زمننا هذا…!


توقفتُ منذ زمنٍ عن هوايتي المفضّلة، وهي أسمى أنواع التّعبير عن الذّات وعن النّفس والمجتمع والبشريّة.

اندثرت الكتابة في زمنٍ لجأ كلٌّ منّا إلى عالمه الافتراضي الذي يجد فيه كلّ ما يُرضي ذاته وغرائزه وشبقه للتطلّع إلى العالم المثالي الذي رسمه لنفسه التي لا يعرفها ولا يعرف ماذا تريد.

أتريد هذه النّفس العالم المثالي لتعيش فيه بمثاليّةٍ ويعامل فيه كلّ النّاس المعاملة ذاتها، ويعيشون المستوى ذاته، وتصبح الحياة روتينيّةً تؤدي إلى الملل من هذا المجتمع المثالي!

أم تريد مجتمعاً فوضويّاً يحمل بين طيّاته كلّ أنواع الاختلاف والتّدنّي والسّوء!

أم تريد مجتمعاً دينيّاً متكاملاً في وجود شيطانٍ يُغوي ويزيّن الفواحش، يرافقه الفقر والمرض ممّا يؤدي إلى اليأس والإحساس بالظّلم من كلّ ما يدور حوله.

ماذا تريد النّفس؟

هيأ العالم الافتراضي لنا من خلال الشّبكة العنكبوتيّة كلّ هذه العوالم التي نريد أن نعيشها في وقتٍ واحدٍ، نريد أن نعيش في مجتمعٍ مثاليٍّ فوضويٍّ ديني، وأصبح كلٌّ منّا يرى أنّه الشخص الوحيد في هذه العوالم الذي يعرف وغيره لا يعرف، هو الذي يرى دون النّاس، هو من يقرر ويختار ويحلّل وينقد كلّ النّاس من منظوره ومن خلال لوحة مفاتيح هاتفه، ونسينا أنّنا أيضاً بشرٌ معرّضين لكلّ أنواع النقد ومعرّضين للوقوع في الخطأ.

أصبحنا لا نتقبّل أيّ اختلافٍ ونتعامل بطبقيّةٍ وقبليّةٍ وقوميّةٍ، وأصبحنا نسيء إلى بعضنا البعض، ونسينا أنّنا نسيء إلى أنفسنا أم نسينا أنّنا بشر من الأساس وأنّنا كلّنا خلقنا اللّه.

تقطّعت الروابط الأسريّة وصِلات الرّحم وأصبح لكلّ إنسانٍ منطقٌ يعيش به، ولا يريد أن يوجّه إليه أحدٌ التّوجيه والنّصح، وأنّ ما يشاهده في عالمه وجد فيه كلّ ما يريد، وأنّ هذا هو الصواب، ولمَ لا؟ إذ أصبحت كلّ الشّعوب تتعامل بقوميّةٍ، وكلٌّ يُظهر حبّه لوطنه بالإساءة إلى الشّعوب والأوطان الأخرى، وأصبح كلُّ شعبٍ يرى نفسه شعب اللّه المختار الذي يعيش في المدينة الفاضلة، وممّا يزيد هذا أنّ الدّول نفسها أصبحت تتعامل بهذا المنطق وتريد أن تفرض قرارها وسياستها على الدول الأخرى على أساس اقتصادها القويّ وجيشها القويّ، وأصبحت تستبيح دماء الشّعوب والبشر، وابتعدوا عن غاية اللّه من الخلق وهي التّعارف لا القتال من أجل النّفوذ والمال والبترول أو إيجاد حقلٍ لتستعرض فيه كلّ دولةٍ أسلحتها الجديدة، وتقتل مئات الآلاف من البشر والأطفال الذين لم يدركوا أو يتسنّى لهم أن يختاروا حقّهم في الحياة.

قُتل من قُتل، وشُرّد من شُرّد واستعرض قوّته وأسلحته من يريد فرض نفوذه وقدرته فوق نفوذ مالك الأرض وقدرته وهو القادر القدير.

أغضبنا الجبّار بابتعادنا عن أسمى ما خلق وهي النّفس البشريّة، وأصبحت بالنسبة لشعوب الأرض وحكّامها أسهل ما يمكن هدره؛ أصبح إزهاق وقتل النًفس بغير حقٍّ ولا ذنبٍ أمراً سهلاً في قلوب البشر وليس الحكّام والجيوش وحدهم، أصبحنا نتعالى على النّفس التي خلقها اللّه بمالنا وحسبِنا وقَبليّتنا وقوميّتنا.

أغضبنا الجبّار بقتل النّفس الفقيرة بالتّظاهر والتّفاخر أمامها بمظاهر تفوق خيالها الذي يكمن في قليلٍ من الطّعام يسدّ جوعها، ولباسٍ يستر عورتها، ومكانٍ يأويها من برد شتاءٍ قارسٍ، كلٌّ على حسب درجته من الفقر في زمنٍ قُسّم فيه الغنى والفقر إلى درجاتٍ، والنّاس الذين خلقهم اللّه متساوون في كلّ شيءٍ، وميّزهم فقط بالتّقوى والعمل الصّالح الذي لا يوجد إلّا في قليلٍ من القلوب فقط.

كفرٌ، وقتلٌ، وتعالٍ، وتفاخرٌ، وظلمٌ، وقطع أرحام، وزنا، وسرقةٌ، وسبٌّ، ونميمةٌ، وقذف محصناتٍ، وكذبٌ، ونشر الرّذيلة في المجتمع، وتحرّرٌ فاجرٌ من كلّ معاني الإنسانيّة...إلخ

كلّ هذا لأنّنا ابتعدنا عن خالقنا وعن أسمى الرّسائل السّماويّة التي نزلت على نبيّنا محمّدٍ - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهي الدّين الإسلامي الذي نهى عن كلّ هذه المعاصي والذّنوب.

أهذا ما وصلنا إليه من عوالمنا الافتراضيّة، ونسينا واقعنا الذي خُلقنا من أجله، كان لابدّ من تدخّل الخالق بعد أن ترك الأمر بأيدينا فعُثنا في الأرض فساداً وظلماً وفجوراً، فأرسل اللّه لنا جنداً من جنوده التي لا نراها كائناً صغيراً لا يُرى بالعين، عجزت أمامه كلّ الاسلحة والجيوش والشّعوب والقوميّة وكلّ العوالم الافتراضيّة ليقول لنا: اعرفوا قدركم في دنيا لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة.

اعرفوا قدر الرّوح التي خلقها اللّه واعرفوا أنّه مازال يعاملكم برحمته وليس بعدله.

كلٌّ لزم بيته وخاف من الموت من فيروسٍ صغيرٍ، وتوقفت كلّ مظاهر التكنولوجيا التي تفاخرنا بها وبما وصلنا إليه فهي بائسةٌ وعاجزةٌ لإيجاد علاجٍ لهذا الفيروس المُرسل من السّماء ليعلّمنا من جديدٍ أنّ الأمر كلّه بيد اللّه.

منذ أن سمعت جملة "انتهت حلول الأرض والأمر متروكٌ للسّماء" وهي بداخلي تساورني طوال يومي؛ أين السّماء من جيوشكم وقنابلكم الذريّة، واكتشافاتكم الفضائيّة والعلميّة، والتكنولوجيا الحديثة، وأقماركم الصّناعيّة وكلّ ما وصلتم إليه من تقدّمٍ في كلّ المجالات أو ما أوهمتم به أنفسكم أنّكم قادرون على أيّ شيءٍ وأنّ أمر الأرض كلّها بأيديكم؟

الآن تذكّرتم السّماء، تذكّرتم أنّ الأمر كلّه بيد اللّه وأنّه القادر على كلّ شيء.

لا تقلقوا، سينزل اللّه الدّواء من السّماء لأنّ رحمته وسعت كلّ شيءٍ، وسِعت ظلمكم وتكبّركم وعصيانكم ونسيانكم؛ لأنّ اللّه الرّحمن الرّحيم مالك كلّ شيءٍ ومليكه.

ولكن ماذا بعد الكورونا؟

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Oct 20, 2021 - قمر دلول
Oct 20, 2021 - مجدولين شنابله
Oct 20, 2021 - ملاك الناطور
Oct 19, 2021 - سماح القاطري
Oct 17, 2021 - اسماء عمر
Oct 17, 2021 - عمر السرحان
نبذة عن الكاتب