لا يُذكر الشعر الجاهلي إلا ويُستحضر معه اسم زهير بن أبي سلمى، ذلك الشاعر الذي صاغ الحكمة شعرًا، ونفذ بكلماته إلى عمق النفس والضمير. امتاز شعره بالرصانة والاتزان، وكرّس قصائده للدعوة إلى السلم ونبذ الغدر، حتى وصفه النقاد بـ«حكيم الشعراء». وما يجعل سيرته فريدة أنه نشأ في أسرة امتدت فيها الشاعرية من الجد إلى الأبناء والأحفاد، وأبناء الأحفاد. في هذا المقال نكشف ملامح شخصية زهير، ونحلل موروثه الشعري، ومكانته في الوجدان العربي.
ليس نادرًا أن تجد أبًا شاعرًا، وابنًا له يتعلق الشعر، أو ينظمه، أو أن تجد فنانًا مبدعًا، كان أحد أجداده فنانًا أيضًا، لكن يندر جدًّا أن تجد أسرة كان فيها الجد شاعرًا، والأخوان شاعرين، والأبناء والأحفاد شعراء، وأبناء الأحفاد أيضًا يعدون فيمن يعد من الشعراء.. تلك هي أسرة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى.
زهير بن أبي سلمى هو الشاعر الذي يأتي ثالثًا بين أقطاب الشعر الجاهلي، على ما ذهب إليه النقاد القدامى، فقد كانت المقاييس التي يوزن بها شعر الشعراء تلك المقاييس التقليدية التي تعنى باللفظ الذي يناسب الموضوع، وبالمعنى الذي يبرز فكرة الشاعر، وقبل ذلك بالوزن الذي يخلو من عيوب معينة كالإقواء، ويتفق مع غرض الشاعر، وقد لا يكون هذا رأي النقاد المحدثين الذين اختلفت مقاييسهم، أو أنها تطورت، ليُعد زهير بن أبي سلمى أول شعراء الجاهلية أو شعراء المعلقات إطلاقًا.
أسرة الشعر المتوارث.. ظاهرة فريدة في الأدب العربي
وقد تنشّأ زهير في بيت عريق في الشاعرية، فقد كان أبوه شاعرًا، وخاله شاعرًا، وزوج أمه (أوس بن حجر) شاعرًا، وأختاه سلمى والخنساء (وهي غير الخنساء الشاعرة المشهورة) كانتا شاعرتين، وكان ابناه (بحير) و(كعب صاحب بانت سعاد) شاعرين، وكان حفيداه سعيد وعقبة الملقب بـ (عرب) شاعرين، وعرف من أبناء حفدته أربعة شعراء هم: عمرو بن سعيد، والسوار والعوام ابنا عقبة المضرب وبشير بن العوام.
بشامة بن الغدير الخال الذي أورث زهير الشعر
قالوا: ولعل الشاعرية أتت زهير بن أبي سلمى من خاله وخال أبيه: بشامة بن الغدير، وكان شاعرًا مشهورًا وسيدًا غنيًا، ولم يكن له ولد، فأحب زهيرًا، وعني بتنشئته، وسمع زهير كثيرًا من شعره.
ومما يروى أن بشامة كان من المعروفين في قومه بالرأي والحزم، فيستشار فيما يمكن أن تقدم عليه غطفان، فيشير عليهم بالرأي الذي تظهر لهم جدواه فيما يبرمون من أمورهم، فإذا رجعوا من الغزو مثلًا، وقد قدموا عليه برأي أشار به بشامة، فإنهم يقسمون له من غنائمهم مثل ما يقسمون لأفضلهم، فكأنهم لا يجدون فرقًا بين الفارس المقدام في ساحة القتال، وبين صاحب الرأي الحازم يشير به عليهم وهو في خبائه.
قالوا: حين حضرته الوفاة جعل يقسم أمواله في أهل بيته وبين بنى إخوته، فجاءه زهير يقول: يا خال.. لو قسمت لي من مالك، فقال بشامة بن الغدير: ولكني يا بن أختي والله لقد قسمت لك أفضل ما عندي وأجزله، قال زهير: وما هو؟ فقال بشامة: الشعر، وقد ورثتنيه، ثم قال: من أين جئت بهذا الشعر؟ لعلك ترى أنك جئت به من مزينة، يعني قبيلة زهير وآباءه، لقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحي من غطفان، ثم لي منهم، وقد رويته عني. والقصة تروى في سياق تأكيد تأثر زهير بخاله الشاعر بشامة بن الغدير.
الحوليات وزهير.. الشاعر المُحكِم للفظ والمعنى
ويروي صاحب الأغاني أن زهير بن أبي سلمى كان يقضي أربعة أشهر في نظم القصيدة من قصائده المشهورة، ثم ينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على الفحول من رصفائه الشعراء أربعة أشهر، فهو لا يلقيها -وكان الإلقاء طريقة النشر الوحيدة في أيامهم- إلا بعد سنة، ولذلك تسمى بعض قصائده بـ (الحوليات).

وفي الحكاية -إن صحت أو لم تصح- إشارة إلى ما عرف عن الشاعر من حرصه على ألا تخرج القصيدة من شعره إلا بعد أن يوسعها تنقيحًا وضبطًا مع اختيار اللفظ الذي يناسب المعنى من معانيه التي تعكس نماذج من التقوى، وإيثار السلام على الحرب، والتحذير من الخيانة والغدر والانطواء على الحقد، وهي معانٍ ينفرد بها زهير بين جميع شعراء العصر الجاهلي، وكثير منها ظل طيلة هذه المئات من السنين حقائق لا تتغير من حقائق العلاقات بين الناس.
زهير.. الإيمان بالبعث والحساب في قلب الجاهلية
ومع أن زهيرًا من بني مزينة، فقد ولد لدى أخواله (غطفان)، وفيهم ترعرع وشبَّ، وعندهم تزوج أم أوفى التي رزق منها أولادًا ماتوا صغارًا تزوج أخرى من غطفان أيضًا، ورزق منها كعبًا وبجيرًا وسالمًا، ومع أن أخباره تقول إنه فارق أم أوفى، فقد غارت من زوجته الثانية (كبشة بنت عمار)، لكنه لم ينسها، وكان دائم الحنين إليها، ولعلها هي التي بدأ بها معلقته إذ يقول:
أمن (أم أوفى) دمنة لم تكلم *** بحومانة الدراج، فالمتثلم
ودار لها بالرقمتين كأنها *** مراجيع وشم في نواشر معصم
ويصفون أخلاق زهير فيقولون إنه كان رزين الطبع، يؤثر التروي والأناة، لا يفتر عن النصح بالخير والسلام، وإن ذلك أكسبه احترام غطفان كلها، ثم غيرها من القبائل التي عرفته وتناقلت فرائد شعره الذي ينبض بالحكمة والحق حتى وصفه النقاد في العصور المتأخرة بأنه الشاعر الحكيم، على أن أبرز ما يلفت النظر في شعر زهير بن أبي سلمى -وتجمع الأخباره على أنه مات قبل الإسلام- هو إيمانه بالبعث والحساب، فهو يقول في معلقته:
فلا تكتمن الله ما في صدوركم *** ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر، فيوضع في كتاب، فيدخر *** ليوم حساب أو يعجل فينقم
معلقة زهير رسالة السلام في زمن الحرب (داحس والغبراء)
حرب داحس والغبراء التي نشبت بين بنى عبس وبنى ذبيان، وطالت والتهمت كثيرًا من قتلى القبيلتين -وكلاهما من غطفان- التي لم يكن لها من سبب سوى مراهنة سيدي بني عبس وبني ذبيان على فرس لسيد بني عبس اسمها (داحس) وفرس لسيد بني ذبيان اسمها (الغبراء)، أيهما يسبق الآخر، هذه الحرب هي التي ألهمت زهير بن أبي سلمى معلقته، وهو لم يقلها تشجيعًا لإحدى القبيلتين على الأخرى، أو تفاخرًا بما حققته هذه أو تلك من انتصارات، وإنما قالها إعجابًا بهرم بن سنان الذي كان من عقلاء القوم ومن أكابرهم، فسعى مع الحارث بن عوف لعقد الصلح بين القبيلتين وحقن الدماء، على أن يحسب كل فريق قتلاه، وتحمل الديات إلى أهل القتلى الذين لم يثأروا لقتلاهم، وقد بلغت هذه الديات ثلاثة آلاف بعير تحملها هرم بن سنان والحارث بن عوف، ودفعاها إلى أهل القتلى في ثلاث سنوات.
ولا شك أن اتجاه زهير بن أبي سلمى إلى الإعجاب بالسلام وحقن الدماء وتكريسه معلقته على امتداح السيدين اللذين تحملا الديات، اتجاه فريد في الشعر الجاهلي خاصة، وفي كل ما فاضت به قرائح الشعراء في عصور لاحقة.
ومع أن موضوع المعلقة هو هذا الذي استثار شاعرية الشاعر، فإنه لم يستطع أن يخرج عن التقليد الشائع في عصره، إذ لا بد للشاعر أن يقف على الأطلال، وأن يذكر التي يحبها، فيتغزل بها ويحن إلى لقائها، ثم ينتهي إلى موضوعه أو ينطلق كيفما أحب في مديح، أو هجاء، أو وصف، أو رثاء إلى آخر ما وُجد من فنون الشعر.
شهادات النقاد وأهل العلم في شعر زهير
يروي النقاد في مجال تقدير الشاعر والإعجاب بمعلقته على الأخص أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خرجت مع عمر بن الخطاب في أول غزوة غزاها فقال لي ذات ليلة: يا بن عباس، أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: ابن أبي سلمى، قلت: وبم صار كذلك؟، قال عمر رضي الله عنه: لأنه لا يتبع حوشي الكلام، ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه، ثم قال: أنشدني له، فأنشدته حتى برق الفجر، فقال: حسبك الآن، اقرأ القرآن».
قالوا: جرى ذكر الشعراء في مجلس عبد الملك بن مروان، فسأل قومًا من الشعراء: أي بيت أمدح؟ يعني (أبلغ في المدح)، فاتفقوا على أنه قول زهير:
تراه -إذا ما جئته- متهللًا *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ويروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنشد بيت زهير الذي يقول فيه:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وأن خالها تخفى على الناس تعلم
وقال معلقًا: «لقد أحسن زهير وصدق، فلو أن رجلًا دخل بيتًا في جوف بيت لتحدث به الناس».
ولزهير بن أبي سلمى بيته المشهور الذي قالوا إنه جمع فيه عناصر إثبات الحق في القضايا وخلافه، وهو:
فإن الحق مقطعه ثلاث: *** يمين أو نفار أو جلاء
يعني يمينًا، أو رجوعًا إلى حاكم يقضي بالبينات، أو جلاء وهو بيان وبرهان يتجلى به الحق وتتضح به الدعوى.
وقال أحد النقاد القدامى: «ما يُقدم زهيرًا على غيره من الشعراء أنه كان أحسنهم شعرًا، وأبعدهم من سخف.جمعهم لكثير من المعاني في قليل من الألفاظ، وأشدهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالًا في شعره».
حب زهير لأم أوفى وبداية المعلقة
مع أن لزهير بن أبي سلمى ديوانًا مطبوعًا، فإن أكثر ما ينتشر على لهوات المعنيين بشعره هو من معلقته التي تقتطف منها ما يتسع له الوقت، وفي المعلقة ما يثبت أنه ألقاها أو فلنقل نشرها بعد أن قارب الثمانين إذ يقول:
سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش *** ثمانين حولًا – لا أبالك – يسأم
ومع ذلك فإننا نراه بعد هذا الدهر الطويل يحن إلى ذكرى (أم أوفى) زوجته الأولى التي فارقها بعد أن تزوج (كبشة بنت عمار)، وهو يبدأ بها معقلته إذ يقول:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم *** بحومانة الدراج فالمتثلم
ثم يقول:
وقفت بها من بعد عشرين حجة *** فلأيا عرفت الدار بعد توهم
فلما عرفت الدار، قلت لريعها *** ألا أنعم صباحا أيها الريع واسلم
ومنها:
فلا تكتمن الله ما في صدوركم *** ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر، فيوضع في كتاب، فيدخر *** ليوم حسابٍ أو يعجل فينقم
ومنها:
رأيت المنايا خبط عشواء من تُمتْـ *** ـه، تصب ومن تخطئ يعمر فيهرم
ثم يقول:
ومن لا يصانع في أمور كثيرة *** يُضرَّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه *** يفره، ومن لا يثق الشتم يشتم
ومعنى (يفر) يكثر، والمعنى من يجعل إحسانه بين عرضه وكلام الناس، يصون عرضه من الذم.
ثم يقول:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله *** على قومه يستغن عنه ويدمم
ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه *** إلى مطمئن البر.. لا يتحمحم
ومن أجمل ما في المعلقة قوله:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه *** وإن يرق أسباب السماء يسلم
ونرى نظرة متعمقة إلى بعض خلائق البشر في قوله:
ومن يجعل المعروف في غير أهله *** يكن حمده ذمًا عليه ويندم
ثم نجد قاعدة في الذود عن الحياض، أو الدفاع عن الشرف لا تزال قاعدة حتى اليوم، يقول:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه *** يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن المعلقة قوله:
ومن يغترب يحسب عدوًا صديقه *** ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
ومنها:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده *** فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

قصيدة كعب بن زهير في مدح النبي
وبعد، فزهير بن أبي سلمى، وهو من أرومة الشعر العريقة، قد أنجب كما سبق أن ذكرنا أبناء شعراء وأحفادًا شعراء، وأبناء أحفاد شعراء، لكن أبرزهم من أبنائه كعب، الذي تقدم إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه معتذرًا بقصيدته المشهورة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم أثرها لم يفد مكبول
وما سعاد، غداة البين إذ رحلوا *** إلا أغن، غضيض الطرف مكحول
ويقول فيها:
نُبِّئتُ أن رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمول
مهلًا.. هداك الذي أعطاك *** نافلة القرآن فيه مواعظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم *** أذنب، وإن كثرت في الأقاويل
إلى أن يقول:
ما زلت أقتطع البيداء، مدرعًا *** جنح الظلام وثوب الليل مسبول
حتى وضعت يميني لا أنازعها *** في كف ذي نقمات قيلة القيل
لذاك أهيب عندي إذ أكلمه *** وقيل: (إنك منسوب.. ومسلول)
إلى أن يقول:
إن الرسول لسيف يستضاء به *** مهند من سيوف الله مسلول
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.