سجادة الرّمان


كان موظفًا عاديًا يستلم راتبًا متواضعًا في نهاية كل شهر، علمًا بأنّه مهندس وخرّيج جامعة مرّموقة. مضت سنوات من عمره قبل أن تأتيه الفرصة: مدرس متعاقد في الكلية التّقنية في منطقة القصيم. «المهم الرّاتب وليس طبيعة العمل. أريد أن أتخلص من ذلك البخيل الذي يأتيني في آخر كل شهر طالباً أجرة البيت.» كان يقول شاكيًا.

لديه موهبة لا توصف في السّرد ورواية الأحداث حتّى أن من يسمعه يشعر بأنه يراها ويسمعها في موقعها ووقتها. لهذا السبب، كنت كلّما جالسته أطلب منه الحديث عن تلك المنطقة. وذات مرّة، روى هذه القصّة أو الواقعة التي حدثت معه:

بما أن وسائل التّرفيه محدودة في القصيم، إذ لا يوجد دور للسّينما أو المسرح ولا كازينو ولا مطاعم مختلطة. حتّى في المقهى، ليس هناك ورق للعب أو طاولة زهر، أو شطرنج أو أيّ شيء نضيع به الوقت، كنّا نلجأ إلى الطّبيعة لطرد الملل. فنذهب في أيّام العطل المدّرسية أو الجامعية إلى إحدى برك الماء خارج المدينة أو إلى الأشجار المتناثرة في الصّحراء. نختار شجرة ظليلة نسبيًا، وننظف الأشواك والحجارة من تحتها وتقضي بعض الوقت. أمّا الأمسيات، فكنّا على الأغلب نقضيها في حديقة عامّة وكأنّها صممت لنا، الأجانب. الحديقة تتوسط دوارًا أو ميدانًا أو تقاطع طرق فسيح، سمّه ما شئت، ويتوسط هذه الحديقة شجرة نخيل يتيمة، غير عالية. كان يتصادف نضوج ثمرها مع العودة من الإجازة الصّيفية التي كنّا نقضيها في أرض الوطن. كنّا نستمتع في الأمسيات الدّافئة لنجلس بجانبها نأكل من تمرها بعد النهارات التي تتجاوز الحرارة بها الخمسة والأربعين درجة مئوية.

في أول أسبوعين، استهلكنا ما وصلت إليه أيدينا من ثمار شجرة النخيل. وبما أنه أمر محرج لو استعملنا سُلمًا، كان يقف أحدنا على كتفي الآخر ويلقي ما يقطف من التمر أرضًا. حتى إذا ما وصل الموجودون إلى حد الشبع، وربما الملل، كانوا يطلبون منه النزول. وللمفارقة، عندما ينزل، لا يجد شيئًا له. من باب الدّعابة، نأكل كل التمر الذي ألقى به. لذلك، أحضر بعض الشباب أكياسًا ورقية في الأيّام التّالية. وهكذا يأخذ قاطف التمر حقه من الثمار.

مضى شهر ونيف ونحن على هذا الحال. وفجأة، جاء الفرج. وأيّ فرج؟ جاءت المعجزة. يبدو أن زميلًا محليًا قد عرف قصّتنا، وربما شاهدنا، أو سمع بها، فدعانا إلى مزرعته. في الحقيقة، هي ليست مزرعة فقط، بل بيته أيضًا، ويقع في الأراضي الزّراعية التي أخذ العمران يغزوها شيئًا فشيئًا. وفي طريقنا إلى المزرعة أو البيت، شاهدت بستانًا، بل روضة تتشابك بها أشجار النخيل. وما أن اقتربنا أكثر، حتى انعطف داعينا بسيارته نحو اليمين. سرنا بمحاذاة سور تلك الروضة. فعرفت بأنها المزرعة التي نقصدها. 

أراد معزّبنا أن نستريح في البيت وبعد الغداء نقوم في جولة في المزرعة. ولكنّي تمنيت عليه أن نسير في المزرعة قليلًا ونستريح في ظلال الأشجار. فنظر للآخرين طالبًا الرأي. فما كان منهم إلّا وأن تحركوا باتّجاه الأشجار. فكلهم يتوق للسير في مزرعة، وأخْذِ غفوة في ظلالها تحت أشجارها. ليست أيّة أشجار. إنها أشجار نخيل.

سرنا في ممر بين صفين من أشجار الرّمان الكثيفة والباسقة. شاهدت ثمارًا تحت الأشجار. فتركت الممر واتّجهت صوبها. وللمفاجأة، شكّلت أوراق وثمار الرّمان المتساقطة مع مرور السنين إضافة للأعشاب الجافّة تحت الشجر سجادة بسماكة لا تقل عن خمسة عشر سنتمترًا. وفي الخطوات القليلة التي مشيتها تحت الشجرة، أحسست بأنّني أسير على أرض القمر أو على إسفنج ليّن. إنها سجادة طبيعيّة من صنع الله. كانت هناك عدّة ثمار تحت الشجرة. نظرت إليها نظرة تفحص لانتقاء إحداها. وأخيرًا تناولت واحدة منها وخرجت من تحت الشجرة.

لم أكن بحاجة إلى سكين لكي أفتحها. كانت مفتوحة بل منفلقة وتبدو الحبيبات القابلة للأكل شديدة الاحمرار، بل إنّها كانت تميل إلى السّواد من شدّة النضج. كان طعم الثمرة حامضًا مع بعض الحلاوة ممّا أعطاها المزيد من النكهة واللّذة. فسألت أبا عبد الرحمن، المعزّب، لماذا لا يستغلّون هذه الثمار للأكل أو العصير أو البيع، بدلًا من أن تذهب هدرًا. فأجاب والابتسامة لا تفارق شفتيه، جنيها وبيعها غير مجدٍ.

فقلت: كيف؟ يمكن أن تجمع خمسين صندوقًا منه؟ فقال، احسب أجرة العمال وثمن الصّناديق وأجرة النقل والوقت اللازم لذلك وأجرة الدلال في السوق المركزيّ والرسم الذي تتقاضاه البلدة. يبقى الشيء النزير أو لا يبقى شيئًا، خاصّة وأن سعر هذا النوع من الرّمان متدنٍ. حسنًا، قلتها بشيء من الحدّة، احتفظوا به. فالرّمان يأخذ وقتًا طويلًا حتّى يفسد ويصبح غير قابل للاستهلاك الآدميّ، بضعة شهور. فقال بأنّهم لا يأكلوه لأنه حامض وصغير الحجم نسبيًا. إذاً، تصدق به. قلت ملوّحا بيدي. فقال بحدّة: اسمع يا رجل. من كان يريد رمانًا بقدر ما يشاء، فلن نمنعه. والطير يتغذّى عليه. ألا تسمع زقزقة العصافير؟ إنّها تصم الآذان. إنّها صدقة. أما أن نتصدق به على النّاس، فلا، نشتري النّوع الحلو والكبير الحجم ونأكل ونتصدّق به. إنّني أخشى الله أن يحتسبها ذنبًا. يجوز أن يأخذه المحتاجون على مضض. فبهتّ، وهززت رأسي بالموافقة. وقلت في نفسي: هذا رجل من أولياء الله الصالحين. ثمّ نظرت إليه وقلت: بارك الله فيك، وفي مالك وعيالك. فقال ضاحكًا، بعد الغداء، ستتناولون التمر السكريّ الغالي. إنه ليس صدقة، إنه هدية. 

فقط بعد الغداء سألته مازحاً. 

أبشر... ستجد صناديق التمر وقد امتلأ بها صندوق السيارة الخلفي غدًا. كلّ واحد فيكم يأخذ ما يشتهي. قالها وهو بمنتهى السّعادة. وأضاف: قبل أن أنسى، في أيّ وقت تشعرون بالملل في بيوتكم، تعالوا إلى هنا، إلى المزرعة، حيث الماء والخضرة وهذه الوجوه الطّيبة... اعتبروها مزرعتكم، لا تتحرجوا من شيء. المال مال الله. 

سنفعل إن شاء الله. الله يجزيك الخير... لقد فتحت نفوسنا على الغداء بعد هذا القول الطّيب. ثمّ فكرت هنيهة وقلت مازحًا: ما رأيك لو نتناول التمر قبل الغداء؟ 

نظر اليّ نظرة عتاب. فقلت إنّني أمزح... والحقيقة أنّني أتضوّر جوعًا، ثمرة الرّمان التي تناولتها نشّطت المعدة. 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الآية: 267 من سورة البقرة.

بقلم الكاتب


مترجم عربي-انجليزي—فرنسي—عربي، ناقد أدبي ومقيّم في onlinebookclub.org حيث تعاملت مع عشرات الروايات باللغة الإنجليزية.اعتذرت مؤخرا لضيق الوقت كاتب روائي باللغة الإنجليزية ( 4 ) روايات . جامعي.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

بسم الله والحمد لله

ماشاء الله مقال رائع

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مترجم عربي-انجليزي—فرنسي—عربي، ناقد أدبي ومقيّم في onlinebookclub.org حيث تعاملت مع عشرات الروايات باللغة الإنجليزية.اعتذرت مؤخرا لضيق الوقت كاتب روائي باللغة الإنجليزية ( 4 ) روايات . جامعي.