زوبعة في فنجان

التّنافس على كسب الأموال سمة بارزة في المجتمعات الإنسانيّة، وهو نشاط مشروع ما لم يتخطَّ الحدود، ولكنّه يتحوّل لشيء مذموم إذا أصبح على حساب القيم والمبادئ، وحتّى دماء البشر.

والتّاريخ مليء بالتّنافس في شتى المجالات، ولكن أسوئها تلك الّتي حدثت عام ١٨٩٨م بين كلّ من (جوزيف بولترز) مالك صحيفة "نيويورك ورلود"، و(وليام هيرست) مالك صحيفة "نيويورك جورنال"، حيث تنافسا على جذب أكبر عدد ممكن من القرّاء، طمعًا في الرّبح المضاعف وجني المزيد من المال، عن طريق استغلالهم للحرب الدّامية الّتي كانت تدور رحاها بين إسبانيا وأمريكا في ذلك الوقت، والّتي وفّرت بيئة خصبة لنموّ الشّائعات، ممّا أدّى إلى ظهور الصّحافة الصّفراء، ورصف الطّريق أمام نوع جديد من الحروب، سلاحها الكلمة وفن التّلاعب بها.

فما هي الصّحافة الصّفراء؟

الصّحافة الصّفراء هي تلك الصّحافة غير المهنية وغير الصادقة، وتعتمد على نشر الفضائح والخرافات والأخبار الكاذبة، كما أنّها تغذّي خطاب الكراهية والعنصريّة لمصالح شخصيّة ماديّة، أو تنفيذًا لأجندات جماعات مشبوهة.

الخطر الأكبر لهذا النّوع من الصّحافة أنّه يسبب انتشار الفضائح الّتي في الغالب تكون مفبركة، وتساهم بشكل كبير في انهيار الذّوق العام للقرّاء، وإحداث الفتن والحروب، ولأنّ الإنسان مجبول على الفضول؛ يلقى هذا النّوع من الصّحافة رواجًا كبيرًا، فهي تقف وراء العديد من الأحداث الدّامية ليومنا هذا.

وفي ظلّ كلّ الانفتاح الحاصل في العالم الآن، وثورة الاتّصالات الرّهيبة الّتي جعلت من العالم قرية صغيرة ساهم كلّ ذلك في تسهيل انتقال الخبر والإشاعة بشكل مرعب، فبعد أن كانت الصُّحف الصّفراء محصورة في الورق المطبوع فقط، أصبحت الآن تشمل الكثير من المواقع والمنصّات الّتي تجني الأرباح عن طريق جذب أكبر عدد ممكن من المتابعين.

ولأنّه لا يكاد أن يمرّ يوم دون انتشار شائعة ما مجتاحة كل وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وفي كثير من الأحيان يكون ذلك الخبر مجتزءًا من الحقيقة وملوّثًا بالكذب والتّزييف، يصبح تفادي التّأثر بها أمرًا ملحًا جدًا، ويكون ذلك عن طريق التّفكير في منطقيّة الخبر قبل كلّ شيء، ومن ثمّ التّأكد من مصداقيّته من خلال مصادر موثوقة.

وإن لم ننتبه لمثل تلك الأمور سنصبح أدواتٍ تتحكم بها تلك الصّحافة كيفما تشاء، وتذكّر أنّ هدفهم من ذلك النّشاط هو خلق حالة من الهيجان المبني على أخبارٍ زائفة وتافهة، سرعان ما تختفي بمجرد الوصول إلى غايتهم، تمامًا كما تفعل الزّوبعة بالفنجان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

وإن لم ننتبه لمثل تلك الأمور سنصبح أدواتٍ تتحكم بها تلك الصّحافة كيفما تشاء !
هذا حقيقي جدا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.