سليلة الخلفاء - فاطمة بنت عبد الملك

الذهب معدن أصيل طيب لا يصدأ، ومهما تكالبت عليه الظروف السيئة، وتزامنت عليه الصعاب، سواءً كان في خزانة غني، أو في دار فقير، نجده يحافظ على جوهره الطيب النقي، وكذا المرأة الطيبة المنبت، عريقة الأسرة، التي تربت في بيت صالح، وتعودت بين أهلها على جميل الخصال، فنجدها بنتاً بارةً بوالديها، وزوجة مطيعة لزوجها، ناصحة له، تتحمل معه أعباء الحياة، تكون معينة لزوجها على الخير دالة له عليه، دون أن تجد في قلبها حرجاً من الصبر على مصاعب الحياة من جراء ذلك. وهكذا كانت صاحبة هذه الترجمة، المرأة الصالحة والزوجة البارة فاطمة بنت عبد الملك رحمها الله، التي لا يكاد نسمع بها، في الوقت الذي كانت يجب أن تكون فيه احد الفضليات، اللائي يتخذن قدوة للنساء.

هي بنت خليفة ,وحفيدة خليفة، و أخت خليفة، و زوجة خليفة، أبوها أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان، و جدها الخليفة مروان بن الحكم، و إخوتها الوليد و سليمان و يزيد و هشام أبناء عبدالملك، تولوا جميعا الخلافة على المسلمين، وزوجها الخليفة العادل و الإمام العابد عمر بن عبدالعزيز رحمهم الله جميعاً، نشأت في القصور، و كانت كما يقال: ما تحتاجه موجود، و ما تريده ليس بمفقود، و مع هذا لم يكن رغد العيش الذي عاشت في كنفه  لينسيها أخلاق الإسلام، و بساطة الحياة، و حب الخير و الدلالة عليه، فكانت تعين زوجها على عبادة الله، و تشجعه على البذل و العطاء , حتى بعد حياة التقشف التي عاشها زوجها بعد توليه الخلافة، لم تكن لتبين امتعاضها منه و منها، بل شجعته عليها، و كانت أول المعينين له فيها، بعد أن ضاق بها أكثر المحيطين به من الأمراء و الأميرات، و لنجعل الشيخ محب الدين الخطيب  رحمه الله يكمل لنا القصة، لعلها تكون نبراس هداية لنساء هدا العصر، يقول الشيخ محب الدين :

إن فاطمة بنت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كان لأبيها – يوم تزوجت – السلطان الأعظم على الشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والسند والقرم وما وراء النهر الى جنوة شرقاً، وعلى مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والأقصى وإسبانيا غرباً.  ولم تكن فاطمة هذه بنت الخليفة الأعظم وحسب، بل كانت كذلك أخت أربعة من فحول خلفاء الإسلام، وهم: الوليد بن عبد الملك، وسليمان بن عبد الملك ن ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، وكانت فيما بين ذلك زوجة أعظم خليفة عرفه الإسلام بعد خلفاء الصدر الأول، وهو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.

وهذه السيدة التي كانت بنت خليفة. وزوجة خليفة، وأخت أربعة خلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه وهي مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحُلي والمجوهرات، ويقال: إن من هذه الحُلي قرطي مارية اللذين اشتهرا في التاريخ، وتغنى بهما الشعراء، وكانا وحدهما يساويان كنزا. ومن فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن عبدالعزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلو عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا لذلك العهد. ولو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ كرشها في كل ساعة بأدسم المأكولات و أندرها و أغلاها، و تنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك، إلا اني لا أذيع مجهولا بين الناس ان قلت : إن عيشة البذخ و الترف قد تضرها في صحتها من حيث يتمتع بالعافية المعتدلون، وقد تكسبها هذه العيشة الحقد والحسد والكراهية من أهل الفاقة والمعدمين،  زد على ذلك أن العيشة مهما اختلفت ألوانها تكون مع الاعتياد مألوفة ومملولة، و الذين بلغوا من النعيم أقصاه يصطدمون بالفاقة عندما تطلب أنفسهم ما وراء ذلك، فلا يجدونه، بينما المعتدلون يعلمون أن في متناول أيديهم وراء الذي هم فيه، وأنهم يجدونه متى شاؤوا، غير أنهم  اختاروا التحرر منه ومن سائر الكماليات، ليكونوا أرفع منها، وليكونوا غير مستبعدين لشهواتها، ولذلك اختار الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز – في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض –أن تكون نفقة بيته بضعة دراهم في اليوم، ورضيت بذلك زوجة الخليفة التي كانت بنت خليفة وأخت أربعة من الخلفاء، فكانت مغتبطة بذلك، لأنها تذوقت لذة القناعة، وتمتعت بحلاوة الاعتدال، فصارت هذه اللذة وهذه الحلاوة أطيب لها وأرضى لنفسها من كل ما كانت تعرفه قبل ذلك من صنوف البذخ وألوان الترف، بل اقترح عليها زوجها أن تترفع عن عقلية الطفولة فتخرج عن هذه الألاعيب والسفاسف التي كانت تبهرج بها أذنيها وعنقها وشعرها ومعصميها مما لا يسمن ولا يغني من جوع، ولو بيع لأشبع ثمنه بطون شعب برجاله ونسائه وأطفاله، فاستجابت له، واستراحت من أثقال الحلي والمجوهرات واللألى والدرر التي حملتها معها من بيت أبيها، فبعثت بذلك كله إلى بيت مال المسلمين. وتوفي عقب ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ولم يخلف لزوجته وأولاده شيئاً، فجاءها أمين بيت المال، واقترح عليها ان يعيد لها مجوهراتها، فقالت بل ندعها في بيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، ثم قالت: (وما كنت لأطيعه حياً واعصيه ميتاً). وأبت أن تسترد من مالها الحلال الموروث ما يساوي الملايين الكثيرة، في الوقت الذي كانت محتاجة فيه إلى دريهمات، وبذلك كتب الله لها الخلود، وها نحن نتحدث عن شرف معدنها، ورفيع منزلتها بعد عصور وعصور، رحمها الله، وأعلى مقامها في جنات النعيم.

إن أهنأ العيش هو العيش المعتدل في كل شيء، وكل عيش مهما خشن أو نعم، إذا اعتاده أهله ألفوه وارتاحوا إليه، والسعادة هي الرضا، والحر هو الذي يتحرر من كل ما يستطيع الاستغناء عنه، وذلك هو الغنى بالمعنى الروحي والمعنى الإنساني، جعلنا الله من أهله.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب