا- عقبات أساسية تؤدي في نهاية المطاف إلى أخطاء وإخفاقات منهجية كبرى وتجاوزات. أننا قد لا نزال نتخبط حتى يومنا هذا في هذا البلد أو ذاك.

وأول هذه العوائق هو الإلمام اللغوي. هذا الألفة التي خلقتها العيون والآذان والمشاعر والأرواح مع نصوص الثقافة العربية القديمة والعلمية، من الكتاب والمدرسة إلى مراحل التعليم الثانوي والجامعة الحديثة، وما يصاحبه من التدجين النفسي.

إن هذا التعليم وما يرافقه من تدريب طويل من الانصهار الثقافي يغذي فينا ويؤسس تدريجيًا لخيال روحي يقرب البعيد ويؤلف الغريب.

هذه الألفة المكتسبة هي التي تمحو في الواقع المسافات بيننا وبين القدماء، وتكسر لنا حواجز القرون الهائلة بين عوالم الماضي الغريبة ومناخ الحاضر القريب، ويلهمنا نوعًا من الحدس والاستمرارية المطمئنة بين موقد العصور القديمة ومنبع الأجيال الحالية.

بل إن اللغة العربية الفصحى تتمتع بفضل القرآن الكريم بامتداد تاريخي وثقافي فريد بين جميع اللغات الحية.

والحقيقة أن عالم النص العربي القديم غريب عنا رغم حضوره المهيب في مخيلتنا: مختلف في إنسانيته، معقد في تركيبته الاجتماعية، ظالم في مؤسساته السياسية، وإن كانت بقاياه متجذرة في أذهاننا، المودعة في أعماقنا.

عالم القدماء، عالم الآفاق الفردية، والحريات المدنية المحدودة، وحتى إذا احتفت السير والمشاهير بالأعيان وخصصت لهم مجلدات طويلة، فإن اهتمامهم انصب على الأنواع وليس على الأفراد، وعلى التابعين، أتباع العصر الحديث. التابعون، والأخير قبل المجتهدين والأفراد والمنشقين. هذا، من ناحية.

ومن ناحية أخرى، فإن ما نعتقد خطأً أنه مرتبط عبر الزمان والمكان قد تم قطعه مرارًا وتكرارًا بسبب الروابط التاريخية والروحية. ويكفي على ذلك القصص العديدة في هذا الموضوع، ومنها القصة التالية على سبيل المثال لا الحصر:

وعن ابن فارس: سمعت أبي يقول: حججت، فلقيت ناسًا من هذيل بمكة، فتبعتهم يذكرون شعراءهم، فلم يعرفوا أحدًا منهم، ولكن رأيت رجلًا فصيحًا يمثل الجماعة، فقال لي:

إذا لم تحظ في أرض فدعها   *** وحثَّ اليَعْمَلات على وجاها

ولا يغرُرك حظُّ أخيك فيها *** إذا صَفِرَت يمينك من جداها

ونفسَكَ فُزْ بها إن خفت ضَيْمًا *** وخلِّ الدار تُحزِنُ من بناها

فإنك واجدٌ أرضًا بأرض *** ولست بواجدِ نفسًا سواها

وهذا يعني أن هذا التراث الأدبي العربي الذي ننشره اليوم هو في الواقع نتيجة مختارات شعرية ونثرية، بعضها جمعه الرواة والنقاد والعلماء في مراحل تاريخية مختلفة، وبعضها الآخر أكمله أدباء ومؤلفون ومعلمون في سياقات ثقافية بعيدة.

وهو ما يعني انفصال هذه النصوص بشكل واضح عن بيئتها الأصلية، وإدماجها التدريجي في بيئات جغرافية أخرى، وانخراطها في صراعات سياسية أخرى، وارتباطها بقضايا ثقافية أخرى.

وهذا ما يوضح لنا، على أية حال، أن معاني هذه النصوص غالبًا ما تكون ملونة بألوان مختلفة ومعقدة، وترسل لنا في بعض الأحيان عدة أطياف دلالية محيرة.

إن حوارنا مع تراثنا القديم، مثل حوار الفرنسيين في القرن التاسع عشر مع التراث اليوناني أو الروماني، يدعمه شعور خفي بالانتماء الحضاري، من جهة، ومنبهر بمطالب اليوم واحتياجات الساعة، على الجانب الآخر.

ويجب تجنب هذين الشعورين إذا أردنا حقًا معرفة «حقيقة» النص القديم في سياق ماضيه البعيد.

والحال أن الأيديولوجيات القومية، أو بالأحرى الأيديولوجيات الرسمية، تسعى في كل دول العالم «النامية» و«المتقدمة» إلى تعميم «الحقيقة الوطنية» قبل «الحقيقة العلمية»، بين الحقيقة الغائبة الأولى والحقيقة الثانية السائدة رمال وصحاري.

اقرأ ايضاََ ظاهرة البخل في الشعر الجاهلي

ما تعريف الأدب القديم؟

والعائق الثاني هو مفهومنا المتأخر عن «الأدب» العربي القديم. وهذا المفهوم التقليدي الضيق الذي نقله لنا العلامة ابن خلدون عن زمن الانحطاط والانحدار والانطواء:

«وهذا العلم ليس له موضوع، والمراد به عند أهل اللغة هو ثمرته، وهي إتقان فن الوزن والنثر في أساليب العرب وآدابهم، ولهذا يجمعون في كلام العرب ما يمكن أن ينتجه الكلام، مثل الشعر ذي الجودة العالية، والسجع المتساوي في الإتقان، ومسائل اللغة والنحو، وهي منتشرة في جميع أنحاء الطريق، ويستنتج معظم قوانين اللغة العربية، مع ذكر عصور معينة من العرب، يستطيع من خلاله فهم ما هو موجود في شعرهم، مع ذكر أهم الأنساب المشهورة والأخبار العامة (...) ثم لو أرادوا تعريف هذا الفن لقالوا الأدب يتكون من حفظ أشعار العرب وأخبارهم. وأن تأخذ كل المعرفة دفعة واحدة». 

ويمكننا أن نلخص هذا التعريف المشهور في نقطتين:

أ- «الإجادة في فني المنظوم والمنثور».

ب- «الأخذ من كل شيء بطرف».

1- ظل هذا المفهوم الاختزالي سائدًا في مصر حتى زمن رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873م)، حيث نرى أن هذا المصطلح العظيم الذي أخصب الأدب العربي على المستوى العملي بفنون أدبية جديدة نظريًا اعتمد في كتاباته مفهومًا بنيويًا وفنيًا قريبًا منه، حتى إنه بعد رحلته الأكاديمية الطويلة إلى فرنسا (1826-1831م) قال في كتابه التربوي الشهير الدليل المؤمن للبنات والبنين:

«إن الفنون الأدبية التي تُسمى العلوم العربية، وهي النحو والصرف والبلاغة والمعاني والخط والعروض والقوافي والإلقاء الشعري والتركيب والمحاضرات، وخاصة اللغة، وكل ما يسهم في تحسين التعبير العلمي كلها أدوات للعلوم الحقيقية سواء كانت عقلية أو نصية. وبإتقان الفنون الأدبية يستطيع الإنسان أن يعبر عما في وجدانه بأحسن تعبير وأوضح دلالة».

2- وبالفعل، حتى بداية القرن العشرين، ظل الأدب يشير في مصر إلى الوجه الآخر لمفهوم الأدب اللاحق، ألا وهو سرد القصص القصيرة والأشعار والنوادر، كما أوضحته على نحو أفضل شهادة أحمد أمين: «علمنا الشيخ محمد المهدي [في مدرسة القضاء الجديد] الأدب باللغة العربية».

وكان هذا الأدب جديدًا على مصر، إذ لم يعرف الناس الأدب إلا كما ورد في كتاب العقد الفريد، والأغاني، والأمالي وغيرها. أما تاريخ الأدب في العصور، وترجمة شعراء كل عصر، وكذلك تفرد وخصائص أدب كل عصر، فهذا أمر لم يكن معروفًا في مصر حتى جاء الأستاذ حسن توفيق العدل، وقد تعلم في ألمانيا، وقد أدخل هذا العلم بهذا الأسلوب في مدرسة دار العلوم، حيث كان مدرسًا، مسترشدًا بما كتبه الألمان في تدريس أدبهم.

وجاء تلميذه محمد المهدي، فبنى على هذا وأعد لنا ملاحظات كثيرة على هذا، وكان من أعظم مميزاته ذوقه في الأدب، وقدرته على التمييز بين الصواب والخطأ، وحسن تفسيره للشعر، وجمال نغماته.

3- عدل طه حسين إلى حد ما مفهوم «الخلدوني» وأعاد صياغته بأسلوبه الخاص، حتى أصبح «الأدب» يعني -بالنسبة له- خطابًا مشتركًا، جوهر الأخلاق الإنسانية كلها، ما أدى إلى بعض التوقعات الثقافية.

كان [أدب] القرن الثاني والثالث والرابع كاشفًا… عما يؤثر في الشعر والنثر، وما يتعلق بهما، لتأويلهما من جهة، ونقدهما من جهة أخرى.

فهل يدل على شيء أكثر من ذلك؟ أما إن كنت قد سمعت كلمة «أدب» فقد فهمت الآن معنى الكلمة في تركيبها ونثرها وما يتعلق بها من علوم وفنون ما يساعد في فهمها من زاوية أخرى؟ فهل يدل «الأدب» عند الأمم الأجنبية قديمًا وحديثًا على غير ما يدل عليه عندنا؟

اقرأ ايضاََ الحب في الأدب النسائي القديم

تعريف الأدب اليوناني

إذا تحدثنا عن الأدب اليوناني، فإننا نفهم فقط كلمات الكلام والشعر والنثر اليوناني: نفهم الإلياذة والأوديسة، ونفهم شعر بندار، وصافو، وسيمونيدس، ونفهم قصص الشعراء الممثلين، فنحن نفهم تاريخ هيرودوت وثوسيديدس، ونفهم نثر أفلاطون وإيسقراط، وخطب بركليز وديموسثينيس.

ومثل هذا الشيء نادر في الأدب الروماني، والشيء نفسه نادر في الأدب الحديث، لأن الأدب الفرنسي لا يشير إلا إلى أعراف الكلام الفرنسي في تركيبه ونثره. ولذلك لا يمكن للأدب، في جوهره، أن يتجاوز معنى الكلمات.

وهكذا يرى طه حسين أن جوهر الأدب واحد عند العرب وفي كل الأمم، وينسى الاختلافات البنيوية والوظيفية الهائلة بين اللغات الطبيعية والثقافات الإنسانية والجماعات البشرية، ولا يرى تطور مفاهيم «الأدب» عند العرب واختلافهم باختلاف المراحل التاريخية (من القرن الثاني الهجري إلى القرن الرابع الهجري).

اقرأ ايضاََ أجمل قصائد الغزل وتحليل بعضها

ما مفهوم الأدب عند العرب؟

ولم يكن مفهوم الأدب عند العرب واحدًا، بل على العكس من ذلك فهو لا يدرك دور الاتفاقيات والأعراف الجماعية في تحديد كل مفهوم ثقافي في الأدب. ولذلك تتحول هذه الملحمة اليونانية بالنسبة له إلى «مؤلفات» والمأساة اليونانية إلى «قصص»، وما التاريخ والفلسفة والبلاغة اليونانية بالنسبة له إلا «نثرًا» فنيًا.

وفي الواقع، فإن كل الأدب الروماني، وكل الأدب الحديث، وكل الأدب الفرنسي -حسب قوله- لا يخرج عن «تقليد الكلمة» في تاريخ الممارسة الأدبية العربية.

4- النقد الأدبي العربي الحديث والمعاصر جمع الأدب العربي القديم في تصنيف أضيق وأكثر صعوبة عندما اعتمد بشكل كبير على المفاهيم المكتوبة للأدب الغربي واتبع تقاليد العلوم الغربية الحديثة التي تفصل العلم عن الأدب من جهة. والفنون الجميلة. من جهة أخرى.

منذ بداية القرن العشرين، أطلق مصطلح الأدب على روائع الفن الشعري وفن النثر وحكايات الخيال المحفوظة في المختارات الشعرية والمجموعات الأدبية (المختارات).

أي أنه خليط مصنّع بين المفهوم الرومانسي الغربي للأدب (= الخيال الإبداعي والعواطف الشديدة) والمفهوم العربي المتأخر جدًا للأدب، خليط غريب مخصص للتعليم والتدريس في المدارس وكليات الآداب، وجزء من جزء -وجزء فقط- من الثقافة العامة الحديثة.

ونظرًا لاستمرار حالات التثاقف التي حدثت في الساحة الفكرية العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فقد أصبح هذا الخليط اليوم مطابقًا تقريبًا لمفهوم «الأدب» في أوروبا الغربية، أي نشاط الإبداع والخلق الفردي، و«الأدب»، والأعمال الأدبية الفردية التي تنتج عنها، وما يصاحبها من أصداء وتفاعلات وردود فعل قوية كانت أو ضعيفة، في الأوساط الأدبية والفكرية، وفي الصحف اليومية، وفي وسائل الاتصال الجماهيري والإعلام.

5- ثم إن هذا المفهوم قد خُنق في واقع الأمر لأن نقادًا عربًا متأخرين آخرين أفرغوا رأسماله التاريخي ومحتواه الثقافي وشحنته الخيالية ليحددوه تعريفًا شكليًا عقيمًا. فالأدب عند العرب وعند بعضهم هو ما يقوم على الأمر والنهي: «وإذا جاز الصيد في الماء العكر قلنا إن الأدب (بالمعنى القديم) يشكل نموذجًا خطابيًا».

والتي يجب استكشاف عناصرها الهيكلية. وبحسب ابن المقفع فإن الكلمة تدل على الأخلاق والفضائل التي ينبغي تركها، وكذلك النمط الذي ينبغي مراعاته في علاقات المرء مع الآخرين.

والأدب بهذا المعنى له طابع تربوي، والنص الذي يحقق هذه الخاصية تهيمن عليه صيغة الأمر والنهي. وبهذا المعنى نجد أجناسًا عديدة تتوافق مع أسلوب خطابي يتسم بهذه الخاصية البنيوية.

ومن هذه الأنواع نذكر الحكمة والمواعظ والأمثال وخطبة الجمعة، وكلها تدخل في باب الأوامر والنواهي، بأسلوب معين من الكلام، وهو الخطاب التعليمي.

وعلى الرغم من الاختلافات بين هذه الأنواع، فمن الواضح أن القاعدة نفسها تنطبق. وإذا انطلقنا من الاهتمام بالأسلوب نرى أن قرار زهير في تعليقه أقرب إلى الخطبة منه إلى القصة، لأن القصص الموضوعية عن لغة الحيوان تصف حكمة صريحة أو ضمنية، وهي حكمة تتسم بالوصايا والنواهي.

والأدب في هذا المجال له معنى [وهو الأمر والنهي] على الرغم من تعدد الأنواع التي تندرج تحته والتي لها خصائصها الخاصة. 

أليس من الاختزال الشكلي المتطرف الادعاء بأن كامل كنز الأدب العربي يقتصر على صيغة بلاغية دينية واحدة، هي الأمر والنهي؟ والحقيقة أن الخطاب القرآني نفسه لا يمكن حصره في هذا القسم الضيق، لأنه يحتوي على قصص كاملة الأحداث والمؤامرات (قصة نوح، قصة أهل الكهف، قصة يوسف، قصة سليمان وقصة ملكة سبأ وغيرها)، ولها مراجع روائية كثيرة مهمة (إرم ذات العمود، وقوم عاد وثمود وغيرهم).

ومغزى مثل هذا التعريف القزم، وهذه هي النقطة المهمة، هو أن الأدب العربي يفتقر إلى «الخيال» (الخيال بالمعنى الأدبي الغربي المرادف للكلمة اللاتينية: خيال)، كما يفتقر إلى الملحمة والرواية. حكم له بعض التأويلات، رأي تدحضه بعض الروايات التاريخية، وموقف تدحضه بكل الوسائل.

حالة التراث السردي العربي الشعبي الذي يتداول أو ينشر. ولشيخ الأدباء أبو عثمان عمرو بن بحر الملقب بال- وروى الجاحظ (ت 255هـ) قصة مهمة في هذا السياق. وهي قصة طويلة، ونقتصر على سرد الجزء الأول الذي يتعلق بموضوعنا:

كان رجال من المدينة، بينهم محامٍ وروائي وشاعر، يأتون إلى بغداد ويعودون بحسن الحظ، فيجتمع فريق منهم ويقولون لصديق لهم ليس له أدب: لو جئت إلى العراق، ربما يمكنك التقاط شيء؟ قال: إنك تتمتع بأخلاق حسنة، فابحث عنها. قالوا: إنا نخدعك، فأخرجوه.

ولما وصل بغداد طلب الاتصال بعلي بن يقطين وشكا إليه هذه الضرورة. قال: ليس عندي خلق حسن إلا الكذب وتظاهر من يسمعه بأني صادق!

وكان طيبًا ولطيفًا، فأعجب به وعرض عليه المال، فأبى أن يقبله وقال: أريدك فقط أن تخفف عني أذني وتجلس منخفضًا. قال: هذا لك، وكان من أقرب الناس إليه حتى علم بذلك.

فالأدب ليس فقط هذا الخير الفكري الثمين اللازم للمجالس العلمية، وحلقات الدراسة، وأسواق الشعر، وبلاط الأمراء، أي هذا المنتج الثقافي الموروث المكون من الأحاديث المنقولة، والقصص القصيرة، والأشعار الرائعة، واللغة الغربية، ولكنه أيضًا ما يسعى إليه الأشخاص خارج هذه الدوائر العلمية الضيقة من حيث الخطاب الخيالي والممتع.

يعيد خلق الواقع من خلال محاكاة مواقف حياتية مختلفة ومواجهتها بقلب مضحك ومثير. بل يفتح عوالم الوهم الواسعة لأحلام الناس ويجعل من الممكن عوالم فسيحة يمكن الاستقرار فيها والاستمتاع بها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة