زهور الياسمين

أحببت زهور الياسمين. لكن في كل مرة أشم رائحتها، كانت تغمرني موجة من الحزن والألم، وأعادتني ذكرياتي إلى سنوات عديدة، كانت قد تلاشت عندما كنا نعيش في حدائق القبة.

 

كان منزلنا ومنزل جيراننا محاطين بحديقة كبيرة. اعتدت أن أقضي سحابة من يومي في العمل وأعود في المساء متعبًا، لذلك كنت أرقد على السرير وأقرأ الصحف، ثم أستيقظ، وأتناول عشاءًا خفيفًا، وأقرأ وأكتب حتى وقت متأخر من الليل.

 

أحيانًا عندما كنت أتمنى أن أقرأ ... كنت أفتح نافذة غرفة نومي التي تطل على الجزء الخلفي من منزل الجيران، وأتلقى رائحة منعشة من القليل من الياسمين الزاحف على جدار منزلهم. منزل ... لم أكن أعرف المزيد عن هؤلاء الجيران أنهم عائلة صغيرة ورجل وزوجته وطفل يبلغ من العمر حوالي خمس سنوات. عمرها، ولا أتذكر رؤية المرأة أكثر من مرة أو مرتين ... أتذكر أنها كانت في أوج حياتها ... نحيفة ... مع الوجه الذي كانت عيونه مرتاحة ... وكان الزوج يعود إلى المنزل متأخرا ... لذلك بقيت الزوجة مع طفلها حتى لو نام كانت ستبقى مستيقظة حتى يعود الزوج.

 

ذات مساء بينما كنت أقرأ، سمعت الطفل يبكي بشدة ويدعو والدته، ولم أهتم به في البداية، لكن البكاء لم يتوقف، ولم أفعل. ولم أسمع صرخة في حياتي تدمر كبد الطفل الباكي في ذلك اليوم.

 

فتحت النافذة واتصلت بالطفل وسألته عما يبكي ... فأجابني باكيًا "أمي" فقلت له: "إنها ماله. هل ضربتك؟ " قال: "لا، لقد ماتت!" لذلك أنا وأخي وأختي الذين كانوا يقيمون معي في ذلك الوقت سارعنا وذهبنا إلى مكانهم ... وهناك، في ذلك المنزل، رأيت مشهدًا لن أنساه أبدًا ... امرأة متوفاة جميلة ... مستلقية على أرضية غرفة النوم ... بابتسامة شاحبة على فمها ... كاد الطفل يراني حتى ألقى بنفسه علي كما هو كانت تبكي .. ماتت هذه المرأة فجأة من سكتة قلبية بمجرد أن ضربت طفلها الصغير .. وكان هو فقط في المنزل.

 

ذهبت لأتصل بالزوج من المقهى الذي كان يجلس فيه، وتفاجأت عندما وجدته يتلقى الأخبار بهدوء غريب، فأسرعت إلى المنزل وقد اتخذت الإجراءات اللازمة في مثل هذه الحالات ...

 

بعد أيام قليلة من هذا الحادث، بينما كنت أسير في أحد شوارع مكة المكرمة المزدحمة، صدمتني سيارة تسير بسرعة جنونية، وشعرت فقط أثناء وجودي في المستشفى بين يدي الطبيب واتضح أن العمود الفقري أصيب بجروح واستغرق الأمر حوالي ثلاثة أشهر حتى أنسى علاجي. .. وعدم ارتياحي هو ما حدث لي عندما أفكر في شيء آخر ... مرت الأشهر الثلاثة ببطء وبثقل، وغادرت المستشفى في النهاية ضعيفًا ومريضًا من أثر هذه الصدمة التي كادت تقتل ضحيتها.

 

عندما وصلت إلى المنزل، كان أول شيء فعلته هو الإسراع إلى نافذة غرفة نومي، وفتحها لتلقي رائحة الياسمين، وجاءت إليّ لألقي نظرة من نافذة غرفة الجيران.

 

وجدت امرأة لم أرها من قبل أن أحدق بها من نافذة غرفة نوم الطفل. سألت أختي عن هذه المرة وهل هي مقيمة جديدة حلت محل الأسرة الأولى التي عاشت في هذا المنزل. أخبرتني أختي أن الأسرة بقيت على حالها ولم تغادر المنزل وأنها زوجة جديدة لهذا الرجل الذي فقد زوجته منذ ثلاثة أشهر. لذلك حزنت عندما سمعت عن ذلك .. وبقيت لفترة طويلة، تجنبت فتح النافذة المطلة على منزلهم، حتى لا أسهب في ذكرى وفاة الزوجة الأولى.

 

علمت لاحقًا أن هذه الزوجة الجديدة كانت تقسو على الطفل المسكين وترهقه لأبسط الأسباب بعقوبات تتجاوز عمرها، لذلك غالبًا ما كانت تحبسه في غرفة النوم وتغادر المنزل، وأحيانًا تتجاهل إغلاق نافذة غرفة نومها أثناء نومه في أقسى ليالي الشتاء.

 

ذات يوم عدت إلى المنزل مبكرًا من العمل وفتحت النافذة ورأيت النافذة في غرفة الطفل مفتوحة ورأيت الياسمين ينتشر حتى كاد يصل إلى النافذة، وبعد فترة قصيرة رأيت الطفل يأتي إلى النافذة وانتظرت حتى لم يرني واستمر في مشاهدته سرًا ... رأى على وجهه علامة واضحة للبكاء، ثم وجدته يتسلق على كرسي، نظر من النافذة، ثم وضع رأسه بين يديه وصرخ بحرارة لدرجة أن الدموع تنهمر من عينيه.

 

لهذا رأيت مشهدًا رائعًا لم أنساه طوال حياتي، ولا أعرف تفسيراً .. رأيت قطرة من دموعه تسقط على الياسمين، ثم رأيت الشجرة ترتفع كأنها تبكي .. رأيت الياسمين تتساقط منها والدموع تسيل .. هل اهتزت الشجرة من تلقاء نفسها؟ أم أنها هزتها ريح قوية في ذلك الوقت؟ لا أعرف ..!

 

يبدو أن هذا المشهد لفت انتباه الطفل كما لفت انتباهي، فقد رأيته يتوقف عن البكاء ... وبصره ثابت على الشجرة مذهولاً ... ومنذ ذلك الحين بين الطفل والياسمين، نشأت ألفة واتصال روحي تقريبًا! في كل مرة كان يخاف من الياسمين وكأنه يبث شكواه. لذلك، بمجرد عودتي من خارج المنزل، وجدت الطفل جالسًا على مستوى الحديقة مع جذع الياسمين، ولف يديه حول الجذع. وأعطاها رأسه واستسلم لنوم عميق .. فذهبت إليه وأيقظته ورأيت في عينيه آثار دموع، ثم حاولت إقناعه بأن اذهب إلى المنزل لأن الشمس قوية والحرارة لا تطاق، ولم يقتنع، وجلس بجوار جذع الشجرة .. كان مشهد الشجرة في ذلك اليوم غريب يدل على معاني اللطف لهذا الطفل .. لكن كيف بدا لي؟ لا أعلم، لكنني شعرت بذلك بقوة.

 

مرت الأيام والأشهر وكان هذا الارتباط الغريب ممكناً بين الطفل والياسمين الصغير، فكلما مرض الطفل كانت أزهار الياسمين تذبل وتتساقط، ويحمل منظر الشجرة معنى. من الحزن العميق الذي يشعر به كل من ينظر إليه دون معرفة السبب.

 

وإذا تحسنت صحة الطفل، فستزهر الشجرة وتزدهر ... حتى أعلم الآن بدوني حالة الطفل التي ينظر إلى الياسمين. إذا كانت متفتحة ومزدهرة فهي في حالة جيدة، وإذا كانت باهتة فهي في حالة سيئة.

 

ذات صباح نظرت، وإذا كانت الشجرة ذبلت وأزهارها منحنية ومنكمشة، فأنا قلقة على صحة الطفل ... سألت عنه وعرفت أنه مريض ... ذهبت إلى منزله وكان في الفراش وكانت درجة حرارته مرتفعة وأخذ هدية ... وعندما رآني نظر إلي باكياً ثم أغمض عينيه ونام.

 

في اليوم التالي نظرت إلى الشجرة ورأيت أنها لا تزال ذابلة، لكنها ذابلة أكثر من الأمس وهكذا، استمرت الشجرة في الذبول يومًا بعد يوم، وبالمثل كانت صحة الطفل تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

 

وأصبح من عادتي أن استيقظ مبكرا وأسرع إلى النافذة، افتحها لأرى الياسمين ... ولكن ذلك اليوم استيقظت باكرا وفتحت نظرت إلى النافذة، ولم أجد أثرًا لأزهار الياسمين، لكنني لم أجد أثرًا للياسمين نفسها، لأن الشجرة تركت الجدار التي كانت تصعد. وصارت كومة ذابلة ملتوية على نفسها وملقاة على جذع جاف!

 

شعرت بالحزن عندما رأيت هذا المشهد وأرسلت أحدهم ليطمئنني على صحة الطفل، فأخبرني أن الطفل توفي في منتصف الثالثة صباحا .. لذا شعرت بأن هناك كسر في قلبي.

 

منذ ذلك الحين لم أفتح نافذة غرفة نومي التي تطل على منزلهم، حيث كنت أتخيل رائحة الحزن والأسى المنبعثة من حطام الياسمين، وظهرت لي هذه الحطام مثل مقبرة وحيدة.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jan 22, 2021 - حفصة ميرال
Jan 21, 2021 - مي جمال "الدُمية"
Jan 21, 2021 - نوال الحداد
Jan 19, 2021 - كريستين كمال