ستموت في العشرين.. وربما بعدها

لطالما اكتسب الموت رهبته من جهلين: موعد وقوعه، وكيفيته. لم يخف الإنسان من الجهل بما بعد الموت، فالمتدينون يؤمنون بحياة بعد الموت أو تناسخ، كلٌّ حسب مذهبه، وغير المتدينين آمنوا بالعدم. لكن بقي الشيء المخيف هو التوقيت، هل يأتي في سن صغيرة أم في الكهولة؟ موت هادئ أم حادث أليم؟ 

لم ينسَ الإنسان حقيقة الموت لكنه تناساها، إما مغرقًا نفسه في الطريق إلى حياة الآخرة، وإما بالاستمتاع بالدنيا الحالية، حتى مَن لم يقوَ على انتظار الموت أو تناسيه استعجله مُنهيًا كل شيء. 

ناقش الفيلم السوداني الشهير «ستموت في العشرين» فكرة الموت والخرافة على حد سواء. 

أحداث الفيلم

يدور الفيلم في قرية في السودان، حيث يولد طفل يسمى «مزمل»، تسعى به أمه لأحد الشيوخ ليباركه، فيموت أحد الدراويش في أثناء تسبيحه فور وصوله للعَدَّة العشرين من عدات التسبيح، لترى أمه والحاضرون أنه فأل شؤم، وأن الرضيع سيموت بعد عشرين عامًا.

يسير الفيلم داخل حياة «مزمل» الذي سيموت في العشرين من عمره وفق النبوءة، يُمنع من الدراسة خلا حفظ القرآن بحجة انعدام الفائدة من العلم والأجل قصير، لا تسعى أمه لتزويجه ممن أحب، وترتدي السواد في انتظار موته، مقدمةً ابنها كأضحية للخرافة وتصديق الفأل.

قصة فيلم ستموت في العشرين

يبدأ الفتى قرب العشرين باكتشاف الحياة ببراءة طفل، من خلال عدسة سليمان، المصور العائد للقرية، وحب نعيمة له. سليمان عاش التجارب ما لم يُتح لمزمل المحكوم عليه بالموت أن يعيشها، سافر ودرس وصوَّر ونقل العالم كله للشاب المحبوس في قريته منتظرًا أجله، رجل عجوز أكل من ملذات الحياة حتى أُتخم، في صحبة مزمل الفتى صاحب الجلباب الأبيض، كما لو أنه يظهر بياض صفحة تجاربه. 

بينما تمثلت الحياة في قلب نعيمة المحب له، وأحلامها حول البيت الكبير متجاهلة نبوءة موته في العشرين، فسليمان ونعيمة هما مرحلتا عمر الإنسان الأكثر وضوحًا وطولًا، الكهولة في سليمان بعد انقضاء العمر وانتظار الموت بعد طول الحياة، والشباب في نعيمة والأحلام عن المستقبل.

لكن العشرين جاءت، وجاء معها الموت المزعوم، ليعتزل مزمل منتظرًا الفناء، ويفلت الحب والحياة قبل أوانهما.

في مشهد يأتي سليمان مزمل في المسجد ويحاول إخراجه من حالة الانتظار تلك، من حالة المثالية، والعيش كإنسان خطَّاء حتى يصبح لتوبته معنى، فهو يتوب عن شيء لم يرتكبه قط، وتحاول نعيمة في مشهد آخر قطع سلبيته ودفعه نحو الزواج منها.

لكن بينما هو ينتظر، تبدأ نعيمة حياتها بالزواج، وتنتهي حياة سليمان الطويلة بموته على كرسي في منزله، ليبقى مزمل وحده في مواجهة تلك النبوءة. 

في الليلة الأخيرة قبل العشرين، يرتكب مزمل الخطيئة ويأكل من الفاكهة المحرمة، عارضًا على بائعة الهوى أمواله التي جمعها من عمله في المسجد، ذلك العمل الذي التجأ إليه منتظرًا الفناء، طامعًا في رحمة على حياة بلا ذنب.

في الليلة الأخيرة نسمع مزمل يعبر عن رغبته في تجربة شيء ما، شيء من تلك الحياة التي حُكم عليه أنه لن يعيشها، لكنه -وللمفارقة- سيعيشها بعد تلك الليلة، لن يقع الفأل، كأنما عاش مزمل فقط بعدما أخطأ، عندها فقط تحوَّل لصورة البشر.

نظرة فلسفية على فيلم "ستموت في العشرين"

على المستوى الديني، عاش آدم حياة البشر بعدما أخطأ وأكل من الشجرة المحرمة، ظهر بعد تلك الخطيئة الموت، منهيًا بذلك خلود البشر في الجنة، كأنما الموت مقترن بكوننا يجب أن نرتكب الأخطاء. يرى المتدينون أن اليوم التالي بعد الذنب فرصة للتوبة، في حين قد يرى اللادينيون أن اليوم التالي للانسياق وراء لذة هو فرصة جديدة لعيش تلك الحياة. كذلك حياة الفتى الفعلية لم تبدأ إلا بعد الخطيئة الأولى. 

مات مزمل فعلًا في تلك العشرين عامًا، كان ميتًا مكفنًا بالخرافة، قُضي عليه عندما حُرم التجربة والتعليم والزواج ممن يحب، وعندما ارتدت أمه السواد وهو ما زال أمام عينها، لم تره يكبر، لكنها رأته يقترب من حافة حياته، فشطبت على الحائط حتى لا تنسى كما ينسى الإنسان أنه ميت، دفنته في خوفها وجهلها، كان كل شيء يخبره أنه جنازة منتظرة.

جميعنا سنموت، مزمل صاحب الفأل، والقارئ، وأنا، لكننا لن نعرف أبدًا متى، فنعيش اليوم كما لو أن غدًا شيء محتوم، لكن ماذا لو علمت أن لك عشرين عامًا فقط، عشرين بالعدد لا أكثر ولا أقل، هل تُحدث معرفة المرء للموعد فارقًا في تعامله مع الموت؟

عاش مزمل ميتًا، عاش في عزلة تامة عن العيش الحقيقي، حياة تخلو من كل مظهر من مظاهر الحياة البشرية، غرق في سلبية انتظاره، حتى أتت الليلة الأخيرة، تلك الليلة التي تحدى فيها موته بشكل علني، مستخدمًا نقود عمله في المسجد لارتكاب الذنب، تحدٍّ للموت الذي أكل حياته، وخوف من المجهول بعد الليلة في سنته العشرين.

لكن الموت لا يأتي عندما ننتظره، يأتي بغتة وعلى حين غفلة منا، يأتي عندما ندير وجهنا نحو الدنيا، شيء سريع خاطف، مؤلم أو هادئ بعض الأحيان، لا يمهلنا الموت وقتًا نبكي أو نحفظ أو ننقي أنفسنا كما أمهل مزمل، ضاع منه الحب، ولم يمتلك حق الحلم، فهو «ابن الموت»، لكن الموت أضاعه، لم يأتِ في الميعاد المتفق عليه.

ربما كانت الفكرة في الحياة هي أن نعيش، أن نخطئ كي نعيش، فلا حياة مع انتظار موت ولا موت يأتي بالانتظار. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.