زمن الكورونا و الدّرس الكبير

يُختزل الدرس في مفهومه التعليمي-التعلّمي في مثلث أقطابه الرئيسية: المدرّس والمتعلّم والمعرفة موضوع الدرس، له موضوع محدد بصفة مسبقة وهدف مخطط له، وتوقيت معلوم. ومع انتشار فيروس" كوفيد-19" في كامل أنحاء الكون تغيّرت كل مناحي الحياة وأصبحت الإنسانية في حصّة أكبر درس في العالم يختزل في ثنائية قطباها الإنسان من جهة والفيروس الخفي من جهة أخرى.

 

هذا الدرس وضعيته المشكل هي: كيف يمكن للإنسان الفرد أن يضمن البقاء في ظلّ انتشار" كوفيد-19" من ناحية مع استمرار توفير حاجياته الأساسية وما تستوجبه من تفاعل مع الفضاء الاجتماعي من ناحية أخرى؟

 

أمام هذا الوضع، تعهد الفرد مكتسباته السابقة التي مكنته منها الحداثة في كلّ المستويات. وأعاد ترتيب أولوياته واستحضر مقولة" ابن خلدون ": اخشوشنوا فإنّ الحضارة لن تدوم". كما استحضر مقولة" هوبز": الإنسان عدولأخيه الإنسان". فترتبت عنها سلوكات تدفع نحوهدم العلاقات الإنسانية في بعدها التواصلي المباشر في خطّة وقائية من أجل ضمان السلامة للجميع. وأصبح أمام اختياريْن: إمّا الانقطاع عن الآخر أوالفناء الجماعي؟

 

بعد ذالك ابتدع الأفراد، حلولا وبنوْا استنتاجات من خلال هذا الدرس الكبير أهمها:

 

- الالتزام بالحجر الصحّي هوالحلّ للسيطرة على انتشار هذا المرض الداّهم.

 

- تنقص العدوى كلما قلَّل الأفراد من تنقلاتهم.

 

- تكثيف التحاليل الطبية هوالضامن للتعرّف تدريجيّا على العدد المجهول للإصابات. وكلما ارتفع عدد الإصابات كلما نقترب إلى تعرّف العدد الحقيقي لحاملي الفيروس.

 

أثناء المرور إلى مرحلة التطبيقات وجد النّاس صعوبات حقيقيّة في اكتساب حاصل تعلّمهم المستجد انعكس ذالك على طريقة تزوّدهم بالمواد الغذائية أمام تزايد عدد المحتكرين. وتزايد القلق النفسي بسبب عدم التزام البعض بالحجر الصحي العام. كما عجزوا عن إيجاد بدائل تمكنهم من التخفيف من وطأة العزلة المفروضة عليهم وشيئا فشيئا بدأ الناس يتعوّدون على وضعهم الجديد وبدأ عددهم يتناقص من الفضاء العام كلما تزايد عدد المصابين بالمرض. وبدأ نقل أثر التعلّم يحصل للأفراد بسبب الجهد المبذول في تعلّم الدرس الكبير وبسبب إجراء مقارنات بدول أخرى وما تسببه التَّهَوُّرُ من ارتفاع في عدد الوفيات وهذا يعود إلى دور توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال في هذا الدرس العالمي.

 

وما يميّز هذا الدرس الكبير عن الدرس العادي هوتماثل طرق الإجابة عن السؤال الذي طرحته الكورونا على العالم رغم تعدد ثقافاته وتمايزها وتفاضل بعضها عن بعض من حيث التقدّم العلمي والتكنولوجي ومن حيث ضخامة الأموال التي تتمتع بها الدول العظمى. وفي نفس الوقت فُتِحَ المجال أمام ظهور مفاهيم لا علمية مما جعلها تطفوعلى سطح التمثلات وتترجم في السلوكات الغذائية للأفراد وإقبالهم على مواد استهلاكية قد تضمن لهم مناعة للتصدي إلى هذا المرض الكاسح مما تسبب في ارتفاع أسعار بعض تلك المواد في ظرف وجيز. وتميّز الدّرس بالشمولية في مستوى التوزيع الجغرافي مما مكّن كل النّاس من الاهتمام به والمشاركة فيه. كما علّم النّاس طُرُقًا جديدة في التعامل واحترام الصّف وكذالك احترام الآخر نتيجة الخوف منه وعليه في نفس الوقت. ومكّن النّاس من سلوكات في غاية الأهمية في علاقة بصحتهم وطرق الوقاية رغم ما بذلته المدرسة من جهود ولازالت في خصوص طرق الوقاية من العدوى . مما يؤكّد أنّ التجربة هي الضامن الوحيد للتعلّم وكلما كانت الوضعية المشكل أكثر واقعية كلما كان التعلّم أفضل.

 

يبقى التقييم في هذا الدرس مفتوحا على كلّ الاحتمالات ولا يمكن أن يكون آنيا بل يجب الانتظار ومحاولة التوسّل بعلم الإحصاء في محاولات استباقية للنتائج المفترضة. كما يبقى التوقيت المخصص لهذا الدرس مفتوحا في انتظار ما سنجنيه من نتائج والتي ستكون في مستوى التزامنا بالسلوكات الجديدة التي نتعلمها كلّ يوم.

 

صفوة القولمكّ، ننا الدرس الكبير في زمن الكورونا من حقيقة الوضعية المشكل التي نعتمدها في التعلّم الاصطناعي ومن حتميّةإعادة النظر في ما نكتسبه والتفكير في طرق جديدة في الحياة حتى نكون أكثر جاهزيّة لعالم ما بعد الكورونا الذي سيجعلنا نواجه مشاكل مستجدّة بسبب هذه الأزمة العابرة للقارات.

 

بقلم/د. نورالدين السعداوي

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

شكرا على الاهتمام و النشر

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب