الحكاية في حياة الشعوب أعرق وأرخص وسيلة من وسائل السمر واللهو البريء، وليس من شك في أنها صاحبت عقل الإنسان وعاطفته ومشاعره منذ آلاف السنين، وهي حين تعيش بيننا اليوم، وستظل تعيش آلافًا أخرى من السنين في حياة جميع الشعوب، فلأنها تنسج من واقع المشاعر الكامنة في النفس الإنسانية.
والأصل في نسيجها مشاعر الخوف، والطموح والحب والرجاء، والضيق بالأزمات، والتطلع إلى حلها، وتفريج ما تسببه من كرب وشقاء، بل ومشاعر الكراهية والحقد والرغبة في الثأر والانتقام، إلى ما لا يحصى في مثل هذا الحديث العابر من مشاعر يعيشها الإنسان، منذ يعي ما حوله من مظاهر الحياة والأحياء.
الحكاية أقدم مناهل الثقافة ومرآة النفس الإنسانية
الحكاية أعرق ما عرف الإنسان من مناهل الثقافة والعلم، ومن وسائل الخروج عن الدائرة المحدودة التي يعيشها إلى آفاق أوسع وأرحب، ولنا أن نتصور هذا الإنسان قبل آلاف السنين، قابعًا في كوخه أو كهفه، مع بعض أهله أو أفراد عشيرته، وقد أصابوا جميعًا كفايتهم من الشواء الذي أتاحه صيد اليوم. لا بد أن أحدهم يُعنى بأن يتحدث عما مرَّ به في يومه، ولا بد أن الآخر يشارك في الحديث بما مرَّ به في أيام مضت. والذي يمر بحياة هذا أو ذاك، أحداث معينة، تتصل بما يعانيه من صراع وعناء في سبيل الحصول على القوت، أو الدفاع عن النفس من غائلة وحش أو عدو، ولا بد أن هذا الصراع استلزم مخرجًا بالقوة أو بالحيلة، وبالهجوم يندحر معه الخصم، أو بالفرار ينجو به المهاجم من الموت.

وليس هنا من وسيلة، يتاح معها تصور المراحل التي تطور فيها الحدث، ولكن لا شك أن ما لا يُحصى من الأحداث كان موضوع الخبر الذي يتحدث عنه السُّمَّار، ولا شك في أن هذه الأحداث تتراكم وتتشابك ويختلط بعضها ببعض، فإذا وجد من يتحدث عنها أو يرويها فلا بد له أن ينسق بينها، وأن يوائم بين أسبابها ونتائجها.
فإذا أعجزه أن يجد التوافق المعقول، فلا مندوحة له من أن يلتمس الحل بما يضيف من خياله، وما يضيفه حين يفيض به الخيال، لا بد أن يتوافر فيه عنصر الغرابة إلى الحد الذي يمكن أن يخرج بالقصة كلها عن حدود المنطق والعقل، ولكن ما دام الراوي يجيد الرواية ويعرف كيف يستثير دهشة السامع، فلا مجال للشك، ولا سبيل إلى مناقشة من منطق أو عقل.
سحر الغرابة.. لماذا يعشق العقل الخوارق؟
حين تقرر الحكاية كونها مادة حديث، وعنصرًا يشبع التطلع إلى الغريب والنادر من الأخبار؛ فإنها تحتل مركز الصدارة في حياة جميع الشعوب، بحيث يتعذر أن تجد شعبًا لا تتصدر الحكاية مسار الثقافة في حياته، ولا تخلو هذه الحياة من حكايات يرويها الآباء، والأمهات، وعلى الأخص الأجداد والجدات.
وعلى الرغم مما يبدو لأول وهلة، من مجانبة الحكاية للمنطق المتطور في عقل الإنسان، وعلى الرغم من أن العقل المتطور في هذا العصر على الأخص يرفض كليًا ما تزدحم به الحكاية أحيانًا من أحداث خارقة للعادة يأخذ أدوار البطولة فيها الساحر، والجن والمارد، أو القزم، والشيح، والقوى الخفية، فإن الحكاية لم تحظَ بالعناية ومحاولات التطور في الشعوب المتطورة. وليس أدل على ذلك من آلاف الحكايات التي تُؤلَّف بأقلام متخصصة، وتُطبع طباعة أنيقة فاخرة، لتوضع بين أيدي الأطفال على حفولها بأحداث تظل مما لا يقبله العقل، ولكنه مما لا بد أن يغذي الأطفال خاصة، بالغرائب والعجائب، وهي في تقدير علماء النفس الوسائل التي تحرك الخيال وتطير به في آفاق غريبة مجهولة، لا تلبث أن تتكشف عن حقيقتها كونها تسلية بريئة، من عناصرها الأساسية المغامرات والمفاجآت والإغراق في الخيال. ولا بد أن ينمو الطفل، وأن تنمو معارفه ومداركه، بما يتلقاه في مختلف مراحل التعليم، فيدرك عندئذٍ، الفرق بين الحقائق العلمية المجردة، وبين الخيال الطافر الجموح.
شغف المغامرة واكتشاف المجهول سر جاذبية السندباد
لنا أن نتساءل: ما الذي يشد الإنسان إلى الإعجاب بالمغامر ومغامراته؟ ولماذا تظل المغامرة -حتى بالنسبة إلى عقل رياضي كعقل أينشتاين مثلًا- مثار دهشة تغري بالتتبع والإلحاح في معرفة نتائجها؟ يمكن أن يكون السبب هو طبيعة الرغبة في اكتشاف المجاهيل أيًا كانت. وطبيعة المغامرة، إقدام على عمل مجهول النتائج.

إن الذي يقول لنا -مثلًا- (إنه كان ساهرًا في مكتبه بعد منتصف الليل عندما فتحت (درفة) واحدة من دواليب الكتب، وسمع صوتًا رقيقًا ناعمًا يقول له: «آن لك أن تبدأ الرحلة معي إلى الجزيرة الصفراء»).. يشدنا إلى مجاهيل متعددة هي: (كيف تنفتح (درفة) الخزانة دون أن يلمسها أحد؟ وكيف يمكن أن يسمع هذا الصوت الرقيق الناعم، دون أن يرى صاحبته؟ ثم هذه الرحلة إلى الجزيرة الصفراء: أين هذه الجزيرة؟ ولماذا توصف بأنها صفراء؟ ولماذا تبدأ الرحلة بعد منتصف الليل؟).
وهنا نبدأ في انتظار ما يمكن أن يقدم عليه من يقص علينا هذه البداية، ونتطلع إلى معرفة الموقف الذي اتخذه: تُرى هل أحس بالخوف؟ وكيف تصرَّف؟ إذا لم يكن قد خاف وارتعد وغادر الغرفة صارخًا، فلا بد أنه بدأ رحلة الخزانة طريقًا سريًا إلى .. إلى .. إلى أين؟ ثم ما وسيلة الانتقال؟ سيارة مثلًا؟ أم بساط الريح؟ أم جناح صاحبة الصوت الناعم التي لا بد أن تكون مخلوقًا له أجنحة تحلِّق بها، ولا يرهقها أن يمسك صاحبنا برجليها وهي طائرة إلى أن تصل إلى تلك الجزيرة الصفراء.. إلى آخر ما يتلاحق من الأسئلة، تلح على الذهن وكلها محاولة لاكتشاف المجهول أو المجاهيل.
ألف ليلة وليلة بنية الخيال والاستطراد
تختار مغامرات السندباد مسرحًا من طبيعته أن تتراكم فيه المجاهيل، هو مسرح الأسفار التي تتوالى من السفرة الأولى إلى السفرة السابعة، والسفر تنقُّل وتجوال، ومن مستلزماته حتى حين تسافر أنت إلى الطائف أو المدينة أو الرياض، أن يظل منطويًا على شيء مجهول. وهذا المجهول لمن تتحدث إليهم عن الرحلة، يظل يغري بمعرفة التفاصيل مهما كانت عادية أو تافهة. فكيف إذا كانت سفرات السندباد السبع، قد اختارت البحار والمحيطات، وعلى الأخص منها المحيط الهندي والهادئ حيث بلاد الهند والسند والصين وما يجاورها من بلدان الشرق الأقصى.
ثم كيف لا يتأجج تطلعك المندهش، حين يرتفع صوت صاحب المركب، بين ركابها الذين كانوا ينعمون بالتجوال في الجزيرة الخضراء، قائلًا: اتركوا كل شيء.. كل متاع لكم وسارعوا إلى النجاة بأنفسكم وأرواحكم. إن الجزيرة التي أنتم عليها ليست إلا سمكة كبيرة استقرت في وسط البحر، وترسب عليها الرمل، فبدت كـأنها جزيرة، آذاها حر النار التي أشعلتموها، فهي الآن تتحرك لتغوص بكم في أعماق البحر.
ألف ليلة وليلة والسندباد.. رحلة في عالم المجاهيل
ولا بد لك أن تسأل عن مصير السندباد: أكان ممن استطاعوا أن يدركوا السفينة وأن يفلتوا من الغرق؟ فإذا بك تجده ممن غرقوا في البحر. ومع ذلك فقد نجا من الغرق بالطفو على خشبة، تقاذفتها الأمواج إلى أن رمت به إلى جزيرة أخرى.

ويذهب بك السندباد في هذه الجزيرة إلى رياضها ومروجها وينابيعها والناضج الشهي من ثمارها، ولا تكاد تحمد الله على نجاته، وتتطلع إلى عودته إلى البصرة التي بدأ منها مغامرته، حتى يفاجئك بإنسان يأخذه من يده وينزل به سردابًا تحت الأرض، وما تحت الأرض مجهول، والرجل الغريب مجهول آخر، ومصير السندباد مجهول، إلى آخر ما هنالك من المجاهيل التي لا تملك إلا أن تتطلع إلى اكتشافها، حتى مع كل ما تملك من منطق وعقل.
وتتلاحق سفرات السندباد واحدة بعد الأخرى، وفي نهاية كل سفرة نجده في البصرة ثم في بغداد سعيدًا قرير العين ناعم العيش، ولكنه يتعشق المغامرة، ولا يركن إلى الحياة الخاملة التي يتيحها ما اكتسب من مال، وما عاد به من سلع وعروض.
فيشرع في السفرة التالية، ليفاجئك، في كل مرة بالمجاهيل تتلاحق، وبالغرائب تتوالى، وهي وإن كانت غرائب فيها بدائية الخيال، والإغراق والاستغراق في التهويل والتضخيم، لكنها تظل مما يستفز دهشتك، خصوصًا لما يتاح له من سبل الخلاص والعودة مرة بعد أخرى إلى بغداد، إلى أن نراه في السفرة الأخيرة ، قد تزوج من الفتاة التي كان أبوها يعيش في جزيرة سكانها من الشياطين الذين يستطيعون أن يطيروا وأن يحلقوا في الفضاء ولا يؤذيهم شيء سوى ذكر الله.
وقد مات الأب بعد أن زوج ابنته من السندباد، فباع ما ترك له من أموال، وعاد إلى بغداد، وقد أثرى ثراء كبيرًا، وتقدمت به السن فاكتفى بأن ينعم بالحياة في قصره الفخم الذي يقابله فيه (السندباد البري)، فتبدأ شهرزاد حكايتها، بذلك اللقاء بين السندبادين.
وحكاية السندباد كجميع حكايات ألف ليلة وليلة، حين تعتمد على التهويل، وعلى عناصر التخويف، كالحيات التي تبلع الفيل، وكالمارد الذي يحمل الرجل بين أصابعه يتحسس ما يكنزه من لحم وشحم، ثم يأكله بعد أن يشويه على النار، وكطير الرخ الذي يبلغ محيط بيضته خمسين ذراعًا.. فإنها تعتمد كذلك على الاستطراد، ومع الاستطراد سلسلة طويلة من النوادر، وفي كل منها مجهول تتطلع إلى معرفته واكتشافه، وفي التطلع تحريك للخيال، وفي هذا التحريك سر نجاح ألف ليلة في الاستحواذ على إعجاب قرائها أو سامعيها من الرواة. وقد كان الرواة دائمًا، الأجداد والجدات، يجتمع الصغار حولهن بعد الغروب، وقبيل ساعة النوم.
مستقبل الحكاية العربية بين إهمال التراث وغزو التلفزيون
ومع أن حكايات ألف ليلة وليلة، ستظل تعيش في الحياة العربية، أجيالًا أخرى، فإن الإقبال عليها يتضاءل، أو هو قد تضاءل خلال ربع القرن الماضي، والأرجح أنها سوف تتراجع عن الأسواق، لتقبع في المكتبات الخاصة بعدِّها لونًا من ألوان التراث. والسبب هو أن الأطفال في العالم العربي اليوم أصبحوا مغمورين بواجباتهم المدرسية التي يلتزمون بها قبل بلوغهم السادسة من العمر، فلا يتسنى لهم أن يجتمعوا حول الجدات لسماع هذه الحكايات وأمثالها.

فإذا وجدوا بعض الوقت للترويح عن النفس، فهناك التلفزيون، يقدم لهم هذه البرامج يصنعها الغرب، والثقافة الغربية والعقل الغربي، ومن تأثيره المباشر على عقولهم، صرف أذهانهم إلى الحياة الغربية يجدون فيها كثيرًا مما يغريهم بالتقليد والاتباع. وليس ما يمنع في الواقع أن نتسامح مع الطفل العربي في التأثر بالثقافة أيًا كان مصدرها ما دامت لا تتعارض مع تقاليدنا ومعتقداتنا والحميد من عاداتنا، ولا يساورنا شك في أن كثيرًا من البرامج التي يعرضها التلفزيون الغربي، يتوافر فيها غرض تربوي هادف، يفيد منه الأطفال، ولكن هذا لا يمنع أيضًا أن يحاول التلفزيون، إنتاج برامج عربية تستهدف ترسيخ ما يهمنا أن يترسخ في ذهن الطفل من القيم والمثل والعادات الحميدة والتقاليد النافعة.
مستقبل الحكاية مطلب تربوي وثقافي
ومن هنا، يتراءى لنا مطلب تربوي لا نشك في أنه قد ظل يعاني إهمالًا طويلًا استتبع ابتعاد الجيل الصاعد عن الحكاية كعنصر من عناصر الثقافة العامة التي لا بد أن ترفضها مقررات التعليم، ومما يؤسف له أن مكتبة الطفل في العالم العربي ما تزال فقيرة أشد الفقر، وباستثناء الجهد الذي بذله المرحوم الأستاذ كامل كيلاني وبعض من تابعوا مسيرته بتأليف كتب للأطفال أغلب موادها مترجمة عن لغات أجنبية، فإن ما ظهر وما لا يزال يظهر من هذه الكتب، أقل كثيرًا مما يستلزمه مطلب التربية لأجيالنا الصاعدة.
وحكايات ألف ليلة، حتى بعد المحاولات التي بُذلت لتطويرها لغة وأسلوبًا وطباعة ليس فيها كثير مما يصلح أن يوضع بين أيدي الأطفال، ولكن ليس من شك في أن كثيرًا من المغامرات في هذه الحكايات، يمكن أن يطور، وأن تستبدل بعض عناصر التهويل والتخويف فيها بعناصر لا مانع من أن يتوفر فيها عنصر الإثارة بوسائل تتكشف عن نتائج يمكن أن يقبلها عقل الطفل، وإن كان فيها مجال واسع لتحريك الخيال.
إن حياة الشعوب لا تستغني عن الحكاية، حتى بعد أن يتكامل العقل التكنولوجي الحديث ليصل إلى أقصى مراحل التكامل، فإنه لا يستغنى إطلاقًا عن الجانب الأسطوري أو الخرافي في الحكاية، على أن يتكشف عن حقيقته كأسطورة أو خرافة يسرح معها الخيال ويستيقظ على حقيقتها العقل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.