سلسلة مقالات تتحدث عن فلسفة الخلق والوجود والإنسان وربط كل هذا بمرجعية دينية عميقة إلى حد ما
اقرأ أيضًا مراجعة كتاب | "الوجودية مذهب إنساني" وسارتر يهاجم فئة النُقاد بواسطته
فلسفة الخلق
قال الله تعالى: "مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍۢ فِي ٱلْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۢ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ".
إشارة من الله تعالى أن كل شيء يحدث في الكون هو مقدر ومكتوب، وهو مراد الله تعالى من قبل خلق هذا الوجود وأساس الإيمان بالقضاء والقدر.
هو اليقين بأن كل ما يجري في الكون منذ بدء الخلق هو مسطر في كتاب يجري على مراد الله تعالى.
ثم يقول الله تعالى في آية أخرى: "يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ".
وهنا يذكرنا الله تعالى بإمكانية تبديل ما ثبت في الكتاب من قضاء وقدر، وهذا يكون بتدخل من أولياء الله الصالحين بهمتهم بتبديل أمر بمحوه ثم إثباته في مجرى أقدار الله، وهذا هو المشار إليه بالتصريف.
وفي كل زمان رجال متصرفون في ذلك الكتاب بالمحو والإثبات، ورئيسهم هو القطب، وهو خليفة الله وهو واحد في كل عصر ظاهر بمقام الاسم الأعظم بالإنابة عن الخليفة الأصل؛ ثم إن سؤال الله تعالى بالدعاء من عامة الناس يغير كذلك إذا صادف الداعي همة موافقة القطب.
اقرأ أيضًا في طرد السموم المستهلكة
مسير أم مخير؟
ثم يقودنا هذا الحديث إلى السؤال القديم: هل الإنسان مخير في أفعاله أم مسير؟
وهذا السؤال قد أعجز المفكرين والفلاسفة منذ قديم الزمان، وهو حقيق بأن يكون معجزًا؛ لأنك إن قلت إن الإنسان مسير ولا خيرة له في كل أمره فقد اتهمت الشريعة في قيمة وجودها.
ولو قلتُ إن الإنسان مخير نفيت قدر الله وثبات مجرى مقاديره في أم الكتاب، إذن فكلا القولين محاط بمفسدة عظيمة.
وقد أجاب بعض العارفين بالله عن ذلك بتجنب مخاطر كل رأي منفرد حين قالوا: إن الإنسان مخير في الشريعة ومسير في الحقيقة.
وهنا ثمة إشكالية في فهم مصطلح حقيقة عند الغالبية العظمى من الناس، ولكن من عرف علم الحقيقة، زال عنه اللبس، وسلم بذلك.
أما إذا أردنا كشف ذلك لعامة الناس فأقول: إن الإنسان مسير في أمِّ الكتاب، ومخير في أن يسأل الله محو ذلك المسطور، وإبداله كما يشاء، وذلك بهمته وحسن أدبه أو بهمة أحد الصالحين.
أما من جهة الحقيقة فإن كل فعل في هذا الكون هو من الله تعالى فالإنسان ليس مستقلًا بأفعاله عن أفعال الله تعالى فالفعل واحد، وهذا الفهم لوحدة الأفعال هو أول قدم في فهم كلية وحدة الوجود.
اقرأ أيضًا
-الطبيعة بين نظرية الخلق ونظرية التطور
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.