سماء بلا قمر -محضر سرّي جداً "الجزء الأول"


 

فبراير ٢٠١٨م -المكلا- باجعمان

(أكّد الطبيب الشرعي موت المدعوّة "قمر" غرقاً في خور المكلا بعد تناولها جرعة كبيرة من الكحول وهذا ما أثبتته التحاليل الطبية اللازمة لفحص الجثمان.)

الأب: 
عُدت إلى البيت الساعة الثامنة والنصف مساءً وهي لم تأتِ بعد، أغلقت كل وسائل التواصل معها فلم نستطع الاتصال بها، وفي الحقيقة لم أكن في حالة قلق، بل غضب لأنها قالت لوالدتها إنها ذاهبة مع صديقتها "مريم" إلى السوق، وستعود سريعاً فهيّأت نفسي للذهاب لبيت صديقتها، وحينها فُتح الباب لتدخل بكل برود وتسلّم علينا، صرخت في وجهها وهي صامتة كالجبل، استفزني موقفها وقد هممت بضربها لكن تمالكت نفسي، بالمقابل مرّت بجانبي دون أن تنبس بشيء، تركتني خلفها وأنا أعوي كالكلب ذاهبةً إلى غرفتها، فتركتها وعدت إلى غرفتي أشاهد التلفاز، وغلبني النعاسُ بعدها ولم أشعر بشيء إلاّ هذا الصباح عندما جاء اتصال من البحث الجنائي بمديرية أمن المكلا يخبرني بوفاتها!

-حدّثني عنها؟
قمر ابنتي الثالثة بعد أخويها وآخر أبنائي، عمرها واحدٌ وثلاثون عاماً، لديها شراهة كبيرة في الأكل والنوم، وتعاني من إسهال في فمها من كثر الكلام، غير جيدة في التعليم، أكملت التعليم الأساسي في ثلاثة عشر سنة، والثانوي بعد ستِّ سنوات، أعادت المرحلة الثانية مرة وآخر مراحل الثانوي مرتين، لا تطيقُ التعليم ومع ذلك لا تشعر أن الخطأ خطأها، بل تُلقي اللوم على النظام التعليمي في البلاد، لن تصدّق إذا أخبرتك أنها اقترنت بالجامعة لفصلٍ واحد ثم انسحبت لنفس الأسباب، لديها دائماً مبررات، لم أستطع فهم ما تذهب إليه دائماً.

-أتعتقد أن هذا يكفي؟ أكمل حتى الذي لا تريد قوله.

الذي يثير حفيظتي هو عصيانها الدائم، لا تُطيع أبويها ولا تُلقي بالاً لعاداتنا وتقاليدنا، عنيدة جداً.

حتّى أنها تزوجت مرتين وكلاهما لم يدوما أكثر من شهرين، أحدهم ابن أخي "سعيد" لم يتوافقا أبداً، تبيَن ذلك في فترة الخطوبة وأجزمنا بأنهما سيتوافقان بعد أول يوم يجمعهما، وكنّا مُخطئين فقد كثُرت المشاكل بينهما وانفصلا في الأسبوع الأول من الشهر الثاني، والآخر يُدعى "حسام" يسكن في مدينة "الحامي" شرق المكلا أصله من أفريقيا، أسمه السابق "كيهايند" قبل دخوله الإسلام، شاب متديّن جداً، منع عنها الهاتف والتلفاز حتى حاسوبها المحمول منعها منه.

كانت تشتكي وكنّا نقول لها أصبري، ولم يكتمل الشهر الثاني حتى جاءت ومعها ورقة الطلاق. 

لا أنكر أنني أحسست بالعار مرات لكونها ابنتي وتعيش معي وحديث الناس عنها لا ينقطع!

-ثم ماذا؟

كانت على علاقة بأحدهم يُدعى "يوسف"، لكن كما تقول هي بأن العلاقة بينهما انتهت، وأنا لستُ متأكداً من هذا، وقد هدّدته مرة بأن يبتعد عنها وإلا أريته ما لا يُحمد عقباه!

-وماذا أيضاً؟

لا شيء آخر.

-هل أنت حزينٌ عليها، تشعر بالأسى تجاهها؟!

أعلم أنني كنت قاسياً معها، وكم تمنيت عدم وجودها لكنني اليوم حزينٌ عليها بشدّة.

-هل تعتقد بأنها انتحرت أم أن هناك جريمة، وإن كان كذلك فبمن تشك؟

لا أستطيع الجزم، لكن أعرف ابنتي، هي مُحبة للحياة، ولا أستطيع أن أشكّ بأحد.

الأم: 
لستُ أدري ما جرى بابنتي، أشعر أننا جميعاً ملومين في موتها، لم نكن جيدين معها، لم نحاول حتى فهمها، كان قاسياً معها كثيراً، يلومها دائماً، يخجل كونها ابنته دون أدنى رأفة، لم يشعرها بأي حنان، لم يشعرها بشيء غير أبوّةٍ طاغية.

لكن ما نفع ذلك الآن، ذهبت "قمر" دون عودة، ليتني أذهب إليها الآن وأطلبها الغفران.

-لمَ تلومين نفسك؟

الصمت ذنبٌ كبير!

-كيف كانت علاقتك بها؟

لا داعي لإخفاء شخصية ابنتي "قمر"، كثيرة السؤال، غريبة التفكير، جريئة الفِعل، بعد كل سهرة زواج أحد ما تصبح حديث كل النساء لما تبديه من رقص وغناء لا تهاب أحداً، ومع ذلك طيّبة القلب حسّاسة جداً، وتعترض على ما لا يعترض عليه أحد.

-مثل؟

تعترض على تعدد الزوجات الرجال!

-معظم النساء إن لم يكن جميعهن يعترضن على هذا التشريع رغم إسلامهن، ما الغريب؟

ليس اعتراضها كجميع النساء، فهي تقول يجب على النساء أيضاً أن يعدّدن، لمَ على المرأة مضاجعة رجل واحد طيلة عمرها؟ 
ليس الغرض من الجنس الإنجاب، بل اللذة! 

قبل زواجها بثلاثة أيام بابن عمها "سعيد" صدمتني بهذا الكلام وعاتبتها، وأصابتني خيفة وقلق عليها ومنها! 

لمَ أصبحت ابنتي هكذا تفكّر، لديها صديقة وحيدة وهي أبعد ما تكون بهذا المستوى، فأخبرت أبيها بذلك وليتني لم أفعل. 

أطلق عليها كل شتيمة مقززة بصوت صارخ أسمع الجيران بما يقول،
لم تكن ترِد، فقط تحدّق بي كأنها تلومني! 

وكانت لحظة فارقة في علاقتنا، من بعد هذه الحادثة لم تعد "قمر" تحكي لي أي شيء، ومع ذلك حاولت أن أعيد علاقتنا إلى ما كانت عليه، لكن بلا فائدة! 

ذهبت صامتة كما هي علاقتنا بعد هذه الحادثة، أتسمح لي بالذهاب، أشعر بثقل على صدري!

-نعم بالتأكيد.

مريم:
أنا صديقتها المقربة أو يمكنك القول الصندوق السرّي لأسرارها، لستُ أدري إن كنت أستطيع حفظها بعد موتها، وإذا حدث وفتحت هذا الصندوق على مصراعيه، هل سأموت من عذاب ضميري؟

سأتحدث عنها قدر ما أستطيع، وفي البدء يشهد الله أنني أحبها كثيراً وأرى سوداوية العيش من دونها، حتى وإن كان حديثها فاحشاً، وسلوكياتها بذيئة، تبقى "قمر" إنسانة لا تؤذي أحداً، ولا تكره أحداً، بل تحب الجميع وتود مساعدة الجميع. 

ومعظم معارفها لا يعرفون حقيقتها، ما يعرفونه عن "قمر" نهدٌ بارز مؤخرة بارزة، وإن كان لبسها مخل، وتحب إظهار التفاصيل المثيرة وغير المثيرة.

كانت تقول هذا هو جمالنا، لمَ علينا أن نقمعه، حتى إنني تأثرت بها قليلاً لكن أسرتي محافظة، وكم حذروني منها ومنعوني منها مرات ومرات، لكن إصرار كلتينا على مصاحبة بعضنا أكبر من أن يفرقنا تسلّط أبوي متعنت. 

عندما تأتي إلى منزلي تلبس بنطالاً طوله عشرين سنتيمتر، وقميصاً لاصق يظهر مفاتنها، وهي جميلة جداً، رآها أخي يوماً بالخطأ وكان متسمراً متصلباً وهي تنظر إليه وتضحك، لا مبالية بالموقف، "قمر" طويلة ولديها جسمٌ متّسق، وشعرٌ أسودٌ داكن، ناعمٌ وطويل، عادةً ما تقسمه إلى نصفين وترميه أمامها فتراه ينهمر بنهديها كأنه شلال يريد هو الآخر الغرق بهما.

سألتها يوماً: ما سر هذا الشكل يا "قمر"؟ 

كما هي العادة دائماً لديها إجابة فتقول إن النهد هو مركز جمال أجسادنا يا مريم، عندما تضعين شعركِ عليه يفيض جمال نهدك عليه فهو معطاء في أي هيئة وفي كل الأزمنة والأمكنة، مصدر أساسي لحياة الأطفال وحياة الكِبار، ومن عظمته ذُكر كثالث نعيم في الجنة، حتى أهل السماء مدركين عظمته وتتحدث بثقة عالية، كم تضحكني تفسيراتها للأشياء، فهي حقيقةً تحيط بهالة فاتنة، والسر في ذلك يكمن في عينيها، عينان واسعتان وحدقاتٍ سوداء داكنة.
آه من قمر...
لِمن تركتِ كلَّ هذا الشغف -هذا الجمال- هذه الحياة وتركتِ مريم؟!

-عرفناها شكلاً لا مضموناً- هل يمكنك تجاوز هذه النقطة لتكتمل الرؤية ويتسنى لنا معرفة "قمر" بكل وضوح وشفافية ونستطيع ربط جميع الإفادات مع بعضها.

سأحاول وسأبدأ من لحظة معرفتي بها، "قمر تكبرني بست سنوات، قابلتها في آخر مراحل الثانوي، كنّا زميلات بثانوية الميناء، وقد أعادت هذه المرحلة. 

شخصية مرحة، ضاحكة، جريئة، فاحشة اللسان، لكنها محبوبةً في الثانوية، كنا في الطابق العلوي وقاعتنا تُطل على البحر، لم تكن علاقتنا قوية في تلك الفترة وازدادت بعد هذه المرحلة حين علمت بأنها تقطن قريباً من منزلي، بدأت الزيارات بيننا وتكاثرت من شهرياً إلى أسبوعياً إلى أكثر الأيام، مع امتداد لساعات الكلام يومياً على العالم الافتراضي.

توطدت العلاقة بيننا، وأصبحت تحكي لي أسرارها الخاصة منها والعامة، وتُفصح بوضوح عن نواياها وبما تفكر، فهي مدمنة مشاهدة للأفلام الإباحية، مدمنة كذلك لممارسة العادة السرية ومعظم أحاديثها تتمحور حول الجنس، في البدء لم أكن أتقبل منها ثم تولّعت به وبدأت أفكر وأحلم بذاك الفارس صاحب الجسد القوي يكتسح جسدي المحروم من معاني اللذة.

وفي أحد الليالي كنّا نتحادث بلهجة وضيعة، صدمتني حين سرّبت لي علاقتها مع شاب اسمه "يوسف" وكأنها تدين له بأن حررها من قيود العفة، وتحكي لي بالتفصيل علاقاتها الجنسية المستمرة منذ زمن معه، هاج بداخلي ما ورثته عن أجدادي ونهرتها وقررت الابتعاد عنها، وفعلت واستمرت القطيعة عاماً وشهرين، ثم عدت لها حين سمعت بأمر زواجها بابن عمها وقلت لربما اهتدت الآن.

رحّبت بي وكأنني ما زلت صديقتها المقربة، وتبدو سعيدة لقرب زواجها، وأكدت على أن أحضر سهرة زفافها بموعده المحدد بعد أسبوعين، وتزوجت "قمر" وكانت ترقص باستفاضة ولديها الجرأة الكافية لتقبيل زوجها في شفته في صالة السهرة.

هي هكذا "قمر" رغم شتائم النسوان لها إلا أنني أعيش غِبطة كونها لا تقبّل إلا حلالاً لها، ومرت الأيام دون أن أعرف ما يدور خلف هذا الزواج.

وفي أول أيام الأسبوع الأول من شهرها الثاني بعد زواجها ذهبت لزيارتها، وكانت كما هي ناضجة، فاتنة، تلبس ما تخجل منه المرأة لكنني اعتدت عليها. 

سألتها عن حالها، رغم بساطتها وسعادتها الفائضة كانت تقول إن علاقتها متوترة مع خالتها وزوجها، وربما لا يدوم زواجها هذا وقالت: يا مريم لا يجب عليك أن تستمعي لي حتى لا نفترق كما افترقنا ذي قبل، لا عليكِ خصوصياتي سأحتفظ بها، وإنّي في غاية السعادة بمجيئك. 

لم أكن لأسمح بأن تبتر سياق الحديث عن هذا، وحاولت إرغامها على الحديث فأفصحت عن أنها لم تعد راضيةً به، ولا هو راضٍ عنها ثم قالت: كان خطأً كبيراً اقترفته عندما قبلت به، مُقرف هذا الشعور كأن تعيش مخنوعاً راضياً بنمط عيش واحد، سألتها علامَ تتطلعين؟ أجابت عن حرية. 

إنك مجنونةٌ يا "قمر"، قلت لها وسألتها عما هو الشيء الأكثر أهمية للمرأة، وهي في كنف زوجٍ وبيتٍ محترم. 

صمتت لبرهة... وقالت لا أدري يا مريم، هل أنا "قمر" خطأ ليس إلّا، أم الخطأ في الحياة برمّتها؟! 

كلماتها كان لها وقعٌ ثقيل على نفسي، تعاطفت معها وعدت إلى البيت وبكيتُ كثيراً وندمت كثيراً وعقلي مليء بالتساؤلات.

وما هي إّلا يومان حتى عادت فعلاً إلى بيت أبيها "مُطلقة"، وعادت علاقتنا كما كانت عليه، وعادت هي إلى "يوسف" وليس يوسف فحسب، بل أصبح لديها أكثر من يوسف.

لم أعد أجادلها في هذه المسألة، واقنعت نفسي بأنها حرّة في اختيار طريقها، وأتذكر تلك الأيام عندما احتل تنظيم القاعدة مدينة المكلا كنت أخاف عليها، لم يمنعها ذلك من ممارسة ما تحب من شهوات، وذات يوم كنّا في السوق معاً، نبس أحد أفراد التنظيم على "قمر" بأن تستحي من هذا اللباس، ردّت بصوتٍ مرتفع جعل الجميع ينظر إلينا صارخةً في وجهه وما شأنك أيها الخنزير، غض بصرك أيها الوحش المكبوت، كان يمكن أن يمر الأمر بسلام لولا عينيك على النساء أيها الوغد النجس، تركتها في هذه اللحظة وخفت عليها وعلى نفسي.

بعد ذلك تقدم لها أحد ممن يوسمون أنفسهم بأهل الدعوة، رجل أفريقي أسلم حديثاً يدعو الناس للإسلام يسكن بمدينة الحامي شرق المكلا، والغريب أنها وافقت وعندما سألتها أمعقول؟

قالت وهي ضاحكة إنها تجربة لا بد أن تُعاش، أفريقي وأنتِ تعلمين ما يعني الأفريقي وضحكت.

فهمت ما ترنو إليه، وتزوجت وعادت قبل استكمال الشهرين، وعادت إلى حياتها الطبيعية مع يوسف وأشباهه.

-كيف كانت آخر اللحظات بينكم؟

لحظات قاسية، مفجعة بالنسبة لي حوالي الساعة الرابعة والنصف عصراً حين جاءت بكامل زينتها إلى منزلي وتبادلنا الحديث حتى الساعة السادسة والنصف، رن هاتفها وكانت تتكلم بصوت منخفض، ثم استأذنت لتذهب، لم أكن لأسال من المُتصل، قلت في نفسي ربما يوسف آخر، وغادرت ثم عادت الساعة الثامنة والنصف وعينيها مليئةً بالدموع، أُلح عليها لأفهم ما السبب، لم تكن تنبس بشيء ثم تنهدت وقالت جئت لأقول إني أحبكِ كثيراً يا مريم.

ثم عانقتني عناقاً حاراً ثم حاولت أن تغادر، وكنت أمنعها لكن لا فائدة، وعند الباب نظرت إليَّ بعينين مليئة بالدموع، وهي تبتسم ابتسامة سلام وطمأنينة، عرفت مؤخراً أنها حالة الرِضاء عندما يتشبع المرء بالفناء، كيف يصل المرء إلى هذه الحالة؟! 

عجيبٌ أمر هذه المرأة...

-ليس لي أي تعليق يا "مريم" أظنني متأثرٌ ومتوترٌ وتائهٌ بهذه "القمر".

بقلم الكاتب


كاتب وباحث وناشط ثقافي (تخصص فلسفة)


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث وناشط ثقافي (تخصص فلسفة)