لا شك أن أسوأ الأشياء صنعًا هو زواج الصالونات، يتقابل الشاب والفتاة خارج المنزل المرة الأولى ليتعرفا على بعضهما بعضًا.
لماذا يضعون فتاه خلقها الله مشاعرها هشة في موقف مثل هذا؟ وهو أن تجلس مع شخص لا تعرفه لمجرد أن أناسًا آخرين رشحوها لبعضهم، وعرفوهم بضع معلومات سطحية عن حياتها الخارجية، وعن شكلها، فيقررون ترتيب جلسة تعارف (رؤية شرعية) في أي كافيه (خارج البيت) ليعرفوا هل سيتقبلان بعضهما أم لا؟ وتبقى الفتاة موضوعة في موقف مثل هذا، موضوعة بنسبه كبيرة في موضع الرفض؟ لماذا تخرج الفتاه من مقابلة كهذه لتنتظر يومًا أو اثنين، وقد يصبح اليومان ثلاثة أيام أو أربعة، وهي تنتظر هذا الشخص ليقول رأيه فيها؟ أعجَبِته أم لا؟ ومن الممكن ألا يرد أو يجيب من الأساس.
أرى أنه ذلك منتهى الإهانة للبنت ومشاعرها، لا سيما أن هذا الشخص من الممكن أن ينال إعجابها وتسعد به كثيرًا، ووارد جدًّا أن تشعر أن ربنا قد بعث لها العوض الذي تنتظره طوال عمرها، ورأت فيه كل المواصفات التي كانت تبحث عنها، ونسيتها لأن كل محاولاتها في أن تجدها فشلت، ورغم أنها دائمة الرفض ولا تلقى من يشبهها أو يَفهمها، وكل هذا يقابل بالآخر بالرفض الذي لا يكون في وقته أيضًا، بل بعد عدة أيام، بعد التوتر والتفكير اللذين يأكلان جزءًا من روحها.
طوال عمري وأنا أرفض فكرة زواج الصالونات، كنت أرى أن الزواج يجب أن يبنى على الحب، لكن بالطبع كان هذا التفكير تفكير مراهقة، وذهب إلى حال سبيله، من الطبيعي أن الإنسان كلما يكبر يتغير جزء من تفكيره، أصبحت أرى أنه على الأقل يجب أن يكون قاصدها هي، وأنه آتٍ إلى منزلها وقد رآها وعلى دراية بها، يعرف أهلها وأخلاقها، ويكون هذا أكبر داعٍ للزواج منها.
لكن مواقف الصالونات هذه بعيدًا عن أنهم لا يعرفون بعضهما بعضًا لا داخليًا ولا خارجيًا، ولا ظروف حياتهما وتقلباتها؛ فهي مؤذيه جدًّا لمشاعر البنت، لا سيما لو صدرت من أشخاص يهملون المشاعر ولا يضعون في رأسهم عامل الوقت، يتأخرون في الرد، ومن الممكن أن لا يردوا من الأساس، حسنًا والبنت ومشاعرها!
على الرغم من رفضي لزواج الصالونات، لكن مؤخرًا وبعد كثير من كلام كل من حولي المقنع والمؤذي الذي ليس له طعم ولا معنى وعامل السن عند البنت الذي أصبح الجميع يتحدث عنه قررت أن أعطي فرصة لزواج الصالونات والرؤى الشرعية خارج البيت (كافيه)، على الرغم من تذمري من الموضوع وثقله على قلبي، فمن الممكن أن يكون كلامهم صحيحًا، ويمكن أن تكون فيه إرادة ربنا، فلا نعاند في إرادة الله.
على الرغم بلوغي سن الثلاثين، فإن تجاربي مع مثل هذه الجلسات لا تتجاوز ثلاث مرات فحسب، أولهما كانت من سنة، والثانية والثالثة في هذا الشهر، ثلاثة من الشباب لم يعبهم شيء؛ هم متعلمون ويعملون وجاهزون، يعيشون الحياة، وعلى قدر من العلم.
فمنهم من يعمل بدل المهنة اثنتين، والمهنتان على قدر عالٍ من الماديات والاحترام مثل بقية الناس التي تتحدث دائمًا عن المادة، منهم من لديه منزل على قدر عالٍ من الفخامة، ومنهم من يزيد على ذلك السيارة التي يتباهى بها الشباب وتنبهر بها الفتيات.
أما عن الشخصية، فأظن أنه لن يسأل أحد ولن يهتم أحد، لكن لا عليكم، سأجيب عما لم يُسْأل، حتى شخصياتهم تُحترم إلى حد كبير، ومنهم من يعرف جيدًا كيف تُعَامَلُ الأنثى.
أول شخص كان من سنة وأشهر
كلمتني عنه صديقتي كثيرًا على الرغم من رفضي لمثل هذه الموضوعات، وعندما بدأت التقبل، قلت لها إنني لن أعرف أن أعطي رأيي في شخص لا أعرفه، فاقترحت عليِ التحدث معه عدة أيام قبل أن نلتقي وقد حدث، وتقبلنا الحديث معًا، كان الحديث مملوءًا بالصراحة المطلقة، كانت هواياته تشبه هواياتي كثيرًا، كان يجيد الكتابة والتصوير وصنع القصة القصيرة وهذا جدًّا ما أحب أو ما أعشق، وكان مستمعًا، وهذا جيد، لكنه كان نشيطًا جدًّا، وكان من خريجي كليات القمم وكنت أحمل شهادة دبلوم تجاري، لكن هذا لم يكن مانعًا عند كلينا، مرت أيام وليال عدة، وطلب أن نتقابل بحضور الوالدتين، وقد حدث هذا على الرغم من تذمري من مثل هذه الموضوعات، ومع أنها تصيبني بالقلق والعصبية، وفي أثناء جلوسنا معًا لم أجد ما أقوله، فكل شيء قد قيل في محادثات (الواتساب) رغم محاولاته إخراج كثير من الحديث.
كان الاتفاق أن الرد بعد ثلاث ليالٍ، مرت ليلة وأخرى وثالثة ولم يَرد، واستخرت الله على الرغم من ترددي، وبعد الليلة الرابعة تملكتني العصبية، لماذا لم يَرد؟ لماذا لم يحترم الوعد؟ وفي اليوم الخامس دفعتني عقدتني من الصمت والموضوعات التي لم تغلق إلى التحدث مع صديقتي وابنة خالته، وسؤالها عن إذا كان قد طلب منها أن تبلغني شيئًا، فأنكرت، وقالت كنت أظنك رفضته، وتوصل بنا الحديث إلى أنه قد يكون منتظرًا الرد مني.
أول مرة تتملكني الجرأة بفضل هذه العقدة (عقدة الموضوعات المفتوحة) التي لم تغلق، وسألته قائلة:
- ألم يكن بيننا اتفاق؟
أجاب: نعم، لكني محرج منك!! أبلغت بنت خالتي لتخبرك..
لم تقل لي شيء، لماذا فعلت هكذا؟ تجاهلت أم خفت على مشاعري أم خفت على مظهرها أمامي؟
أخبرني أن كل شيء نصيب، وأنني أفضل وأطيب من عرف.
أنهينا الكلام واتفقنا على أننا أصدقاء وإخوة، أما عني فإنه كان كلامًا منمقًا يردد في تلك المواقف، أما عنه فإنه كان يتحدث بصدق.
عندما واجهت بنت خالته: لماذا لم تبلغيني؟
أخبرتني أنه رد من أول يوم لتلاشي التفكير، أجابتني أنها تعلم جيدًا أنه أجاب بالرفض؛ لأنه شعر مني بعدم الموافقة، وأنها أحبت أن تنتظر لترى مني ما أريد، وأضافت بأنها تعلم أنني لو وافقت سيوافق!
قابلت كلامها باستهانة، لم أقتنع بما قالته، ومرت الأيام لتعيد كلامها نفسه بعد أن جاءتني رسالة منه ليهنئني بعيد الفطر!
تمر الأيام، ونتحدث مرة كل أسبوع، ثم صرنا نتحدث كل يوم تقريبًا، أصبحنا صديقين مقربين! منتهى الجنون..
على الرغم من أنه قالها واضحة في منتصف هذه المدة: إننا أصدقاء فقط، وأن ضميره يؤرقه لأنه خائف أن أتعلق به تعلق غير الصداقة (الحب)! رغم أن الجملة كانت غير لطيفة في حقي، لكنني احترمت صراحته، وقابلتها بلطف قائلة: إنني في كل الأحوال أتعلق بكل من في حياتي، وأضفت بالنص: (حابب نكون اصحاب احكي اللي كنت عاوز تحكيه مش حابب ولا كأننا تكلمنا ف حاجه)، ليجيب: (طبعا حابب أومال بكلمك ليه، ويضيف على الكلام إحنا الاثنين على قدر من التفاهم وبدأنا نأخذ على بعض وبنحب نحكي لبعض).
وتمر عدة أيام تستمر بها حكايتنا معًا، لكن التلميحات والكتابات بدأت تتغير، وبدأت أتذمر وأغضب، ليرد على غضبي قائلًا: إنه اكتشف في كثيرًا مما يميزني عندما أعطتنا الصدفة فرصة لأن نعرف بعضنا دون ضغوط، وأنه تسرع في قرار عدم الزواج مني بعد رؤيتنا، وأن كل ما في الأمر أننا كنا نحتاج إلى وقت أطول لنعرف بعضنا حقًا بغير ضغوط أو قصد لذلك، وأردف قائلًا: إن أحلى ما في الموضوع أنه حدث بغير قصد منا، وأن هذا ما كان يشتته ويضايقني منه، وأضاف على الكلام ليعمق معناه: أنا أحتاج إلى أن تكملي معي حياتي إلى آخر العمر، يريد الزواج مني!
كان الأمر عبثيًا جدًّا لي، اخترتك صديقًا وأخًا لي بعد أن قررت ألا يكون لي أي صديق من الجنس الآخر، قررت أن أترك فكرة الزواج حتى إشعار آخر، قررت أن أنتبه إلى حياتي وتطويرها ليقابل طلبه الرفض مني، أو على الأقل في هذا الوقت، كانت غلطتي أن صداقتنا استمرت عدة أيام بعد ذلك، فقررت أن أصحح خطأ عودتي بصداقة شخص من الجنس الآخر لاقتناعي بحرمتها وخطر التعلق، كان لديه مشكلة تبدو صغيرة؛ كان كلامه أو مزاحه أحيانًا تلقائيًا مختلطًا بالغشامة، ربما وجهتني هذه المشكلة إلى طريق ننهي به هذه العلاقة، جعلتني أرى في ردات فعلي بداية تعلق بشخص غير متأكدة من مسماه في حياتي، تحدثت معه لإنهاء كلامنا معًا للأبد بلطف، ذهب كل منا إلى حال سبيله حتى أخرجته من رأسي وحتى خطب..
الثاني جاء أمره سريعًا جدًّا، قابلته على الرغم من بداية رفضي، مرت سنة وأشهر على أول موضوع.
قبوله لي وإعجابه بي جاء من أول جلسة، وأخذت رده بالموافقة بعد انتهاء الثانية عشرة صباحًا من اليوم الثاني، وبعد قليل من بداية العصبية (عقدة الموضوعات المفتوحة)، استقبلت اتصالًا هاتفيًا من الوسيط بأنه يريد التقدم الرسمي للزواج، وأن الخبر قد جاءها من العصر، لكنها انشغلت عن الاتصال بي.
ولظروف عمله سوف يأتي بعد سفره للتقدم الرسمي لخطبتي، وطلبت مني أن أصلي استخارة قبل القبول أو الرفض.
لم يكن يشبهني سوى بالتفكير، لا الصفات، كان عاقلًا ورزينًا وراشدًا بما يكفي، وأقنعني به الجميع بقولهم: لا يوجد مثله، ما به من عيب.
لكن المفاجأة أنه عندما ابتدأت بالاقتناع، وصليت الاستخارة فقد جاء الثاني والثالث، وأنا أرفض أن أتعامل في عدة موضوعات مثل هذه، وأردت إما أن أنهي أول موضوع، أو أرفض الاثنين بلا رؤية واتهمني الجميع بأني مخطئة.
قررت أن أهدأ، وأحقق ما طلبوه مني، أن أقابل الثاني على الرغم من كل التأخير والتأجيل وكل شيء.
وقد حدث
أجريت المقابلة، ورأيت شخصًا بشوش الوجه يضحك يهرج حلو اللسان، وعندما جلسنا معًا بعيدًا عن الأهل رغم أنني قد قلت كثيرًا من الكلام الغريب وكررت السؤال نفسه ثلاث مرات للشخص الثالث (ليه صالونات)؟ رأيت شخصًا منفتح العقل، رغم أنه على حد علمي أنه من أصحاب الدبلومات الفنية ذي الخمس سنوات، رأيت حسن الكلام والثقافة والمعاملة والاستماع، وشيئًا من الفضول.
قلت له إنه مقبل علي الحياة وأنا من مدة غير مقبلة، لذلك لا أجيد التعامل الصحيح في هذه الجلسة، أو لا أجيد التعامل مع إقبالك على الحياة! كلامي أصبح غريبًا جدًّا، كلام لا يقال..
لكنه كان يشبهني كثيرًا فيما كنت عليه قبل الآن، بشوش الوجه، متقبل، مرح، وأجمل ما فيه أنه كان يحمل الصفة التي أردت العثور عليها طوال حياتي، (الشريك المجنون).
عندما انتهت الرؤية وجلست أفكر، رأيت فيه كل ما كنت أريد، كل ما كنت أبحث عنه، كل الصفات التي تناسيتها وتخليت عنها؛ لأنني لم ألقها يومًا.
انتظرت لليوم الثاني حتى أتلقى منه الرد، لكن لم يحدث! بدأت العصبية، لماذا لم يرد؟ ثم هدأت واستخرت، شعرت بالارتياح الشديد من ناحيته، شعرت بشعور جميل، بدأت تتردد داخلي أسئلة.. هل سيرضيني الله بما حلمت طوال عمري بطريقة كنت أرفضها طوال عمري! هل هذا هو عوض الانتظار والتناسي؟ هل هذا هو نصيبي؟ يا له من نصيب جميل، عندما يأتي على هوى قلبي وعقلي، تفاءلت به كثيرًا، لكنه لليوم الثاني لم يرد، رجعت العصبية، وازداد التفكير، وحل اضطراب القلق: هل رفض ولم يبلغوني؟ هل هو في حيرة من أمره؟ هل هو نصيبي الحلو؟ تساؤلات وحيرة بَدَأَت تهدأ قليلًا عندما تحدثت مع صديقتي، وقالت لي: إنه يوجد عند الوسيط الذي بيننا حالة وفاة لذلك لم يتحدث.
كررت الاستخارة، وهدأت وتفاءلت، لكن اليوم الثالث انتهى ولم يأت الرد، لم أتمالك نفسي، تحدثت مع صديقتي، وقلت لو كان بالفعل لم يرد أبلغي الوسيط أن كل شيء قسمه ونصيب، كانت تجاريني صديقتي بالكلام، قالت لي إنها ستعرف الموضوع وتبلغني.
في اليوم الرابع لا يزال القلق والرفض لوضع مهين كهذا، والأمل، كل هذا يتملكني..
لكن في وقت العصر قرأت رسالة من صديقتي تقول بالنص: (ماتعرفيش النصيب فين لسه مجاش وهيجيلك الأحسن وأحسن)!! تملكني شيء من العصبية، فجزء الكرامة قد خدش، معهما شيء من الراحة أن الموضوع قد انتهى، لا تفكير، ولا حيرة، ولا قلق بعد الآن.
لكن لا صالونات أيضًا بعد الآن..
لماذا لم أستقبل ردهم في اليوم التالي كما سألتني والدته في الرؤية نفسها عن رأيي؟ لماذا تسببت لي بالإحراج ما دامت نية الرفض موجودة؟ لماذا جاء الرد بعد أربعة أيام وبعدما سألوه؟ولماذا تحدث مثل هذه الأشياء؟
اللعنة على زواج الصالونات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.