زواج تحت الأنظار

بعض القدرات الخاصة قد تكون نعمة لأصحابها يحسنون استغلالها لتحسين معيشتهم ويحمدون الله عليها ليلاً ونهاراً، وبعضها قد يكون نقمة وسبب النغائص في حياة أصحابها... وهذا ما حدث ل(أمل).

أمل مهندسة اتصالات في إحدى شركات الاتصالات المعروفة، هي بنت الثلاثين عاماً، عزباء ولم يفتها قطار الزواج كما يقولون دائماً عنها بل إنها تبحث عن القطار المناسب الذي تلحق به وليس أي قطار والسلام، حباها الله بموهبة وقدرة خاصة من عنده وهي الفراسة أو القدرة على قراءة أفكار الآخرين من خلال عيونهم... تفهم ما يدور في عقل من أمامها وفيم يفكر وصدق شعوره أو كذبه فقط من خلال نظراته. لكن مثل تلك القدرات قد تكون عائقاً لأصحابها وقد تكون نقمة وليست نعمة وهذا ما تسبب في تأخر زواج أمل.

في يوم من الأيام استيقظت أمل وكأن هم الدنيا فوق رأسها، لا تريد لليوم أن ينتهي أو أن تنتهي من عملها في هذا اليوم المقيت بل وأرادت وحاولت بكل السبل أن تحصل على وردية ثانية أو وقت إضافي في العمل لكي تهرب من تلك الليلة.

حفل زواج جارتها... هو ما تهرب منه أمل، لا تهرب من المناسبة هذه في حد ذاتها  لكنها تهرب من كل المناسبات الاجتماعية عموماً... لأن المشاعر فيها أصبحت زائفة من وجهة نظرها... ولقدرتها على قراءة مشاعر الآخرين من خلال أعينهم فهي ترى الكثير من المشاعر الزائفة والكاذبة والمنافقة بل والحاسدة والحاقدة أيضاً في تلك المناسبات. 

عندما تذهب للمآتم ترى الحزن المزيف في أعين الناس والذي إذا لوحظ من قبل أي شخص طبيعي غير أمل فسيرى أنه حزن عميق... تلك الزوجة التي تظهر أنها حزينة جداً بل تكاد تموت من فراق زوجها لها وهي في الأصل تتمنى الخلاص منه حتى يتثنى لها الزواج من آخر، وذلك الابن الذي يحزن كثيرا على فراق أمه ولكنه يكاد يرقص من فرحته لأن أمه ماتت وتركت له الشقة يرثها كما تركت له بعض الأموال في البنك. وترى أيضا الحزن الشديد - لكنه صادق هذه المرة - في عيون الزوج الذي توفت زوجته على الرغم من كثرة المشاكل بينهما بل ويردد بعض الناس أنه كان يكرهها.

أما عن الأفراح فحدث ولا حرج... ترى أمل النفاق والخداع والفرح المزعوم في عيون الحاضرين رغم ما يبدونه من فرح شديد... البنات اللاتي يغرن من صديقاتهن العروسة، وابنة الخالة التي تحقد على العروسة بسبب عدم فلاحها في زواجها، وأقارب العريس الذين لا يطيقون العروسة ويرون أنها لا تليق به ولا يشرفهم نسب عائلتها... لكن كل ما تهتم به أمل هو نظرات العريس والعروسة... تنظر إليهم بشدة وتركز في أعينهم حتى تتنبأ بقصة الحب بينهما وتتوقع مصيرها.

تخاف أمل كثيرا من فكرة الزواج... تقدم لها عرسان كُثر لكنها لم تجد في نظرة أحدهم حب مخلص لها أو اشتياق وولع بها... بل ترى في معظمهم نظرة الطمع فيها فهي مهندسة شاطرة وعلى قدر من الجمال كما يقولون، لذلك هي ترفض فكرة زواج الصالونات حيث ترى أنه زواج بلا روح وبلا مغامرة حتى وإن فلح.

تخاف جدا من مصير زواجها، تريد شخص تحبه وترى حبها في عينه، تريد من يتحمل عيوبها ويبرز مميزاتها ويعينها على طموحها وتطلعاتها... تريد شريكا لحياتها ولا ترضى بظل رجل فقط حتى تأخذ لقب "مدام".

لو كانت أمل ارتبطت وهي في بداية العشرينات ما كانت تحمل كل هذا القلق... الزمن تغير كثيرا والمشاعر تبدلت وتبلدت... الناس يضمرون عكس ما يبدون... حتى المشاعر بين الأزواج تغيّرت... ترى أمل العجب العجاب في الأفراح... تلك العروسة التى ترى في عينيها عشقا لعريسها رغم أنه تزوجها فقط لإرضاء عائلته لكن مشاعره فاترة من ناحيتها وتوقعت أمل مصيرهم وبالفعل حدثت ما توقعته... بعد فترة تزوج عليها زوجة ثانية اختارها هو ولم يخترها أهله... وهذا صديقها في العمل الذي ذهبت إلى حفل زفافه ورأت في عينه وعين عروسته تبادلا للمشاعر الصادقة والمخلصة وبالفعل استمرت حياتهم بهذا الصدق والإخلاص ونعموا بحياة سعيدة... حتى أخيها لم تدعه يفلت من تحت عينها... في يوم زفافه رأت في عينه مشاعر حب ولهفة فأخيراً فاز بمن يحسدوه عليها أما هي فكانت كل فرحتها بالفرح والشبكة والفستان وأنها تزوجت قبل أصحابها كانت عيناها لا تنم عن نفس المشاعر التي تبرزها عين أخيها... وبالفعل استمرت حياتهم على منوال روتيني هو الزوج الذي يضحي من أل زوجته ويفعل كل ما هو محبب لها وهي فقط تحب نفسها ولا تشعر به.

هكذا كوّنت أمل وجهة نظرها في الزواج، فهناك من يتزوج بغرض الاستقرار أو تكملة نصف دينه وأن يعصم نفسه من الفتنة، وهناك من يتزوج وهو طائش لا يفهم معنى الزواج فقد تزوج لأنها سنة الحياة وهذا ما وجد عليه آباؤه... وهناك من يتزوج بغرض أن يجد من تطبخ له وتغسل وتنظف وتنجب له البنين والبنات أي يبحث عن جارية تلبي طلباته... وهناك من يتزوج للأسف لغرض إشباع الرغبة الجنسية فقط... وهناك من يتزوج لغرض الإنجاب فقط وحين ينجب يلغي زوجته تماما من حياته... وهناك أيضاً من تتزوج لغرض الهروب من عائلتها وقيودهم حتى وإن كانت لا تحب زوجها... أما هي فتبحث عن السكن والأمان ، تبحث عن العلاقة التي قصد منها الله المودة والرحمة، عندما تُسأل "هنفرح بيكي إمتى" ترد ببساطة: "عندما أشعر بالأمان".

وعلى الرغم أن العيون كانت سبباً في تأخر زواج أمل ووقوفه عقبة في حياتها إلا أنها هي السبب في حادثة زواجها.

ذات يوم ذهبت أمل مع أمها إلى طبيب العيون وذلك لإجراء كشف نظارة لوالدتها وأثناء زيارتها للطبيب وانتظارها لدورها في الكشف كان هناك شاب يجلس أمامهما (محمود) شاب يعمل في مجال العقارات مقارب لها في السن أو قد يكونا في نفس السن تقريباً مع فارق بعض الأسابيع لصالح أمل... يجلس محمود منتظراً دوره الذي جاء بعد دور أمل وأمها... دخلت أمل وأمها إلى غرفة الطبيب ثم بعد الإنتهاء من الكشف انصرفا مباشرة وبعدها دخل محمود للطبيب لكنه لم ينصرف، ذهب إلى سكرتيرة الطبيب وسألها عن أمل واسمها وعنوانها... وإن كانت تعرفها من قبل أم لا... حصل منها بالفعل على عنوانها وتردد محمود على بيتها يراقبها من بعيد... سأل عنها كل جيرانها... وبعد أن استوفى كل تحرياته واستقر في قرارة نفسه قرار التقدم لها استخار الله ثم ذهب مع أهله لطلب يدها...

محمود عريس كأي عريس تقدم من قبل لأمل... جلست معه مرة واحدة ومن بعدها أبدت موافقتها مباشرة... وافقت أمل من المرة الأولى رغم أنها كانت تعارض زواج الصالونات... رأت في عينه ما لم تره من قبل... رأت شاب محترم يخاف الله ويتقيه... رأت في عينه التربية السليمة وأنه هو ابن الأصول الذي سيصونها... كل مرة تجلس معه تكتشف حنانا غير طبيعيا ينبع من عينيه... تأكدت أن هذا هو رفيق دربها وشريك حياتها... هي أخيرا شعرت بالأمان.

أثبت علماء أن النفس أن للعين لغة تعتبر إحدى لغات الجسد وإحدى قدرات الفراسة التي قد يمنحها الله للإنسن... أثبتوا أيضا أن لكل حركة من العين تفسير معين فمثلاً عندما تتحدث إلى شخص ما وتجده ينظر إليك بدون تردد وعيناه ثابتتان فهذا يدل على صدق كلامه، إذا كان المتحدث يرفع عينيه للأعلى فإما أنه يحاول تذكر شيء معين أو يحاول اختراع فكرة معينة، أما إذا كانت حركة عين المتحدث سريعة مع عدم قدرته على النظر إليك بثبات فهذا يوحي بخجله أو كسوفه أو أنه قد يحمل لك مشاعر حب وإعجاب... وإذا كان ينظر دائماً للأسفل فهذا يدل على عدم قدرته على مواجهتك أو يدل على ذه ومهانته وخضوعه... أما إذا تحدث وكانت حركة عيناه يميناً ويساراً بشكل متكرر فهذا يدل على كذبه... كل هذه حركات تتحدث بها العين ويمكنك تعلمها... لكن هناك أشخاص حباهم الله هذه الموهبة بالفطرة فيستطيعون أيضا قراءة الأفكار مثل أمل.

كما أثبت علماء النفس أيضاً أنه مع التطورات الحديثة وظهور العدسات اللاصقة يمكن إبطال قدرة صاحب هذه الموهبة على قراءة أفكار أصحاب هذه العدسات.

جرت الأيام بسرعة وما هي إلا شهور قليلة وتم تحديد موعد الزواج... قبل الفرح بأيام ذهب محمود لطبيب العيون الذي نصحه مراراً وتكراراً بتركيب العدسات اللاصقة خاصة في أجواء الإضاءة العالية لأن عينيه مصابة بنوع من أنواع الحساسية... لكن محمود يمتنع ويرفض تركيبها كما يكره ارتداء النظارة... لكن مع اقتراب موعد الفرح وخوفاً من إضاءة الفرح وخوفاً على عينه ذهب لطبيب العيون لتركيب العدسات... ولم يخبر محمود قصة العدسات لأمل والحق يقال أنه مع ترتيبات العرس وانشغاله نسي أن يخبرها...

جاء اليوم الموعود... استيقظ كل منهما مبكراً ليبدأ ترتيباته وتجهيزاته لهذا اليوم... تحدثا مع بعضهما هاتفياً وأخبر كل منهما الآخر بشغفه وانتظاره لهذه الليلة وما سيبديان عليه في الفرح... صرح كل منهما للآخر بما سيفعله أما أمل فأخبرت محمود بما كانت تحلم به منذ صغرها... حلمت بأن تبدأ في قراءة القرآن قبل الفرح بشهر... تقرأ كل يوم جزء واحد من القرآن ثم تختم القرآن بالجزء الثلاثين ولكن في أول ليلة في بيتها الجديد حتى يبارك الله لها في بيتها وزوجها وحياتها كاملة...  اندهش محمود من الفكرة وأخبرها أنه سيختم معها القرآن هذه الليلة... ثم صرح لها بحبه قولاً بعد أن صرحه فعلاً فكان قد أخذ عهداً على نفسه ألا يقول هذه الكلمة إلا في الحلال وبعد أن يجد بنت الحلال التي تستحق تلك الكلمة... وها هو الآن يصرح بها بكل سهولة بعد أن كان يرى أنها أصعب كلمة يمكن أن تقال وكان يخجل عندما يتخيل نفسه يقولها.

أما عن الفرح... فكان بسيطاً يضم الأهل والأقارب والأصدقاء من كلا الطرفين... عندما دخلا العروسان إلى القاعة لم تهتم أمل بالنظر في عين أحد، لا تريد أن تنغص عليها ليلتها فقط اكتفت بنظرة السعادة والفرح في عيون أمها وأخيها... ثم التفتت إلى عريسها لترقص معه الرقصة الأولى... هدأت الأضواء من حولهما واحتضن كل منهما الآخر وبدأت عيونها ترقص سوياً وتتحدث... محمود منبهراً بجمال عيني أمل، يريد أن يقبلهما أمام الناس لولا خجله... أما أمل فلم تتوقف موهبتها الخاصة حتى في ليلة زفافها... نظرت أمل إلى عين محمود في ارتباك وقلق وخوف.

انتهت الرقصة الرومانسية بينهما وبدأ الأصدقاء في الالتفاف والرقص حولهما... التف الشباب حول العريس... والبنات التففن حول العروسة... وانشغل العريس بأصدقائه حتى تعب من الرقص فطلب منهم استراحة هو وعروسته... ذهب ليأخذ أمل من وسط البنات حتى تستريح... لكن أمل اختفت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jul 6, 2022 - سلسبيل معروف
Jul 6, 2022 - حمزه عطا مصطفى
Jul 6, 2022 - محمد عبد القيوم جودات
Jul 6, 2022 - محمد حسن الصغير
Jul 6, 2022 - عبدالرزاق ياسين درويش
Jul 5, 2022 - أيهم زاهر نجّار
Jul 4, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jul 4, 2022 - عبدالله عوض الدباء
Jul 4, 2022 - ريم صلاح الدين صمود
Jul 3, 2022 - محراب محمد اسحق
Jul 3, 2022 - قلم خديجة
Jul 2, 2022 - آيه الدرديري
Jul 2, 2022 - منة الله صبرة القاسمي
Jun 30, 2022 - يسر الحاج منور محمد
Jun 29, 2022 - مهند ياسر ديب
Jun 29, 2022 - كاميليا عبدلي
Jun 29, 2022 - هالفي سام ميلاي
Jun 29, 2022 - رهام زياذ مشة
Jun 29, 2022 - بن عريشة عبد القادر
Jun 28, 2022 - شهد سراج
Jun 28, 2022 - زهرة فاطمة ملك
Jun 28, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jun 24, 2022 - فاطمة الزهرة العماري
Jun 24, 2022 - رامي النور احمد
Jun 22, 2022 - سنا الصالح
Jun 21, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 21, 2022 - ابراهيم فتح الرحمن محمد عبدالله
Jun 21, 2022 - محمدي امنية
Jun 19, 2022 - يوسف محمود يوسف
Jun 19, 2022 - رامي النور احمد
Jun 19, 2022 - فطوم آلنعيمي
Jun 18, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 16, 2022 - ياسمين صحراوي
Jun 15, 2022 - أشرف الأمين مبارك محمد
Jun 15, 2022 - رمضان بوشارب الجزائري
Jun 15, 2022 - احمد حمدان شاهين
Jun 14, 2022 - رامي النور احمد
Jun 14, 2022 - فادي محمد كناوس
Jun 13, 2022 - أشرف الأمين مبارك محمد
Jun 10, 2022 - احمد تناح
Jun 10, 2022 - Anood Shurrab
Jun 10, 2022 - هاجر ادبراهيم
Jun 10, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jun 8, 2022 - محمد مصطفى
Jun 2, 2022 - هاني ميلاد مامي
May 30, 2022 - فاطمة الزهرة العماري
May 29, 2022 - علي صالح طمبل
May 29, 2022 - معاذ فيصل اسماعيل يعقوب حكمي
May 29, 2022 - أحمد الطلفاح
May 29, 2022 - لحظة هدوء
May 28, 2022 - ندا علي
May 26, 2022 - أحمد أبوزيد
May 26, 2022 - ندا علي
May 26, 2022 - مهاب البارودي
May 25, 2022 - رحمة مصعب الغزال
May 24, 2022 - شيماء عوض محمد
May 23, 2022 - على محمد احمد
May 22, 2022 - أحمد أبوزيد
May 22, 2022 - ديانا جمال عبود
May 21, 2022 - مريم حمادة
May 21, 2022 - محروس خميس السعداوي
May 20, 2022 - سماعين محمد الأمين
May 18, 2022 - طلعت مصطفى مصطفى العواد
May 16, 2022 - علاء جادالله الخمري
May 13, 2022 - مهاب البارودي
Apr 29, 2022 - احمد حمدان شاهين
Apr 15, 2022 - رايا بهاء الدين البيك
نبذة عن الكاتب