بعد أن أنهت تعليمها الجامعي بتفوق، وحصَّلت وظيفة مرموقة في إحدى المؤسسات الحكومية، كانت مشكلة زهرة الوحيدة هي في الحي الشعبي الفقير الذي تعيش فيه، كانت دائمًا تشعر بالخجل، وتستحي أن تدعو زميلاتها إلى زيارتها في بيتها حتى لا يروا المكان الذي تعيش فيه، الباعة والورش تحتل الشارع، ولا تترك إلا ممرًا ضيقًا للمارة، أضف إلى ذلك صوت الأغاني الشعبية وأصوات الطرق على الحديد ورائحة الدهانات، وكثيرًا ما كانت زهرة تطلب من والدها السيد مراد الانتقال للعيش في مكان آخر، لكن الظروف المادية لم تكن تسمح بذلك، فقد كان موظفًا صغيرًا مرتبه بالكاد يكفي نفقات المعيشة.
هذه الشقة في الحي الشعبي القديم استأجرها عند زواجه من أم زهرة السيدة زينب في الخمسينيات، كان الحي حينها يسكنه أفاضل الناس، كان هادئًا وراقيًا، لكن مع مرور السنوات وظهور مناطق سكنية جديدة وحديثة رحل معظم سكانه ممن حالفهم الحظ، وتوافرت لديهم الأموال ليشتروا شققًا في المناطق الجديدة، وحل مكانهم سكان آخرون، غالبيتهم من العمال والباعة والحرفيين؛ لذا تطرقت يد الإهمال وعدم الصيانة للشوارع والمباني، وتحول الحي إلى سوق كبير، باعة جائلين وورش إصلاح ودهان السيارات ومطاعم شعبية ومقاهٍ.
عانت زهرة منذ أن بدأت تكبر وتصبح فتاة جميلة ممشوقة القوام من المضايقات والمعاكسات كلها من المتطفلين والعاطلين الذين يجلسون على المقهى القريب من بيتها، ارتدت ملابس فضفاضة، وغطت رأسها بـ (إيشارب)، وتوقفت عن استخدام مساحيق الزينة والعطور، لكنها لم تسلم من المضايقات.
كانت مثل الفتيات كلها تتوق إلى الحب والزواج، تنتظر قدوم توأم روحها الذي كانت ترسم ملامحه في خيالها كل ليلة تجلس فيها وحيدة في غرفتها، أسهم تعليمها وثقافتها في تطلعها إلى حياة أفضل، كانت تنتظر الشخص المناسب لتحقق أحلامها معه في الحياة في حي راقٍ وجميل، تسعد بالحياة فيه بعيدًا عن الغوغاء والضجيج.
تقدم لها ذات مرة زميل لها في العمل، كان وسيمًا من عائلة كبيرة ميسورة، لكنها أحست بالفرق الكبير بينها وبينه، بين الحي الذي يعيش فيه وبين الحي الذي تعيش فيه، فضلت عدم إحراج نفسها أمامه وأمام عائلته، ورفضته من البداية، فقد كانت ترى أن التكافؤ شرط مهم للزواج.
مرت سنوات وهي تنتظر شخصًا مناسبًا لها متوسط الحال، ليس غنيًا غنًى فاحشًا، وليس فقيرًا، متعلمًا ومثقفًا يفهمها وتفهمه، ليس جاهلًا أو غير متعلم، بلغت الأربعين من عمرها، أخيرًا قرر أبوها السيد مراد أن يؤجر شقة في منطقة أخرى أفضل، ينتقل هو وزوجته وابنته إليها لعل هذا يساعد في زواج ابنته، قال لزوجته السيدة زينب:
- الناس يأخذون بالمظاهر، وكما ترين المنطقة هنا لا تشجع الخُطًاب.
بالفعل انتقلت الأسرة إلى شقة مؤجرة في حي راقٍ قريب من الحي الذي يعيشون فيه، على الرغْم من المعاناة التي تكبدها والدها ووالدتها، والوحدة التي أحسّا بها في السكن المؤقت الجديد الذي لا يعرفون فيه أحد، وعلى الرغم من سعادة زهرة بالتخلص من الضوضاء والتلوث السمعي والبصري في الحي القديم، لم يتغير شيء في الحقيقة، ولم يأت الخُطًاب، فقد مرت السنوات، وبلغت زهرة الخامسة والأربعين من عمرها، بدأ جمالها يذبل شيئًا فشيئًا، لم يعد أحد يذكرها بالزواج، بل راحوا يتمنون لها الصحة، ويدعون لها بالحج والعمرة بدلًا من الزواج.
أخيرًا تقدم لها رجل من الجيران في الحي الجديد، كان في عمر أبيها تقريبًا، توفيت زوجه، يعيش وحيدًا بعد زواج أبنائه، في الغالب كان يريد فتاة تخدمه وتؤنس وحدته.
فكر والداها في الأمر، لكن زهرة رفضت بشدة، وأخبرتهم أنها لن تتزوج لمجرد الزواج، وأنها لن تتخلى عن أحلامها في الزواج مهما كانت الظروف.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.