زرعوني في ترابٍ لا أريدهُ
وسَقوني من وجيفٍ ما أُريدهُ
شدُّوا جذوري للفراغِ كأنني
حلمٌ أُرِيد له الدمارُ وليدهُ
قالوا: «اصمتي فالحُبُّ يأتي صابرًا»
لكنَّ صمتي في الجراحِ وقيدهُ
أنمو على ألمٍ وأخنقُ زهرتي
وأقول: لستُ أنا ولكن عهدهُ
ألوان روحي لا تليقُ بظلهم
والنور فيهم من غيابي فقدهُ
أبكي بصمتٍ كي أظلَّ مزينةً
في عين من نَسجوا الجمالَ ببعدهُ
أرضٌ غريبةُ والسماءُ كئيبةٌ
والنبضُ مكتومٌ ولا من نجدهُ
لكنني رغم الظلام كبستان
أُزهِرُ صبرًا كلَّما ماتَ وعدهُ
ما عاد في قلبي اتساعٌ للرجا
والحلمُ ضاعَ وما تبقَّى بدَّدهُ
صوتي خفيضٌ في الزحام كأنني
أحيا ولكن من يرى ما أجُدُّهُ؟
كم مرةً قلتُ: انطفأتُ فأوقدوا
قنديلًا من وهمٍ وعادوا لجحدهُ
يرجون مني أن أكون كما اشتهوا
لكنني لستُ الترابَ بوردهُ
أرضي سماءٌ حرةٌ وأنا بها
ريحٌ تعاندُ كلَّ قيدٍ تحدُّهُ
جبلُ السكوتِ بصدريَ انفجرَ أسى
والموجُ عادَ يثورُ رغم سدودهُ
يا ربُّ هذا الكفُّ ما اعتاد الأذى
فامنحْه صبرًا لا يُماثل جَهدَهُ
أنا زهرةٌ من صخرِ حزنٍ نابتتْ
ما لانَ عودٌ لا انحنى في صَدهُ
لكنني أبكي وأضحكُ بعدها
كالماءِ في عينِ السرابِ وبرْدهُ
فإذا سكتُّ فليس ضعفًا إنما
أنِّي تعبتُ وكلُّ صبري نفدهُ
ضجَّت عروقي بالنداءِ فهل ترى
من في المدى يسمع صدًى ويُعِدُّهُ؟
لا شيء يشبهني هنا كلُّ الدُّمى
تحيا بقالبها وتخشى فردهُ
وأنا التي إنْ ضمَّني إطارُهم
أكسرْتُهُ لو أنَّ قلبي شدَّهُ
هل أستقيمُ على اعوجاج حقيقتي؟
أم أنحني كي لا يُقال: تمرُّدهُ؟
يسري السؤالُ بضلوعي جمرةً
ماذا جنَيتُ؟ ومن الذي قد كبَّدهُ؟
هل كان ذنبي أنَّني من طينَةٍ
تأبى القيودَ وترفض تقييدهُ؟
أحيا بشكلي.. لا كما هم رسموا
والضوء في عينيَّ يعرف حدَّهُ
يمشون فوق مشاعري إن مرُّوا
وأُلامُ إن نفضَ الترابَ جلدهُ
كلُّ القصائدِ لم تعد تُسعف دمي
والصمتُ صارَ بداخلي أنشودهُ
جفَّ الكلامُ على فمي وتكسَّرت
في داخلي كلُّ الحروفِ وأشدُّهُ
قلبي يُمزِّقني بحربٍ خاسرة
بين الخضوعِ لظلمهم ومردُّهُ
أسكنْتني ظلَّ الهدوء وخلفه
إعصارُ رفضٍ لا يلينُ بمدِّهُ
أنظرُ لوجهي في المرايا خائفًا
منِّي ومن صمتي وممن جدُّهُ؟
ما عاد يألفني المكان والهوى
يمضي كسيفٍ صامتٍ في وحدهُ
هل من خريفٍ جاء قبل أوانهِ؟
أم أنني صرتُ الفصولَ بصدهُ؟
يومًا سأصرخُ لا لشيءٍ إنَّما
كي لا أموتَ على السكوتِ وسُهدهُ
لكنني... ما زلتُ أنسج صبريَ
وأضمُّ جرحي لا أُفسِد وعدهُ
ماذا تبقَّى من يديَّ سوى الوَهَن؟
ضاعت قوايَ وكلُّ دربٍ صدُّهُ
صوتي يذوبُ كشمعةٍ في حجرةٍ
لا بابَ فيها لا ضياءَ بحدِّهُ
خطوي ثقيلٌ والسنين على المدى
كالحِملِ فوقَ الروحِ تبني سُدَّهُ
عينايَ لا تبكي ولكن خلفها
نهرٌ من القهرِ المريرِ وسدُّهُ
حتى التنهُّدُ بات يؤذيني إذا
عاد الصدى مثقوبَ قلبٍ يردُّهُ
لم أعد أرجو انعتاقَ مشاعري
كلُّ الرجاءِ تكسَّرَتْ أسبُدهُ
أستلقي في الأيامَ دون حكايةٍ
كالميتِ الحيِّ الذي لم يُفقدهُ
لو أنني حجرٌ لربَّما ارتحتُ من
هذا التناقضِ والهوى ومُبْدِهُ
لكنني إنسانُ صبرٍ خاسرٍ
يبكي ويخفي دمعَه في خدِّهُ
في الحلمِ جئتُ ولستُ أدري من أنا
جفَّ الزمانُ وساحَ ظلٌّ في غدهُ
أمشي كأني فكرةٌ منسيةٌ
ما بين دفتَي السكونِ وسهدهُ
لا وجهَ لي لا صوتَ لا أثرَ انمحى
حتى الجدارُ تنكَّرَتْ فيه يدهُ
مرَّتْ بقلبي غيمةٌ فتناسلتْ
ألفُ المدى في خاطري... ثم ابْتدهُ
كلُّ الذينَ أحبُّهم كانوا سرابًا
والضحكُ الباقي بقلبي نَبدهُ
أصرخْتُ؟ لا... بل كان همسي ليلَتي
وجعي يُناديني ولا من يَفْقدهُ
حتى الظلالُ بكتْ على أطيافنا
كأنَّ شيئًا في الفراغِ يُخلدهُ
أنظرْ إلى الجسدِ المقيَّدِ ساكنًا
وكأنَّه قبرٌ.. ولكن يَشهدهُ
أحيا، كأني لا أُريدُ من الحياةِ
سوى انتهاءٍ ناعمٍ في بردِهُ
قد كان في قلبي صدىً لا ينتهي
واليومَ نامَ كأنَّه قد أجهدهُ
أغلقتُ بابي عن ضجيجِ تمنٍّ
وتوضَّأتُ بصمتي كي أودِّدهُ
ما عدتُ أسألُ عن شروقٍ قادمٍ
فالليلُ أجملُ إن غفوتُ بسرمدهُ
أنا زهرةٌ.. صبري رمادٌ حولها
لكنَّها لم تنحنِ في موقدهُ
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.