سلسلة «ع البحر».. القصة الثالثة: «يوم الوداع»

(ع البحر) سلسلة قصصية قصيرة يرويها لنا البحر، فقد شهد البحر وما زال يشهد كثيرًا من القصص بعضها مفرحة وسعيدة، وأخرى لا يرغب أصحابها في تذكرها، فهي تسبب لهم الأسى وتجدد أحزانهم.

فقد تختلف الذكريات وتتناقض المشاعر بين حب وكراهية وبين سعادة وشقاء، ولكن يجمعنا العشق للبحر والسلام النفسي الذي نشعر به ونحن جالسون على شاطئ البحر، والهدوء الذي نعيشه ونحن نسمع أصوات الأمواج مع نسمة الهواء الخفيفة ورذاذ البحر الذي يلمسنا بخفة، وقد يختلف الأصدقاء ولكن تجمعنا صداقة البحر؛ ففيه نلقي بهمومنا ونضع أسرارنا بين طيات أمواجه.

ماذا لو تحدث البحر وقصَّ علينا أجمل القصص التي شهدها لعرفنا منه كثيرًا من الحكم والمواعظ التي تحملها هذه القصص.

 تُرى ماذا سيقول لنا البحر؟ هذا ما نقدمه في سلسلتنا القصصية (ع البحر).

اقرأ أيضًا: سلسلة «ع البحر».. القصة الأولى: «سلامة ومنار»

القصة الثالثة: يوم الوداع

دعاء وفادي أسرة صغيرة، كانا يعيشان في إحدى المناطق الشعبية، فبالرغم من مستواهما المادي الجيد إلى حد ما لكنهما آثرا البقاء في المنطقة نفسها التي نشآ فيها.

 وبالرغم من سعادة دعاء بزواجها من حب عمرها فادي لكن من ينظر إليها يلاحظ أن عينيها مليئتان بالحزن؛ فهي مشتاقة لطفل يملأ حياتها ويتوج قصة حبها وزوجها، خاصة أن أهل فادي كانوا يتغامزون ويتلامزون عليها بسبب تأخرها في الحمل مدة 10 سنوات.

بداية قصة حب دعاء وفادي

دعاء فتاة شديدة الجمال وتبلغ من العمر 20 عامًا وهي من أسرة بسيطة؛ فوالدها يعمل موظفًا بسيطًا في أحد المصانع، ووالدتها كانت سيدة منزل، لكنها توفيت بعد صراع طويل مع المرض، تاركة دعاء الحاصلة على دبلوم التمريض، وعملت بعد حصولها على الدبلوم في إحدى المستشفيات في الإسماعيلية لتساعد والدها في مصاريف البيت، خاصة أن لدعاء أشقاء صغارًا تتراوح أعمارهم بين سنتين و10 سنوات.

أما فادي فهو شاب من أسرة تنتمي للطبقة المتوسطة، وهو أصغر أشقائه، وهو الولد الوحيد. وبالرغم من ذلك كان متفوقًا في دراسته إلى أن أصبح طبيبًا ماهرًا على الرغم من أن والده كان يعمل تمرجيًا في إحدى المستشفيات في الإسماعيلية، ويبلغ عمر فادي 25 عامًا.

اشتهر فادي بكثرة علاقاته النسائية؛ لأنه يشبه الفنان أحمد عز في ملامحه وبنيانه الجسماني، ما جعل جميع الفتيات تجري وراءه ويتمنين نظرة واحدة من عينيه. وعلى الرغم من علاقاته الكثيرة لكنه كان مغرمًا بدعاء التي كانت ترفض الارتباط بأي شخص حتى يصل أشقاؤها إلى بر الأمان ثم تنظر إلى نفسها، وعلى الرغم من أنها تحب فادي لكنها في الوقت نفسه كانت تخشى من أن تعاني بسبب هذا الحب؛ فهو "كل يوم مع واحدة شكل"، وهذا يعني أن هذا الشاب لا يعرف معنى الحب الطاهر النظيف. ومع ذلك فقد لاحظت حبه لها بمرور الوقت خلال المدة التي عملت فيها مساعدة له، لكنها لم تكترث بذلك؛ خوفًا من أن تكون مجرد اسم في أجندته التي يدون فيها أسماء الفتيات اللاتي يعرفهن.

حاول فادي كثيرًا أن يجذب انتباه دعاء ويجعلها ترضخ له وتكون تحت أمره، لكنها رفضت جميع محاولاته؛ ما جعله يحبها أكثر.

 اشترى فادي شقة في الشارع نفسه الذي تسكن فيه دعاء ليراقبها وهي ذاهبة أو عائدة من وإلى عملها، ولم يخبر أحدًا بذلك، وهي لم تلاحظ ذلك؛ لأنها كانت تسير في الشارع دون التحدث لأحد وليس لها علاقة بمن يعيشون في هذا الشارع لعدم وجود وقت فراغ لذلك؛ فهي بالكاد تنهي عملها وتسرع لرعاية أشقائها وتنشغل في الأعمال المنزلية.

بعد أن باءت جميع محاولات فادي بالفشل قرر مواجهة دعاء ومصارحتها بمشاعره وقرر الارتباط بها جديًّا. في بداية الأمر لم تصدق دعاء حبه لها، وقالت في نفسها إن تصريحاته مجرد لعبة لترضخ له وتصبح مجرد عدد في أجندة معارفه، لكنه أقسم لها أنه يحبها، وأن الأيام ستثبت لها ذلك، وأوضح لها أن جميع محاولاته السابقة كانت مجرد اختبار لها، ولما وجدها تختلف عن سائر الفتيات اللاتي عرفهن احترمها وشعر أنه يحب بحق؛ لذلك كانت هي الفتاة الوحيدة التي طلب منها الزواج، وبمجرد سماعها كلامه وافقت وهي تطير من السعادة؛ لأنها تمنت كسائر الفتيات الارتباط بهذا الشاب، وأحست بأنها انتصرت على الأخريات لأنها استطاعت أن تخطف قلبه وهو الدنجوان الذي تجري وراءه كل الطبيبات والممرضات والفتيات الأخريات.

اقرأ أيضًا: سلسلة «ع البحر».. القصة الثانية: «ذكريات حبيبة»

زواج فادي ودعاء

المشهد الآن في منزل فادي، ونرى أنه يجلس في اجتماع عائلي مع والديه وأشقائه وبنات أخته الكبرى علياء.

 بدأ فادي يقص على أسرته قصة حبه مع دعاء وأبدى لهم رغبته في الزواج منها، بمجرد علم شقيقته علياء بشخصية الفتاة التي يرغب شقيقها في الزواج منها استشاطت غضبًا. في بداية الأمر حاولت إقناع والديها بعدم الموافقة على الذهاب مع فادي لمنزل العروسة "الغندورة" لكنها لم تفلح في ذلك، فتظاهرت بسعادتها البالغة بما قاله شقيقها طالما هو مصرٌّ على الزواج من هذه الفتاة، ولكنها توجهت للمستشفى لمقابلة دعاء ومطالبتها بترك المنطقة التي تسكن فيها وترك المستشفى والانتقال إلى مستشفى أخرى وإلا ستسبب لها ولوالدها كثيرًا من المشكلات، وعرضت عليها مبلغًا من المال مساعدة لها في إيجاد شقة أخرى، معتبرة أن بمجرد اختفاء دعاء سينتهي الموضوع وسينساها فادي تدريجيًّا، إلا أن القدر كانت له كلمة أخرى.

خلال طلب دعاء من مدير المستشفى النقل إلى مستشفى أخرى وفي ظل تمسك المدير بها وبوالدها لأنهما من أفضل الممرضين العاملين في المستشفى؛ ما اضطرها إلى قص ما حدث بينها وبين علياء شقيقة الدكتور، وأن وجودها في المستشفى قد يسبب مشكلات بين فادي وأسرته، وهذا ما لا تتمناه، وهي قد خافت من تهديدات علياء بإيذائها وإيذاء والدها إذا لم تنفذ ما طلبته منها.

 سمع فادي هذا الحديث لأنه كان على وشك الدخول للمدير لسؤاله في أمر يخصه، واستوقفه حديث دعاء وبكائها لكنه انتظر حتى خرجت دون أن تراه، ثم توجه وطلب منها أن تطلب من والدها الحضور لغرفته، وحين سأله المدير عن السبب في ذلك قال له ستعرف حين يأتي عم "سلامة".

 وبمجرد دخول الرجل طلب منه يد دعاء أمام المدير وقال للمدير إنه سمع حديثه مع دعاء، وهذا هو الرد العملي على ما فعلته شقيقته علياء.

وأكد فادي أنه مصر على الزواج من دعاء بالذات؛ لأنها رفضت الدخول معه في علاقة كغيرها من الفتيات؛ لذلك فهو يحترمها ويقدرها ويحبها بشدة.

 وافق سلامة على طلب الدكتور فادي، ولكن يجب الحصول على موافقة أهله على الزواج من هذه الفتاة البسيطة؛ ليضمن الأب أن الطبيب الشاب جاد في طلبه وأن ابنته لن تعاني من أي مشكلة فيما بعد.

 وبعد استخدام فادي سياسة الضغط على أسرته وافقوا على الارتباط بدعاء وتمت الزيجة.

اقرأ أيضًا: خاطرة «البحر».. خواطر وجدانية

الطريق للإنجاب

من الشهر الثاني من الزواج بدأ يظهر قلق أسرة فادي من انعدام دلالات على حدوث حمل، وبدأت الشقيقة علياء الطلب من شقيقها الزواج بأخرى كي ينجب بعد مرور عام على الزواج، خاصة أن فادي كان يرد على أسئلة أسرته "لسة ربنا ما أردش" فكانوا يعاملون دعاء معاملة سيئة جدًّا، ويقولون لها أنت أرض بور ونحن نرغب في تزويج فادي من أخرى حتى نرى له أولادًا.

وذات يوم وبعد مرور 10 سنوات على الزواج شعرت دعاء بالإعياء الشديد، ووقتها علمت أن في أحشائها جنينًا في بداية تكوينه. بكت بشدة من السعادة، وشعرت أن الله استجاب لها دعواتها الممتزجة بالبكاء، وفرح فادي أيضًا بأنه سيرزق بطفل من الإنسانة الوحيدة التي تحرك لها قلبه.

 من هذا اليوم بدأت والدة فادي في تغيير معاملتها لدعاء التي ستصبح أمًّا لأولاد ابنها الوحيد، الجميع غيَّر معاملته للأفضل، ماعدا علياء التي بدأت تغار من طيبة والدتها مع زوجة أخيها.

بعد مرور عدة أشهر من الانتظار رُزقت دعاء بعماد، وأصبح فعلًا هذا الطفل الجميل عماد هو محور اهتمام جدته، فكانت تدلِّله كثيرًا خاصة أن الطفل كان يشبه والده بالضبط.

 تسبب حب واهتمام الجدة بالطفل الصغير عماد في غيرة علياء. فكيف يحصل هذا الطفل على حب واهتمام والدتها، ويخطف الاهتمام من ابنتيها اللتين كانتا قرة عينها وتربيا في حضنها؛ لهذا حاولت كثيرًا التخلص منها، ولكنها لم تستطع ذلك.

خطة التخلص من عماد

استمرت محاولات علياء في التخلص من عماد 3 سنوات، وحينما باءت جميع محاولاتها بالفشل قررت عمل خطة شيطانية مفادها أن تتظاهر بالندم وأنها بدأت تحب الطفل حبًّا شديدًا مثلما تحب ابنتيها، وكيف لا يحدث ذلك وهو ابن شقيقها الوحيد الذي طالما تمنَّت أن ترى له طفلًا.

 وبالفعل التقطت الأسرة بأسرها الطعم الذي ألقته علياء، إلى أن حانت اللحظة المناسبة لتنفيذ الخطوة الأخيرة في خطتها وسيعود الاهتمام بابنتيها من الأسرة كُلَّها.

اقرأ أيضًا: قصة "بحر الزمن المفقود" لجابرييل جارسيا ماركيز

يوم الوداع

كان ذلك يوم عيد ميلاد عماد الخامس، طلبت علياء وقتها اصطحاب عماد لشراء هدية له، فهي ترغب في شراء ملابس له وترغب في قياس هذه الملابس عليه للتأكد من أنها مناسبة له.

 في بداية الأمر رفضت دعاء هذا الاقتراح، لكن علياء بكت بدموع التماسيح وقالت لها: هل ما زلتِ تشكين في أنني أريد التخلص من ابن أخي؟ صمتت دعاء. فقالت لها علياء إنها ندمت على ما كان يحدث منها خلال المدة الماضية، وإذا كان قد سامحتها وغفرت لها خطيئتها عليها أن تسمح بمصاحبة عماد لها للخارج لشراء بعض الأغراض له بمناسبة عيد ميلاده.

أمام إصرار الجدة وإلحاح علياء وافقت دعاء على ذلك، لكنها شعرت بغصة في قلبها وانتابها إحساس بأن هذه هي المرة الأخيرة التي سترى فيها طفلها الذي انتظرت قدومه سنوات طويلة؛ لهذا احتضنته وبكت بشدة، ما أثار ذعر الطفل، وجعله يبدأ في الصراخ والبكاء.

 ابتسمت علياء وربتت على كتف الطفل لتطمئنه، وقالت في نفسها إنها أخيرًا أتيحت لها الفرصة للتخلص من هذا الطفل الذي استحوذ على حب واهتمام جدته وسحب السجادة من تحت أقدام ابنتيها.

توجهت علياء إلى شاطئ البحر، وسحبت الطفل إلى أعماق البحر، ثم تركته يغوص في أعماق البحر. وبعد تحققها من غرق الطفل بدأت في الصراخ والعويل، وتظاهرت أن الطفل سقط من يدها في أثناء السباحة بسبب ارتفاع الموجة، تجمع حولها الناس محاولين مواساتها.

بعد مرور 4 أيام استطاعت فرق الإنقاذ استخراج جثة الطفل. وبمجرد رؤية علياء جثة طفلها الوحيد أُصيبت بالشلل من الصدمة. أما فادي فقد أصيب بأزمة قلبية أودت بحياته في لحظتها. حاولت دعاء الانتحار أكثر من مرة لكن حماتها كانت تمنعها من ذلك. وبدأت السيدة الكبيرة في رعاية دعاء خاصة بعد طرد علياء من المنزل لعدم رغبة أحد في رؤية وجهها؛ لأنهم اتهموها بالإهمال ما أدى لوفاة الطفل الذي انتظر قدومه الجميع سنوات عدة.

الانتقام

بعد مرور وقت على وفاة عماد وفادي أُصيبت علياء بمرض نفسي أدى لقتلها لبناتها؛ وذلك لأنها كانت ترى أن عماد ينادي عليها ويحاول أن يمسك يدها حتى لا يغرق، وكانت تسمع صراخه حتى وهي مستيقظة. ولكي تتخلص من عذاب ضميرها مما فعلته في شقيقها وزوجته ونجله ألقت بنفسها في البحر، وماتت غرقًا بالطريقة نفسها التي قتلت بها نجل شقيقها.

اقرأ أيضًا: سلسلة «ع البحر».. القصة الرابعة: «وادي الذكريات»

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة