في عالمٍ يموجُ بالأفكار والأطروحات، وتصطخبُ فيه الأصواتُ الناعقة؛ كلٌّ يدعونا إلى اتباع قبلته، تُصبحُ البلاغةُ سلاحًا ذا حدَّين: إما أن تُضيءَ لنا الطريقَ، وإما أن تضع جسرًا كاذبًا من الورود فوق الحفر العميقة. فما هي البلاغة؟ وكيف تحتالُ أحيانًا في إقناعنا، لا بسلاح القهر، ولكن بسيف البيان؟ ومتى تكونُ نبيلةً بريئةً، ومتى تكونُ مخادعةً سامةً؟
وأخيرًا، كيف ننجو من الانسياق وراء سيلان العاطفة الذي تثيره تلك البلاغةُ المخادعة على حساب العقل؟ كلُّ ذلك نطرحه في هذا المقال.
تعريف البلاغة
البلاغة في اللغة هي حُسن البيان وقوة التأثير. وعند علماء البلاغة: هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. وهي مشتقة من الفعل «بلغ»، أي وصل، بمعنى وصول الكلام إلى الغايةِ التي قيلَ من أجلها، إمتاعًا كان أو إقناعًا.

ولعلَّ هذا هو السبب في وَلَعِنا بها وشغفنا بوقعها علينا؛ لأن مطابقةَ الكلام تعني مراعاةَ اختيار الكلمات المناسبة، والأسلوب اللائق، والطول المناسب للكلام «إيجازًا أو إطنابًا». فهي لا ترتكز على الكلام الأجمل، بل تُعنَى بالكلام الأنسب.
فالجملةُ الواحدة تكونُ بليغةً في موقف، وقد تكونُ ساذجةً أو فارغةً أو سخيفةً في موقف آخر. وأما مقتضى الحال، فالحالُ المعنيُّ هنا واسعٌ جدًا، ويشمل: الشخص أو الجماعة التي تخاطبها «هل هو عالمٌ أم جاهلٌ، حزينٌ أم مسرورٌ، طفلٌ أم بالغٌ، خصمٌ أم صديقٌ… إلخ». ويشمل الغرضَ من الكلام «هل هو إقناعٌ أو تهذيبٌ أو تعليمٌ أو مواساةٌ… إلخ». ويشمل أيضًا الحالةَ النفسية للمخاطب «فهل هو مستعدٌّ لاستماع الحجة، أم هو يحتاجُ ابتداءً إلى نوعِ احتواءٍ وتأليفٍ؟».
ولهذا كانت البلاغةُ الحقيقية سلاحًا أمضى في القلوب من حدِّ الأسنة والرماح. ولا عجبَ إذن أن يقولَ النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا».
وبناءً على ما تقدم من التعريف، نخلص إلى أن البلاغة لا تتطرق إلى جوهر الموضوع الذي تتحدث عنه؛ فلا يلزم من كون الكلام بليغًا أن يكون صادقًا. وهنا تظهر خطورة البلاغة؛ لأن الحقائق لا تقوم على الصياغة، بل على الجوهر. والقالبُ ليس القلبَ، والثيابُ ليست هي الذات.
أقسام البلاغة في اللغة العربية
تنقسم علوم البلاغة العربية إلى ثلاثة علوم أساسية، لكل منها دور محدد في تجويد الكلام وتحسينه:
1. علم المعاني
يهتم بكيفية مطابقة الكلام لمقتضى الحال (أي اختيار اللفظ المناسب للموقف والمخاطب)، ويهدف للوصول إلى وضوح الدلالة ودقة التعبير.
2. علم البيان
يهتم بكيفية التعبير عن المعنى الواحد بطرق وأساليب مختلفة (التصوير الفني)، ويهدف لإيصال المعنى من خلال الصور الخيالية والمؤثرة.
3. علم البديع
يهتم بوجوه تحسين الكلام وتزيينه لفظاً أو معنى (الزخرفة الأدبية)، ويهدف لإضفاء الجرس الموسيقي والجمال الشكلي على النص.
لماذا نُحبُّ الكلامَ البليغ؟
إن ما يعنيه ذلك أن الشخص البليغ قد يؤثر فينا أكثرَ من الشخص الصادق. ألم ترَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من الآخر، فمن قضيتُ له بغير حقه فلا يأخذه، فإنما قطعتُ له قطعةً من النار»؟
وانظر إلى هذا الوصف النبوي المبهر: «ألحن بحجته». فالبلاغة بالفعل بمثابة اللحن الذي يعزف على أوتار المشاعر، فيُحيلُ الأكاذيبَ حقًّا.
فنحن نعشقُ البلاغةَ لأنها تُبهرنا، وتدفدفُ بأجنحةٍ مطربةٍ فوقَ مشاعرنا، وتُضفي على الكلام بريقًا أخَّاذًا يخلبُ السمعَ والأفئدةَ جميعًا. فالجملة البليغة تُقنع قبلَ أن تمرَّ على حاجز المناقشة، وتؤثِّرُ قبل أن تخضعَ لفلتر التحليل. فربما انخدعنا بها، لا لأننا ساذجون، ولكن لأن أدمغتنا تميلُ بالسليقة إلى ما يشبه اللحن الموسيقي: إلى الإيقاع والنظم والصورة الجميلة والجملة المحكمة.

أضف إلى ذلك أن أدمغتنا أيضًا تعشق الاختصار؛ فتأتي البلاغةُ لتمنحنا وهمَ الفهم السريع. فالجملةُ، كلما كانت أوفرَ حظًا من البلاغة، كانت أبلغَ في التعبير من صفحاتٍ كثيرةٍ تخلو من البلاغة؛ فتغنينا عن التحليل، ولكنها كثيرًا ما تُزهدنا في التفكير نفسه.
ولكنَّ هذا هو ما يصنع المشكلة: حين تنبتر البلاغة عن الحقيقة؛ فإنها تستحيلُ من أداةِ بيانٍ إلى آلةِ خداع، ومن غايةٍ نبيلةٍ إلى وسيلةٍ رخيصةٍ.
ليس أدلَّ على ذلك من قول القائل: أعذبُ الشعر أكذبُه. هل تدري ما معنى ذلك؟ كلما كان الشعر أكثرَ كذبًا؛ كلما كان أعذبَ على النفس وقعًا وأطرب. والسبب أن جمال الشعر يتناسب مع ما فيه من الخيال، والخيال ليس هو الحقيقة؛ فالحقيقة محدودة بالواقع، والخيال لا حدودَ له. فكلما كثر المجاز والاستعارة والكنايات والصور؛ كان ذلك أكثرَ تأثيرًا في النفس، وإن كان لا يستلزم أن يكون أكثر صدقًا.
كيف تخدعنا البلاغة أحيانًا؟
والآن دعنا نعرف الحيلَ التي تُروِّج بها البلاغة تأثيرها:
1- أنها تُقَلِّدُ الفكرةَ ثيابًا مبهرجةً وحُليًّا منمقةً: فيصعب على السامع أن يُسائلها. فحين تُصاغُ الفكرةُ بأسلوبٍ بليغ، نفترضُ تلقائيًا أنها فكرةٌ صحيحة. فيلتبسُ علينا حُسنُ السبك بصدق المعنى. فإذا بالكلمات المطرزة بديباجِ البلاغة قد صارت شاهدًا على الحقيقة، لا مجردَ أداةٍ لنقلها. فكم من أطروحةٍ مُتهوّكةٍ قد سَلِمَت من النقد، لا لصحتها، وإنما لجزالةِ العبارة الحاملةِ لها.
2- أن البلاغةَ تُهَيِّجُ العاطفةَ لتُخمِدَ العقل: فما بين استعارة، ومبالغة، ومجاز، وأسئلةٍ خطابية؛ يُستثارُ الخوفُ أو الرجاء أو الغضب أو الشجاعة. وعندما تفور العاطفةُ؛ يرعوي المنطق منزوِيًا، فنستغني في الحكم على الأشياء بشعورنا نحوها لا بحقيقتها. ويصبح الإحساس بديلًا عن الدليل. وقد سمعنا بمن ينطلق إلى حتفه بسبب كلامٍ بليغٍ تأثرَ به: «إن الكريم إذا دُعِي إلى طعنةٍ بليلٍ أجابَ».
وذاك المتنبي يمدح الأمراء فيأكل الدنيا بشعره. والعجيب أن المتنبي نفسه قتلَه بيتُ شعرٍ نَسَجَه هو بنفسه. فقد رُوي في سبب موته أنه لما هجا كافور الإخشيدي، أرسلَ له من يقتله، فهمَّ بالفرار، فقال له غلامه: أتهربُ يا سيدي وأنت القائل:
«الخيلُ والليلُ والبيداء تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ»
فهزمته تلك الكلمات البليغة التي لاكها بلسانه، والتي هي من أعذب الشعر، لا لصدقها، بل لكونها مبالغاتٍ لا حقيقةَ لها. فلا الخيلُ تعرفه، ولا البيداء تعقل. وكان يكفيه أن يقول للغلام: يا بُنَيَّ، هذه صورٌ مجازية لا تصف الواقع، ولكنها فقط تعزف على وتر الفخر.
3- أن البلاغةَ قد تُوقِع في مغالطة التعميم الأنيق: فهي ماهرةٌ في تصييرِ الاستثناء قاعدةً، وتحويل الحالة الفردية إلى قانونٍ مُطَّرِدٍ. فربما استعملَ البليغُ قصةً مؤثرةً واحدةً؛ فأثبتَ بها فكرةً كليةً، برغم أنها لا تصلحُ في ذاتها كدليل، بل قد تكونُ -عند اقترانِها بغيرها- بُرهانًا على الضد.
وما يستعمله الشخص المفوه في التدليل على شيء قد يستعمله هو ذاتَه في التدليل على النقيض. فالبلاغة المخادعة بارعةٌ في تغيير زاوية النظر دونَ أن يشعرَ المتلقي. نفس الفكرة قد تُطرح بوصفها بطولةً مجيدةً، أو جريمةً خسيسةً، فقط بتغيير بعض الكلمات أو التعابير، فيتغير الشعور نحو نفس الواقعة الواحدة.
وأحيانًا تحتالُ البلاغة بطريقٍ آخر، وهو أن تذكرَ نصفَ الحقيقة، وتتعمد إخفاءَ الشطر الآخر. فلا تكونُ - في هذه الحالة - كاذبةً، ولكنها أيضًا غيرُ صادقة. فإظهار البعض وتزيينه يمنحنا ثقةً زائفةً في المطروح.
4- أن البلاغةَ قد تُعطينا شعورًا خادعًا بالفهم: فربما قضينا وطرَنا من قصيدةٍ ماتعة، أو مقالٍ بليغ، أو خطبةٍ رنانة؛ فانتشينا لها أيَّ نشوةٍ، وشعرنا أننا امتلكنا ناصيةَ المعاني والأفكار، في حين أن كل ما حدثَ حقيقةً هو مجرد الاستمتاع بالكلمات «استهلاك كلام جميل».
وهو ليس شيئًا سيئًا بإطلاق، ولكن فقط عندما يحولُ بيننا وبين الفهم العميق. فهذا الأخيرُ ينضوي على الجهد والتفكيك والتردد والسؤال، لا على التسليم لوقع الكلمات وهي تنسابُ رقراقةً بين حنايانا.
هل هذا ذمٌّ للبلاغة؟
بالطبع لا. فالبلاغةُ في حقيقتها فنٌّ رفيع وآلةٌ للتعبير عن المعنى، ولذا كان أبلغ كلامٍ على الإطلاق هو كلام الله تعالى. وكل آلةٍ لا تُحمَدُ ولا تُذمُّ إلا بالنظر في استعمالها. فإن وافقت ما جُعلت له؛ كانت فاضلةً، وإلا فهي مذمومة. واللغة بلا بلاغةٍ جافةٌ ثقيلة، والحقائق إن لم تُطرح في ثوبٍ قشيبٍ قد تموتُ قبلَ أن تصل.
وهكذا البلاغة حين تُستعمل لتقريب المعنى فنِعْمَّا هي، وحين تُستعمل لتزييفه؛ فهي مشينة. فكأنَّ المقالَ معنيٌّ بالحديث عن النوع الثاني دون الأول؛ النوع الذي يلبس الحق بالباطل، ويمرر الأفكارَ السامةَ في حُلَّةٍ من الألفاظِ المتلألئة. فالمشكلةُ ليست في البلاغة، ولكن في انصياع عقولنا لها دونَ وقاية. مجردُ الإعجاب بالأسلوب لا يحول دون اتهام الفكرة.
كيف نمنع البلاغة من أن تستحوذَ على أحكامنا؟
الحلُّ في امتلاك مهارةٍ ثنائية:
- مهارة الاستمتاع بالكلام المنمق الجميل.
- ومهارة الشك والسؤال.
فامتلاك المهارة الأولى وحدها هو السبب في وقوعنا في الخداع. فإذا أضفنا إليها المهارةَ الثانية؛ فسوف نسلم من مصيدة الخديعة. فلا بأس أن نستعذبَ وقعَ الجمل والكلمات، لكن لا بد أيضًا من محاكمة الأفكار المطروحة؛ وذلك هو الشك الصحي.
فنطرحُ أسئلةً من قبيل: ما الذي يريده المتحدث من هذه الخطبة؟ ماذا وراء الكلمات؟ ما الذي لم يَقله؟ ماذا سيحدث لو أننا صغنا الفكرةَ نفسها مجردةً من هذا الوشي الجذاب؟ فإن فترَ المعنى بسقوط الحُلِيِّ؛ فأغلبُ الظنِّ أننا كنا نتلقى خُدعةً لُغويةً محبوكة، لا حقائقَ علميةً موثوقة.
وخلاصة الأمر؛ أن البلاغةَ في ذاتها ليست عيبًا في الكلام، بل هي زينته، ولكنَّ العقلَ يقتضي ألا تحولَ الزينةُ دونَ رؤية ما تحت الثياب؛ لأنَّ العاطفةَ حين تتولى قيادةَ الزمام؛ فإنها تأخذنا إلى حيث تشتهي، وليس إلى المسار الذي ينبغي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.