سارق الكحل درة اعمال يحيى حقي

يحيى حقي ذلك الآديب المبدع الذى لقبته الصحافة المصرية "بأبو القصة القصيرة العربية"..."قنديل أم هاشم" الذى كان نبراس الرواية العربية,... "البوسطجى" التى تلخصت رسالته فى أن الآدب المصرى لا يقل اثراء عن الآدب العالمى ..."سارق الكحل" الذى سرق قلوب محبى الآدب و عاشقى الكلمة..ولد يحيى حقي فى 17 ينايرعام 1905 ميلادية و توفى فى 9ديسمبر1992 ,عاش حوالى سبع و ثمانون عاما أى ما يقرب من قرن من الزمن ,استطاع أن يقدم للمكتبة العربية مايقرب من مائة كتاب متنوع  فى النقد الآدبى و السير الذاتية و الكتابة الساخرة الباسمة الى جانب كتبه السياسية و مقالته الأدبية,و ترجمة القصص و الروايات و المسرحيات العالمية... بدأ حياته الآدبية فى عام1926 بنشر أول قصة له فى جريدة الفجر التى كانت تصدرها المدرسة الحديثة,و كان اسمها (فله,مشمش,لولو) كتبها على ألسنة الحيوانات متأثرا بقصة "السخرية" للكاتب الأمريكى "ادجار آلن بو" ثم تلتها قصة "قهوة ديمترى" التى نشرت فى جريدة "السياسة " فى نفس العام ثم توالت المؤلفات و الاصدارات الى أن تجاوزت المئات, استطاع أن يحصل  فى عام 1969 على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب ,...كما منحته الحكومة الفرنسية عام 1983 وسام الفارس من الطبقة الأولى ,..و منحته جامعة المنيا عام 1983 الدكتوراه الفخرية ,.. و فى عام 1990 حصد جائزة الملك فيصل العالمية لكونه رائدا من رواد القصة العالمية ... كما أن عمله كريئسا للتحرير لمجلة (المجلة المصرية) لمدة ثمانى سنوات متتالية من عام 1962 الى عام 1970  جعله يثرى عالم الصحافة و الآداب بمزيد من الابداعات و الثقافات ... 

كما كان له دور كبير فى تطوير فن الرواية فى مصر و كتب روايات عناوينها باللغة المصرية مثل "صح النوم " , "خليها على الله" , "عطرالحبايب" , "كناسة الدكان" ,"تراب الميرى" ,"يا ليل يا عين",التى تمثل محطة مهمة فى فن  البورتريه القلمى فى مصر...لم تغفل السينماالمصرية أيضا أعمال يحيى حقي بل قدمت له عدد من الأفلام حيث توجت  السينما المصرية عام 1968 علاقتها "بيحيى حقي" بالالتفات إلى أعماله الأدبية والانتقاء منها، فأنتجت أربعة من الأعمال السينمائية المميزة التي رسخت في وجدان المشاهدين ومن أبرزها (البوسطجي)، ثم ( قنديل أم هاشم )، وهما أهم ما أنتجت السينما المصرية عامة، وقد سبقهما من أعمال يحيى حقي فيلم ( إفلاس خاطبة )، وتليهما فيلم ( امرأة ورجل) ,و لم يكن فيلم "البوسطجى" فيلما عاديا ,قصة "البوسطجى" هى أولى حكايات  المجموعة القصصية التى قدمها بعنوان  "دماء و طين " و الذى أطلق عليها "الصعيديات " نسبة الى الفترة التى عاشها يحيى حقي بصعيد مصر و كتب خلالها قصصها و هى (البوسطجى ,قصة فى سجن ,أبو فودة ,حياة لص, من المجنون ) ،  و الذى استطاع المخرج "حسين كمال " أن يترجم القصة الأولى فى الرواية الى فيلم "البوسطجى" الذى كان علامة فارقة  فى تاريخ السينما المصرية و اعتبر واحد من أحسن 100 فيلم فى السينما المصرية, و قد ترجم  الكاتب "سيد عطية أبو النجا" قصة "البوسطجي"الى الفرنسية حيث أصبحت قصة عالمية..أما مجموعته القصصية  " قنديل أم هاشم "التى أصدرها فى عام 1944 كانت علامة فارقة فى حياته الآدبية , فلم يعد يذكر اسم يحيى حقي دون أن يذكر ملاصقا بها , تلك المجموعة القصصية المكونة من ستة قصص و هما (قنديل أم هاشم , السلحفاه تطير ,كنا ثلاثة أيتام ,كن...كان, القديس لا يحار,بينى و بينك ) و استطاع المخرج "كمال عطية "أن يخرجها الى عالم السينما فى 1968 حيث  أحتل فيلم " قنديل أم هاشم 1968 " المركز رقم 63 فى قائمة أفضل 100 فيلم فى ذاكرة السينما المصرية حسب إستفتاء النقاد بمناسبة مرور 100 عام على أول عرض سينمائى بالأسكندرية (1896-1996).  

و بالنسبة الى الترجمة فقد كانت أحد ملاذه و متعته الآدبية حيث قال عنها فى مقدمة كتابه (قنديل أم هاشم ), (ص,55)"كانت لى مشاركة لا بأس بها فى الترجمة فترجمة مسرحيتى "الطائر الأزرق" لميتر لينك , و "دكتور كنوك " لجول رومان , و روايات "أنتونى كروجر" لتوماس مان , و "لاعب الشطرنج" لستيفان زفايج ,و "البلطة" لمخائيل سادوفاينو , و سيرة "اسكندر دوماس" التى كتبتها "اديث سوندرز" بعنوان "الأب الضليل", بالاضافة الى كتاب "القاهرة" "لدزموند ستيورات" كما قمت بمراجعة عدد من المسرحيات العالمية التى أصدرتها وزارة الثقافة ".

و لكن القصة القصيرة كانت له إنجازًا استثنائيًا, لم نكتشف آفاقه المتعددة الثرية بعد الا من خلالها, خصوصًا من زاوية اللغة التي كان يحيى حقي يقدّسها إلى أبعد حد و الذى كان غالبا ماتأثرا فى كتابته بكلاسيكيات الآدب العالمى خاصة الآدب الروسى حتى لقب بأبو القصة القصيرة العربية .. و يقول "يحيى حقي "عن عشقه للقصة القصيرة فى مقدمة مجموعته القصصية "قنديل أم هاشم "(ص,49)"لقد عالجت معظم فنون القول من قصة قصيرة و نقد و دراسة أدبية و سيرة أدبية و مقال أدبي, و ترجمت عدد من القصص و المسرحيات و لكن تزال القصة القصيرة هي هواي الأول لان الحديث يقوم فيها على تجارب ذاتية, أو مشاهدة مباشرة و عنصر الخيال فيها قليل جدا, دوره يكون قاصر على ربط الأحداث و لا يتسرب الى اللب أيضا ..."

كانت قصصه بمثابة محطات فاصلة فى تاريخ الآدب المصرى و العربى, و لكن هناك محطة استوقفتنى مختلفة عن باقى المحطات كانت أكثر اشراقا و تألقا, محطة و ان كانت اتفقت مع باقى محطاتها فى الشكل و الأسلوب الا أنها اختلفت فى المضمون و المعنى تلك المحطة  هى محطة "سارق الكحل" تلك  الرواية التى جسدت مشاكل الطبقة المهمشة و تنبأت بها قبل حدوثها بما يقرب من خمسون عام و كأنها تقرأ الطالع و تشاهد المستقبل و تتوقع أحداثه و تعاصر مشاكل الألفية الثالثة قبل حدوثها بأكثر من خمسون عام....أربع قصص للمجموعة هى "كأن ,سارق الكحل ,امرأة مسكينة,الفراش الشاغر" اختلفت فى موضوعها و اتفقت فى مضمونها, حين تقرأها بعينيك تقرأ أربع قصص مختلفة ,وحين تقرأها بوجدانك تشعر أنك جزء لا يتجزأ من طبقة مهمشة فقيرة دهستها الحياة ولم يذكرها الزمن و طواها التاريخ طى النسيان كأنها تحيا وتموت معنا فى مجتمعنا دون ان نراها. قرأت القصة عدة مرات بكل حواسى و فى كل مرة كنت أشعر أنى أقرأها للمرة الأولى و حاستي الجديدة التى ا قرأها بها تكتشف بعدا جديدا لم تشعر به من قبل ...

حين قرأتها بحاستي السمعية شعرت بمتعة الانصات الى حبكة درامية مختلفة كأننى أنصت الى سهرة درامية اذاعية مكونة من أربعة قصص مختلفة تدور قصتها الأولى و هي قصة (كأن )عن قصة فرد من طبقات الطبقة المتوسطة يسوقه قدر غريب نحو إلى الإهتمام بقضية مجرم ما, لا يربطه به أى علاقة, ولا تفصح القصة عن ماهية جريمته إلا قرابة النهاية. يتبع الراوي حدسه و يذهب إلى محاكمة هذا المجرم الذي لا يعرفه ولكن شيئا غريبا ربط بينهما، و وصف الكاتب هذا الرابط ب"الحبل" الذي يشده ليلتحم مع هذا المجرم ويشاركه ماضيه وما بقي من مستقبله. من هذه النقطة تأخذ القصة منحنًا آخر؛ حيث يتوحد الراوي والمجرم فيكشف لنا الراوي أغوار شخصية المجرم وأحاسيسه الدفينة. فالبداية يوضح مشاعره و هو يدرك إقتراب النهاية ثم ماضيه بدءً من طفولته ومشاعره المتخبطة آن ذاك، إلى صباه ونشأته غير السوية، إنتهاء بإرتكاب جريمته الأولى. و تنتهى القصة بعودة ذلك الشخص الى منزله دون سماع الحكم على المجرم... وعن القصة الثانية و هي قصة (سارق الكحل) التى سميت المجموعة باسمها فهي تحكى عن رجل يعانى من بثور سوداء تظهر على يده اليسرى كمرض شبه دائم مما يجلعها قبيحة المنظر ,دميمة الهيئة و يحمد الله على سلامة اليمنى حيث يعتمد عليها فى استخداماته, يعيش ذلك الرجل بمفرده فى منزل من طابقين يسكن فى الطابق الأول بينما الطابق الثاني يسكنه زوجان حديثان يجمعهما الولع و الحب و يعيش هذا الرجل معهما بأحداث تلك القصةالرومانسية التى تنتهى بموت الزوجة الشقراء و احباط الزوج لدرجة أن يشعر باقتراب نهايته و مغادرته للمنزل و يعود للسكنى مرة أخرى فى الطابق الأول بمفردها لا أنه يفاجئ بعد شهور قلائل بعودة جاره الأرمل مع عروسة جديدة سمراء و يستأنف قصة الحب التى عاشها مع أرمتله مع زوجته الجديدة و تنتهى القصة باختفاء بعض البثور السوداء من يد البطل ومحاولة استخدامها بدلا من اليد اليمنى, و عن القصة الثالثة و هى قصة (امرأة مسكينة) تدورأحداثها حول البطلة "فتحية" التى تربت يتيمة مع جدتها ثم تزوجت "فؤاد" و عاشت معه فى منزل حماتها دون أن تكمل تعليمها و أنجبت منه طفلين محاولة أن تخلق لها أسرة جديدة عوضا عن حرمانها من أبويها و أثناء زوجها منه ساعدته فى الحصول على ميراث عائلته رغم قلة خبرتها كما ظلت بجانبه تدفعه للعمل بأحد شركات الطيران الكبرى رغم فشله فى تعليمه الجامعى و عدم استكمال دراسته فى كلية الحقوق لكن ظلت بجانبه الى أن حصل على بكالوريوس اللاسلكي للطيران المدني و عند مرض زوجها ظلت تشد أزره و حاولت تعمل فى نفس الشركة التى يعمل بها لتسانده و تنتهي القصة باستقلال حياتها العملية و سفرها فى رحلة مع مدير الشركة, و عن القصة الرابعة (الفراش الشاغر) و تحكى عن قصة شاب يعيش فى أحد الأحياء الشديدة الفقر مع أبيه و أمه و لا يعلم ماهو هدفه فيتخبط فى تصرفاته يقضى سنوات فى كلية التجارة ثم يفشل بها و يغير دراسته لكلية الآداب و لا يستمر بها فينتقل الى كلية الحقوق و أثناء دراسته بها و قبل استكمال سنواته التعليمية يقرر أن يدخل كلية الزوجية و يتزوج من أحد قريباته التى سبق لها الزواج و ينتهى الزواج خلال أسبوع واحد يخرج منه محطم النفس ثم ما لم يلبث أن يستأنف حياته و استكمال دراسته فى كلية الحقوق و بعد حصوله على الليسانس لا يجد تشويقا فى العمل ثم  يبدأ فى مراقبة صبي الحانوتي الذى دكانه يقع أمام منزلهم و عند استعراض الجثث أمامه يفكر فى ماهية حقيقة الموت و ماهى قيمة الحياة و تنتهى القصة بالتفكير فى مزوالة مهنة الحانوتى حيث أول جثة سيقوم بدفنها وجدها طليقته لم يتحمل الصدمة و دفنت جثته هو تاركا فراشه شاغرا...

و حين قرأت القصص بحاسة التذوق وجدت نفسي أتذوق طعما آخر للآداب يختلف مذاقه عن بقية الأصناف لم يكن استخدام التشبيهات و الكنايات و الاستعارات فى تلك القصص استخداما ساحرا يأثر قلوب عشاق الكلمة و القلم بل كان عشقا وولعا بمتعة استحضار الكلمة و تصوريها و تجسيدها كأنها كائن حي يشعر و يحب و ينفعل و يتنفس  استعرض الكاتب فى قصته الأولى "كأن"عدد من الجمل مستخدما فيها كلمة كأن تسع و عشرون مرة يتبعها عدة تشبيهات كل تشبيه يتفوق على الآخر فى الوصف و الابداع و كأنه دخل موسوعة الأرقام القياسية بتلك التشبيهات, وتلك الصور التى عززت احساس القارئ بالغرق فى أعماق القصة و تصور مدى معاناة طبقة أطفال الشوارع الذين ولدوا من رحم أم و ليس من ظهر رجل مصنوع من الأرصفة و الطوب ليطلق عليهم اسم "أبناء شوارع ".... و فى قصة "سارق الكحل" لخص الكتاب لعبة الموت و العشق و الحياة التى يلعبها معنا الزمن تحت وطأة نعمة النسيان فى كلمة واحدة هى عنوان القصة "سارق الكحل" وهو أسرع و أمهر سارق على الاطلاق يستطيع أن يخطف كل شئ فى ثانية فعشنا مهما عشنا فنحن موتى أولاد موتى و حياتنا تمر علينا مهما طالت كلحظة عابرة, أما تشبيه لليد اليسرى المريضة الدميمة المليئة بالبثور السوداء التى تحل محل اليد اليمنى الجميلة السليمة و تقوم بعملها كمثل استبدال المرأة الأقل جمالا و شأنا عن مثيلتها على وجه الخصوص أو الحياة الشاقة عن الحياة الأكثر ترفا على وجه العموم و تكيف الانسان مع وضعه أى كان حالته فقد كان أبلغ و أدق تعبير يمكن استخدامه لتلخيص تلك الحكمة.... و فى قصة "امرأة مسكينة" التى لم يجد لوصف المرأة تشبيه أبلغ  من كلمة (مسكينة) و هي أقصى درجات الضعف و الاحتياج بل هى حضيض الغلب و الضعف و قلة الحيلة و رغم ذلك فبداخلها مارد قوى يستطيع الانتصار على معركة الحياة و اثبات ذاته و طموحه من خلال عمله و ثقافته حيث انها كانت مسكينة بالاختيار و ليس بالاجبار... أما عن وصفه البليغ فى روايته الأخيرة "الفراش الشاغر" لجثة الموتى فى عبارة واحدة (هل الجثة صرخة مشلولة أم صدى تسبيح ؟!.......لا هذا و لا ذاك,انما هى لا شئ فحسب ) فهو يلخص قصة الانسانية التى تبدأ من تراب و تنتهى الى تراب مهما طال العمر فى غضون لحظات قليلة وجب خلالها الانسان الركود فيها لارضاء ربه باخلاص العبادة و حسن المعاملة و اتقان العمل.

و حين قرأتها بحاسة البصر و البصيرة وجدت رؤية متكاملة لآديب مخضرم أراد أن يلقى الضوء على طبقة فى المجتمع غير مرئية, سماتها الجهل و الفقر و العنف و الجريمة, طبقة قد لا يراها باقى طبقات المجتمع, فتكلم فى قصة "كأن" عن أطفال الشوارع و كيف تتحول الطفولة البريئة حينما تنتهك و تغتصب الى العنف و الجريمة ,أما فى قصة "سارق الكحل" تكلم أيضا عن الطبقة الشعبية البسيطة أيضا التى يسكن فيها الجيران بعضهما الى جانب بعضهما البعض متلاصقان لدرجة أن كل منهما يسمعا كلام الآخر تلك الطبقة الشعبية التى كل بيت فيها جزء من البيت الآخر دون أن يدرى, و فى قصة "امرأة مسكينة" ألقى الضوء على معاناة الفقر لدى المرأة و كيف تحاول فى كفاح مرير أن تصل لغايتها و طموحها, و فى آخر قصصه "الفراش الشاغر" تصور حالة الفقر المدقع الذى يعيشها البطل فى ظل حارة " الريحان" الذى أفضى بسكان الحارة الى البخل الشديد...

بينما حين قرأتها بحاسة اللمس بدأت ألتمس معاناة والالآم أفراد فى المجتمع, أفراد يعيشون معنا و لا نشعر بهم ألتمست معاناتهم و كأننى أحيا حياتهم حين قال (يحيى حقي) عن  "أطفال الشوارع" فى قصة "كأن" عندما تحدث عن الحي و الناس المحيطة بالبطل (فلو سألتنى عن الناس لقلت لك هم ناس حينا, أما غيرهم فمخلوقات على سبيل التجربة لم تجد وضعها ا الأخير بعد ......و ماهو سكن الانسان؟ لقلت لك أنه فى لفلفة جروب ضيقة حتى تنتهى الى آخر بيت فى حارة مسدودة, مستندا الى التل ) و كأن تلك الأطفال لهم تصور خاص عن البيت و الناس عقلية غير عقليتنا, وطن غير وطننا, يسكنون معنا فى البلاد بهوية الفقر و انتماء الضياع الذى يبرر كل تصرفاتهم فى الخروج عن الناموس الطبيعى للحياة, و حين تحدث فى رواية "سارق الكحل" و هو يتحدث عن لسان البطل الذى يسكن فى الطابق السفلى لعروسين جديدين (...و سمعت همسا بين رجل و امرأة, و خشخشة ثوب ينبأ أنه فضفاض و من الحرير الثقيل ,لا شك أنها تستند الى ذراعه فيدفعها برفق, ثم اندلق نور الشقة فى الحجرات كلها و أخذت الاقدام لا تكف عن التجوال يصحبها صوت مقاعد تنتقل من مكانها ....)بدأت التمس ما هى عقلية تلك الطبقة الشعبية الفقيرة التى كل منها يعيش فى بيت الآخر بل ربما فى عقله و تفكيره و أن غاية طموحه و أهدافه هى معرفة أخباره و التسلي بها و التندر عليها و كأننا آتينا للدنيا لاهدار الوقت فى التفاهات و ليس من أجل استثماره من أجل اللحاق بركب العلم و التقدم, و حين تحدث عن "فتحية" بطلة قصة (امرأة مسكينة) قائلا (....ليس لها من سند أو معين الا معاش زهيد عن أبيها ,أحست أن القدر اختارها لمعركة ,و أنها هى لوحدها القادرة على الانتصار فيها ,انها لا ترى بأسا من أن تعيش معه .... ) و كأنى أتلمس مدى معاناة المرأة الفقيرة المعيلة التى لا تملك سلاحا من الدنيا سوى قلة الحيلة و المسكنة لتستدر بها عواطف الآخريين , فيعيشون معنا كثير من الأرامل و المطلقات و الزوجات أيضا الغير متعلمات الذين يعيشون تحت خط الفقر و أحيانا منازلهم تكون بدون أسقف أو انارة أو مياه أو حتى منازل أصلا تليق بالآدمية و لكن لا نتلمس معاناتهم و احتياجهم, و حين تحدث يحيى حقي عن بطل قصته الأخيرة (الفراش الشاغر) و حكايته مع التعليم قائلا (...عيش بلا برنامج, لذلك لم يبد أبواه دهشة أو اعتراضا أو أسفا حين أبدى الابن اعتراضا عن عدل الابن عن الدراسة فى كلية التجارة بعد أن أمضى فيها سنة ,.....و لا حين عدل عن الدراسة فى كلية الآداب بعد أن كرس لها سنة أخرى,.... ثم بقي عاطلا فى الدار سنة قلبت حياته,.....ثم نفض يديه و ترك سفينته تلقى مراسيها بكلية الحقوق ....)و كأنني أتحسس الفشل و الضياع داخل عقول الشباب حين لا يجدون طريقهم و يضيعون أعمارهم دون معرفة هويتهم و أملهم دون تحديد طموحهم و مستقبلهم و كأنهم ريشة فى مهب الريح ...

و حين قرأتها بحاسة الشم تلك الحاسة التى تشتم رائحة الكوارث قبل حودثها اندهشت لتنبؤ "يحيى حقي" بما نعيشه الآن في عام ٢٠١٩ و كأنه يحيا معنا و يعاصر مشاكلنا و يطرحها للنقاش, تكلم الكاتب يحيى حقي فى قصته الأولى عن (أطفال الشوارع) تلك القنبلة الموقوتة التى نتحسس مصائبها الآن فى ظل الألفية الثالثة, و كيف الطفولة و البراءة و الوداعة و الرقة و الحلم الجميل ان نمت فى بيئة غير صالحة تتحول الى القتل و السرقة و النهب و الاغتصاب والبلطجة و كأنه يعطينا جرس انذار منذ خمسين عاما الى محاولة تجنب الكارثة قبل تفجيرها, محاولة انقاذ البراءة قبل تشويها, محاولة اللحاق بطفل الشوارع لتحويله الى طفل المدارس, طفل المصنع, الطفل المنتج, تلك الثروة البشرية المهملة التى ما هى الا سلاح ذو حدين يستطيع أن يرفع الأمة بانتاجه أو سحقها أرضا بغوغائيته ......(سارق الكحل) الزمن , العمر , الوقت , السيف الذى لم تقطعه قطعك تلك القصة التى تكلمت عن النسيان , نسيان الحب و العشق و الموت و كأن الزمن قادر على محو كل الجراح و استبدال أى شىء مقابل الآخر, يد يسرى بدلا من يد يمنى, زوجة مكان زوجة, عشق مكان حب, و لكن سيبقي الزمن وحده هو المتصدى لكل مشاكلنا, هو الباقي و نحن الذاهبون, هو المخلد و نحن منتهيون, هو الصامد و نحن منهارون الم تكن تلك القصة ناقوس يدق لادراك مدى أهمية الوقت, ألم يتنبأ "يحيى حقي" فى حكمته من القصة مشيرا لأهمية الزمن الى علم "ادارة الوقت" الذى ظهر كأحد العلوم الادارية الحديثة فى أواخر  تسعينات القرن الماضى أى بعد وفاته ببضعة سنوات , أليس مشكلة عدم احترام الوقت و تضييعه هباء هى التى جعلتنا الآن لا نستطيع اللحاق بركب التقدم العلمي بالعالم ,....(امرأة مسكينة) القاء الضوء على أهمية المرأة و دورها القيادى فى الحياة العملية و ليس الأسرية فقط و انها حتى لو كانت معدمة الامكانيات و التعليم لتستطيع أن تخلق فرصتها و تثبت نفسها و تنجز أعمال لا يستطيع أن ينجزها الرجال بقوة ارادتها و صمود طموحها و سعيها لهثا لتحقيقه, هكذا أشار اليها "يحيى حقي" فى قصته منذ أكثر من خمسون عاما و نحن الان نحتفل "بعام المرأة فى مصر 2017" و كأن كانت قصته هى جرس انذار لالقاء الضوء على أهمية المرأة و دورها فى المجتمع, "الفراش الشاغر" تلك القصة التى تلمس فيها "يحيى حقي" أكبر و أدق و أعمق مشكلة لدى شبابنا الآن, و هي ( التحديد الواضح لماهية أهدافه) فقد عاش بطله و مات دون أن ينجز شيئا و كأنه آتى الدنيا ليعبث و يلهو لا لأن ينجح و ينتج و هو ما نحاول أن ندعو للتركيز عليه الآن من خلال مؤتمرات الشباب التي لو كان "يحيى حقي" عائشا لكان أول من تكرم فيها لفكره الصحيح فى اكتشاف سبب مشكلتهم الحقيقة فكما قال العالم الكبير "البرت أنشتين " (المشكلة المعروف سببها هى مشكلة نصف محلولة)... ليتني كنت أمتلك الحاسة السادسة لأعلم هل القضايا التى طرحها يحيى حقي فى قصته سيتم معالجتها الآن فى ظل الألفية الثالثة أم ستلقى جانبا و يطويها الزمان طى النسيان, هنيئا لك يا من قرأت تلك القصة التى سبقت عصرها حيث أضحت فى ظل حبات عقد قصص و روايات ذلك الكاتب العميق الأفكار (درة أعمال يحيى حقي)

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

تحليل رائع وتقدير يستحقه كاتبنا الجليل

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب