زها حديد المعمارية الثائرة التي أبدعت في الهندسة

في عالمٍ لطالما هيمنت عليه العقول الذكورية، خرجت امرأة عربية بمخيلة فريدة لتعيد تعريف مفاهيم الفضاء، والانسيابية، والابتكار، إنها زها حديد، المهندسة المعمارية العراقية البريطانية، التي لم تكن مجرّد مصمّمة مبانٍ، بل كانت فنانة ترسم المدينة على هيئة حلم، ثم تُجسّده بالخرسانة والزجاج.

من بغداد إلى لندن.. نشأة عبقرية معمارية

وُلدت زها في بغداد عام 1950، في بيئةٍ تنبض بالحضارة والحداثة، ونشأت في كنف أسرة مثقفة، فوالدها محمد حديد كان وزيرًا للمالية في العراق ورجلًا ذا طموحات كبيرة، ما هيأ لها تربية تجمع بين الفكر والانفتاح على العالم، ومنذ نعومة أظفارها، أبدت زها شغفًا بالرياضيات والهندسة، وكان يُقال إنها ترى الأشكال كما لو كانت كائنات حية تتحرّك أمامها، ما يفصح عن نوع نادر من الإدراك البصري يُعرف بـ«التفكير المكاني الديناميكي»، وهو مهارة عقلية يتمتع بها قلة من المبدعين، حسب دراسة نُشرت في موقع ScienceDirect.

وُلدت زها حديد في بغداد عام 1950 في بيئةٍ تنبض بالحضارة والحداثة ونشأت في كنف أسرة مثقفة

 سافرت إلى بيروت لدراسة الرياضيات في الجامعة الأمريكية، وهناك بدأت تتبلور فكرة الجمع بين العلم والفن، وفي السبعينيات، انتقلت إلى لندن لتدرس الهندسة المعمارية في «الجمعية المعمارية» (Architectural Association School of Architecture)، وهناك ظهرت بوضوح بصمتها الفريدة، فقد كانت تسير دائمًا عكس التيار، ترفض القواعد الجامدة، وتبحث عن طرق لتشكيل الفضاء بأسلوبٍ جريء ومتحرر من القيود.

 بدايات صعبة ورؤية تفكيكية

في بداياتها، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، عانت زها من التهميش والرفض، ليس فقط بسبب جنسها، بل أيضًا بسبب أصلها العربي، لكنها لم تتراجع، واصلت الرسم والتخطيط، وأطلقت مشروعها الأول الذي جذب الأنظار: مركز «فاير ستيشن» في ألمانيا عام 1993، وهو مبنى يعبِّر عن التوتر والانسياب في آن، ويُعدُّ بداية تحول المدرسة التفكيكية من الفكرة إلى التطبيق، كما ورد في تحليل معماري نشره ArchDaily، ومن هناك، انطلقت لتبني تحفًا معمارية تُدرَّس اليوم في الجامعات وتُبهر الزوَّار في مختلف أنحاء العالم.

أطلقت زها حديد مشروعها الأول الذي جذب الأنظار وهو مركز «فاير ستيشن» في ألمانيا عام 1993

ملكة المنحنيات.. فلسفة زها حديد في التصميم

زها لم تكن تبني مباني فحسب، بل كانت تصوغ رؤىً مستقبلية تتحدى قوانين الجاذبية والمنطق، خذ على سبيل المثال مركز حيدر علييف في أذربيجان، أو دار الأوبرا في غوانغزو، أو جسر الشيخ زايد في أبوظبي. كانت تستخدم الخطوط المنحنية لتخلق شعورًا بالحركة حتى في أكثر المواد صلابة، تقول زها: «هناك 360 درجة، فلماذا نلتزم بدرجة واحدة؟».

جوائز عالمية وتكريم غير مسبوق لزها حديد

نالت خلال حياتها عددًا كبيرًا من الجوائز العالمية، كان أبرزها جائزة بريتزكر للهندسة المعمارية عام 2004 التي تُعادل جائزة نوبل في مجال العمارة، وكانت أول امرأة تنال هذه الجائزة، وهو ما عُدّ إنجازًا كبيرًا للنساء في هذا المجال، والميدالية الذهبية الملكية للعمارة (Royal Gold Medal) عام 2016، كونها أول امرأة تنالها بمفردها في تاريخ الجائزة.

 كيف غيرت زها حديد وجه العمارة؟

وعلى الرغم من شهرتها العالمية، بقيت زها مرتبطة بجذورها، وتحدثت كثيرًا عن حبها لبغداد، وتأثير الطفولة فيها على خيالها التصميمي، فكانت ترى في النهر والأزقة والمنحنيات الشرقية مصدر إلهام دائمًا، وهو ما أثر في طابع أعمالها المفعمة بالحيوية والانسيابية.

كانت زها تستخدم الخطوط المنحنية لتخلق شعورًا بالحركة حتى في أكثر المواد صلابة

رحيل زها حديد

رحلت زها حديد عن العالم في عام 2016 فجأة إثر نوبة قلبية، تاركة وراءها إرثًا لا يُقدّر بثمن، وأثرًا خالدًا في وجدان كل من حلم بمدينة أكثر إنسانية وابتكارًا، هي لم تكن مجرد مهندسة، بل كانت ثورة في الفكر المعماري، وامرأة عربية غيَّرت نمط العمارة في العالم دون أن تغيِّر هويتها.

في الختام، لم يكن إرث زها حديد مجموعة من المباني المذهلة، بل هو شهادة على قوة الخيال وقدرة الفرد على تغيير منظومة بِرُمَّتها. لقد أثبتت أن العمارة ليست وظيفة، بل هي لغة عالمية يمكنها التعبير عن الحركة والعاطفة والمستقبل. ستبقى زها حديد مصدر إلهام ليس فقط للمهندسين المعماريين، بل لكل من يجرؤ على الحلم وتحدي المستحيل، مذكرةً العالم بأن المبدع الحقيقي هو من يرى الـ 360 درجة المتاحة أمامه، لا زاوية واحدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.