يُمثل سقوط بغداد على يد هولاكو قائد المغول عام 1258م كارثة عسكرية ونقطة تحول حضارية أنهت عصرًا وبدأت آخر، لم يكن سقوط الخلاقة العباسية هزيمة لخليفة فحسب، بل كانت إعلان نهاية خلافة العباسية التي حكمت العالم الإسلامي خمسة قرون.
في هذا المقال نصحبك في جولة في تاريخ العراق ونعود إلى القرن الثالث عشر لنتعرف على أهم ملامح هذه الكارثة التي طالت البشر والمباني والنبات والكتب والعلوم حتى إن الناس في بلاد العراق ظنوا أنها نهاية العالم.
لم تكن بغداد مدينة متقدمة ولا عاصمة لدولة مزدهرة فحسب، وإنما كانت قلب الخلافة الإسلامية وكعبة العلم والثقافة في العالم العربي والإسلامي. حتى في مراحل ضعف الدولة العباسية، كانت بغداد تحتفظ بتألقها وتميزها، فكانت تحوي العلماء والمكتبات والمختبرات والمستشفيات والمساجد والمدارس بوصفها من أكثر المدن تقدمًا في العالم؛ لذا كان اجتياح المغول لبغداد أحد أبشع الكوارث والمذابح في تاريخ الإنسانية، بسبب ما فعله جنود هولاكو في عاصمة الخلافة على مدار 40 يومًا من القتل والحرق والدمار الذي يتخطى حدود الوصف والكلمات.
بغداد قبل السقوط
كانت بغداد هي عاصمة الدولة العباسية وأهم المدن على مستوى الخلافة الإسلامية، إلى أن بدأ الخلفاء العباسيون عصر الضعف وانحسار النفوذ، ما أدى إلى تقلص رقعة سيطرتهم إلى بلاد العراق وبعض الأجزاء من بلاد فارس. ولم يكن لهم سوى السيطرة الوهمية التي تتمثل في الدعاء لهم على منابر المساجد، وذلك نتيجة انفصال عدد من البلاد والأقطار في فارس ومصر والشام والأناضول نتيجة حالة الضعف العامة للعباسيين، وكانت هذه من أهم أسباب سقوط الدولة العباسية داخليًّا.
تولى الخليفة المستعصم بالله حكم الدولة العباسية عام 1242 ميلادية، ولم تمثل مدة خلافته أي تغيير عمن سبقوه من خلفاء ضعاف. وعُرف عنه أنه كان لينًا محبًا للمال، كما قال عنه المؤرخ أيبك الداودي إنه كان يميل إلى الظلم والطيش والانقياد إلى بعض أصحابه، وهو ما أثر في البلاد عمومًا وعلى بغداد خصوصًا، حتى إن البلاد تعرضت لسيل ضخم أدى إلى إغراق البيوت والمتاجر، واستغله اللصوص في السلب والنهب، وخربت معه مساحات كبيرة من أراضي العراق، فأطلق الناس على هذا السيل اسم «الغرق المستعصمي» نسبة إلى ضعف المستعصم.
صعود المغول: من هم وكيف وصلوا إلى بغداد؟
لم يأتِ اجتياح المغول من فراغ، بل كان جزءًا من حملة توسع كبرى بدأها جنكيز خان في أوائل القرن الثالث عشر. وبعد وفاته، استكمل أحفاده مسيرته. كان هولاكو خان حفيد جنكيز خان، مكلفًا من أخيه الخان الأعظم مونكو خان بتوسيع غربًا، والقضاء على معاقل القوة في بلاد فارس (مثل الحشاشين) ثم إخضاع الخلافة العباسية في بغداد.
المواجهة الحتمية: قصة الخليفة المستعصم بالله وهولاكو
بلا شك، لم يكن الخليفة المستعصم قادرًا على مواجهة المغول، خاصةً وهم في أوج قوتهم وقدرتهم. فكان يعمل على اتقاء شرهم بالهدايا والأموال، تجنبًا للدخول في صراع أو معارك مباشرة، وهو ما فعله كثير من حكام المسلمين في المنطقة في التعامل مع المغول، مثل بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل والناصر يوسف حاكم دمشق.
ثم جاءت رسل هولاكو، زعيم المغول، إلى الخليفة المستعصم، تطلب منه ردم الخنادق وهدم الحصون، والحضور لمقابلته من أجل الحصول على رضاه وعدم استفزازه. وأن المقابل في حالة الرفض سيكون القتال والدمار. فما كان من المستعصم إلا أن رد عليه برسالة تحمل بعض المهادنة وبعض التهديد، إضافة إلى إرساله بعض التحف والهدايا. لكن هولاكو رد على رسالة المستعصم بأنه سيأتيه بجيش جرار كالنمل والجراد.
وبعد أن أدرك المستعصم بالله أن المغول في بغداد ولا مفر من المواجهة، بدأ في جمع الجيوش والعتاد وحشد الجنود من العرب والأتراك، لكن الوضع كان سيئًا بسبب قلة الأموال والوقت، إضافة إلى عدد من الأمور الداخلية التي تراكمت نتيجة ضعف الدولة العباسية سنوات طويلة، فوصل الأمر إلى أن الجيش الذي يدافع عن المدينة لا يتجاوز 10,000 جندي في حين كانت بعض جيوش الدولة العباسية لا تقل عن 100,000 جندي في أوقات القوة والازدهار، وهذه من أهم أسباب سقوط بغداد على يد المغول.
وكانت أسوار المدينة في حالة سيئة نتيجة إهمالها سنوات طويلة؛ فلم تجرَ لها صيانة أو إعادة تقوية، وبذلك كانت الدفاعات ضعيفة، والحصون والأبراج قديمة ولا تستطيع صد الهجوم، لا سيما إذا كان من جيش قوي مثل جيش المغول.
حصار بغداد: تفاصيل السقوط العسكري
مع هذه القوة الكبيرة للمغول في تلك المرحلة من التاريخ، كان من السهل جمع جيش جرار والزحف على بغداد. وكان الجيش بقيادة هولاكو الذي جمع المنجنيقات وآلات الحصار، وجمع الفرق الحربية من البلاد المختلفة وضم إلى جيشه مجموعات متعددة، منهم فرنجة من طرابلس وقوات من أنطاكية الصليبية وألف خبير من خبراء المفرقعات والمتفجرات الصينيين، إضافة إلى فرسان من الأتراك والفرس، حتى وصل عدد الجيش المغولي إلى نحو 150 ألف رجل.
عندما وصل جيش المغول إلى مدينة أسد آباد، أرسل هولاكو إلى الخليفة المستعصم يطلب حضوره، لكن المستعصم خشي الذهاب إليه، وأرسل إليه يسترضيه ويستأمنه على حياته، وأرسل إليه وفدًا محملًا بالهدايا، لكن هولاكو رفض كل ذلك، فقد قرر تدمير بغداد، وبذلك لم يكن من السهل أن يعود من حيث أتى.
ومع زحف الجيش المغولي إلى بلاد العراق، حدثت معارك عدة، ومن بينها معركة فتح فيها جيش المغول السدود التي أدت إلى غمر الصحراء بالماء، وحصار جزء من الجيش العباسي، وقتل نحو 12 ألف رجل من العباسيين في تلك المعركة، قبل أن يكمل الجيش المغولي زحفه نحو غرب بغداد، فحاصرها من كل اتجاه، ثم ضربها بالمجانيق.
يقال إن جيش المغول في أثناء حصار بغداد كانت تأتي إليه الفرق المغولية من كل اتجاه حتى بلغ عدد الجنود المحاصرين للمدينة نحو 200 ألف مقاتل يقودهم هولاكو وعدد من قادة المغول الذين استطاعوا إحداث ثغرات في أبراج المدينة، ثم قاموا بتسلق الأبراج وقتل الحامية، وهو ما ساعدهم على السيطرة على الأسوار الشرقية للمدينة ونصب المجانيق على مجرى النهر وبذلك قطعوا الطريق على أي شخص يحاول الهرب عبر النهر.
المذبحة الكبرى وسقوط بغداد في أيدي المغول
على الرغم من استسلام الخليفة المستعصم يوم 10 فبراير عام 1258 ميلادية، وخروجه مع أولاده وعددٍ كبيرٍ من القضاة والفقهاء ورجال الدولة والأمراء والأعيان، فإن المغول طلبوا من الخليفة أن يأمر سكان بغداد بالخروج من المدينة دون أسلحة، وذلك من أجل إحصاء عدد السكان. وبعد أن فعلوا ذلك، بدأت مذبحة المغول في بغداد، فقتل المغول الناس غدرًا، وقبضوا على الخليفة وأتباعه، ووضعوه تحت الحراسة.
وفي يوم 14 فبراير عام 1258، دخل المغول إلى مدينة بغداد واستباحوا الحرمات، وقتلوا كل من وجدوه في طريقهم من رجالٍ ونساءٍ وشيوخٍ وأطفالٍ، وأحرقوا البيوت والحدائق والأشجار، ونهبوا الأموال والثروات، إضافة إلى إحراق المعالم التي تميز مدينة بغداد مثل المساجد ومقابر الخلفاء وبيت الحكمة والمكتبات، فكانت هذه مذبحة بغداد الكبرى.
وعلى مدار 40 يومًا عاث المغول في بغداد فسادًا، إذ كانوا يقتلون الناس جماعاتٍ، فكانت الأسرة تُذبح كلها من أطفال وأولاد وشيوخ ورجال ونساء، ولم ينجُ من هذه المذابح سوى عدد قليل من سكان بغداد كانوا من المسيحيين. فلماذا استبقى المغول المسيحيين في بغداد؟ تقول المصادر التاريخية إن زوجة هولاكو، كانت مسيحية نسطورية، وقد توسطت لدى زوجها لحماية السكان المسيحيين الذين لجأوا إلى الكنائس، فأمر هولاكو بعدم التعرض لهم.
ومن الناس من اختبأ في المجارير والآبار، ومنهم من أغلق على نفسه أبواب الحانات والدكاكين، فكان الجنود المغول يحرقون الدكاكين والمحال بمن فيها.
وهكذا كان ضعف الدولة العباسية ووحشية المغول عاملين مشتركين في أحد أكبر الكوارث في تاريخ الإنسانية وأكثرها بشاعة، إذ قدر المؤرخون أعداد القتلى في مدينة بغداد ما بين 90 ألفًا و200 ألف قتيل، في حين أشارت مصادر أخرى إلى أن عدد القتلى تجاوز مليون شخصٍ نسبةً إلى عدد سكان بغداد، في حين قال الإمام الذهبي في كتاب «تاريخ الإسلام»: إنهم كانوا نحو 800 ألف قتيل.
وكان هولاكو قد دخل قصر الخليفة المستعصم يوم 16 فبراير عام 1258، وعثر على أحواضٍ مملوءةٍ بالذهب الأحمر تحت ساحة القصر. وكان الخليفة الخائف على عمره يفتح الأقفال ويُخرج الأموال والثياب والتحف والجواهر، ويعطيها هولاكو طمعًا في العفو، وهي الثروات التي جمعها العباسيون على مدار خمسة قرون. وأخذها هولاكو في لحظاتٍ، حتى إنه قال للخليفة المستعصم: «لو أنفقت هذه الأموال على جنودك وعلى تحصيناتك، لما وقفت هذه الوقفة».
وفي يوم 19 فبراير عام 1258، أمر هولاكو بإعدام الخليفة المستعصم بطريقةٍ غريبةٍ، إذ وضعه في سجادةٍ وأمر بركله بالأرجل حتى الموت. وقالت مصادرٌ إنه مات خنقًا، وقالت مصادرٌ أخرى إن المستعصم أُعدم غرقًا في الماء، في حين تحدث بعض المؤرخين عن أن المغول لجأوا إلى هذه الطريقة كي لا تسيل دماء الخليفة على الأرض، وهو ما كانوا يعدونه فألًا سيئًا.
وفي كل الأحوال فقد مات المستعصم وهو في السادسة والأربعين من عمره بعد 15 سنة من الخلافة، وقُتل ابنه الأكبر وابنه الأوسط، إضافة إلى معظم العباسيين الموجودين في بغداد، فلم يبقَ إلا أفرادٌ قلائلُ ليس لهم أي وزنٍ في دولة الخلافة، لتنتهي قصة الدولة العباسية بعد 525 عامًا وسبعةٍ وثلاثين خليفةً، وبذلك تحقق سقوط الدولة العباسية على يد المغول.
كارثة مكتبة بغداد نزيف الحبر
لم تكن مذبحة المغول في مدينة بغداد قاصرةً على البشر فقط، وإنما طالت الحيوانات والطيور والنبات والمعالم، وطالت أيضًا العلم والمعرفة، وهو ما أطلق عليه العلماء «نزيف الحبر»، إذ حرق المغول مكتبات بغداد التي كانت قلعةً للعلم والمعرفة، وقامت على أكتاف أعظم المؤلفين والمترجمين والعلماء في ذلك الزمان الذين لم يكونوا فقط من العرب والمسلمين، وإنما كانوا من جميع أنحاء العالم.
لقد كان حرق مكتبة بيت الحكمة أبرز مظاهر هذه الكارثة الحضارية، فكانت مكتبة بغداد تحتوي كتبًا ومنشوراتٍ ولفائفَ من جميع الحضارات ومختلف العلوم التي أنفق عليها العباسيون كثيرًا وكثيرًا، وهو ما مثل جرحًا كبيرًا في قلب كل مثقفٍ وعالمٍ في كل مكان، مهما كان انتماؤه أو كانت جنسيته، إضافة إلى الأقوال التي تواترت عن رمي آلاف الكتب في النهر في محاولةٍ لصنع سد ما بين ضفتي النهر والعبور عليه من قبل المغول بقصد إتلاف الكتب بطريقةٍ مهينةٍ، حتى قيل إن مياه النهر أصبحت سوداء من نزيف الحبر والأوراق، إن تأثير سقوط بغداد فى يد المغول على الثقافة والحضارة الإسلامية كان كارثيًا، ففقد العالم الإسلامي جزءًا هائلًا من تراثه العلمي والفلسفي.
لماذا حرق المغول مكتبة بغداد؟
على الرغم من أن الأسباب الواضحة لتدمير مكتبات بغداد من قبل المغول تتضمن الكراهية الشديدة من المغول للعباسيين وكذلك كراهية شعب المغول لكل أنواع العلم والمعرفة والتعليم، يمكن أيضًا الإشارة إلى كثير من المعتقدات الدينية لدى المغول فيما يخص الكتب، فقد كانوا يعتقدون أنها تحتوي السحر والشعوذة، لذا كانوا يقومون بالتخلص منها عن طريق الحرق والإتلاف من أجل الانتصار في المعارك.
بغداد بعد المذبحة
تحكي المصادر التاريخية عن أهل بغداد بعد 40 ليلةً من القتل والحرق والدمار، وبعد أن أمر هولاكو بوقف أعمال السلب والنهب والمذابح، وأعطى للناس الأمان في الخروج إلى الشوارع. فخرج من تبقى حيًّا ممن اختبأ في المجاري والقنوات، وهم في حالٍ يُرثى له، وكأنهم خرجوا من القبور. حتى قيل إنهم كانوا في صدمةٍ كبيرةٍ، وأنكر بعضهم بعضًا، وظلوا على هذا الحال هذه الحال مدة من الزمن قبل أن يعودوا إلى رشدهم ويبدأوا في دفن الضحايا وتطهير الطرق من الناس والحيوانات، قبل أن تعود الحياة إلى طبيعتها تدريجيًّا.
ومع تناثر الجثث في الطرق بأعدادٍ ضخمةٍ كان من الطبيعي أن ينتشر التلوث، لا سيما بعد سقوط الأمطار على هذه الجثث، وهو ما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة، وظهر وباءٌ شديدٌ أدى إلى وفاة عددٍ كبيرٍ من الناس في العراق، وانتقل إلى بلاد الشام، ووصلت الروائح الكريهة إلى حلب ودمشق، وأُصيب كثير من الناس، حتى قيل إن هولاكو أمر بحرق المدينة بالكامل بسبب ذلك الوباء، لكن أحد قواده نصحه بعدم فعل ذلك نظرًا لحجم المدينة وأهميتها للمغول.
كم سنة حكم المغول بغداد؟
أسس هولاكو الدولة التي حكمت بلاد فارس والعراق، وكانت بغداد إحدى عواصمها، استمر حكمهم المباشر نحو 80 عامًا (من 1258 إلى نحو 1335)، وبعدها تفككت الدولة إلى سلالات محلية أصغر.
من الذي طرد المغول من العراق؟
لم يطرد المغول في معركة حاسمة واحدة من العراق؛ لأن نهاية المغول في العراق كانت تدريجية؛ فقد ضعفت الدولة الإلخانية بسبب الصراعات الداخلية واعتناق حكامها المتأخرين للإسلام، ما أدى إلى صعود سلالات محلية مثل الذين سيطروا على بغداد بعد تفكك الإلخانات.
هل لا يزال هناك أحفاد للمغول في العراق؟
نعم، يُعتقد بوجود أحفاد للمغول في العراق اليوم. عبر القرون، اندمج الجنود والمستوطنون المغول مع السكان المحليين بالزواج واعتناق الإسلام. اليوم، وقد تحمل بعض العشائر والقبائل في العراق، لا سيما في الشمال، أصولًا ترجع إلى تلك الفترة، على الرغم من أنهم أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من النسيج العراقي العربي والكردي.
وفي النهاية، فإن الشعوب تتعلم من أخطائها، وهذه الكوارث والمذابح قد تصبح دروسًا للأجيال التالية. وعلى الرغم من همجية ووحشية المغول، فإن التاريخ أخبرنا أنهم انخرطوا في المجتمع العربي، ودخل معظمهم في الإسلام، وعاشوا في بغداد حتى انتهى المغول تمامًا، وبقيت بغداد وأهلها، وستبقى إن شاء الله إلى أبد الآبدين.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولةً في تاريخ بغداد، المدينة العظيمة التي عاشت أسوأ أيامها مع اقتحام المغول، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تشارك المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.