زرياب أحد فناني العرب و الحديث عن أصل الموشح

في زرياب لدينا مثال حي يؤكد ما نتجه إليه، سمح له القدر بأن يصبح بسهولة تلميذًا لألمع شخصية موسيقية لملك راشد، ثم كرَّمه المصير نفسه فسمح له بمغادرة بغداد من أجل السلام. في الجنة العربية الجديدة (الأندلس) يوازن ويقارن ويتعلم ألوان الجمال المغربي ويُضيفها إلى ثقافته العربية ممزوجة بعبقرية فريدة.

اقرأ أيضاً تحديات الفنون التشكيلية في المدارس الإعدادية وطرق التغلب عليها

زرياب و الموسيقى 

لذلك، كدنا نعلن أن الموسيقى الأندلسية رغم كونها من بقايا حضارة العرب وإرثهم المحفوظ في الجزء الغربي من الوطن العربي فقد حملت معها عبر العصور خصائص ومزايا استمرت في طبعها وتعبيرها وألحانها ونظام تأليفها ذي الطابع الخاص الذي نتج عن عملية مزج الموسيقى الشرقية والمغربية مع الموسيقى الإسبانية القديمة، وهذا بطبيعة الحال يجعل كلاهما يؤثر ويتأثر بالآخر.

نقل زرياب كثيرًا من القوالب والأشكال إلى المغرب والأندلس لتحمل الخصائص الأصلية التي لا تزال آثارها واضحة حتى اليوم، وهذه هي الخصائص التي حافظت على الطابع العربي للموسيقى الأندلسية على الرغم من تأسيسها في شبه الجزيرة الأيبيرية لعدة قرون، ما جعلها دائمًا خاضعة للذوق العربي بتعدد التوجهات اللحنية والأسلوبية وسيادة التأويل الصوتي الغنائي والتأليف المرتجل.

كان لزرياب عمل بارز في تأثيره على الحضارة الأوروبية من خلال النهضة المدَنية والحضارية التي سادت الأندلس، فقد كان للعرب الفاتحين الأثر الأكبر في هذه الجزيرة من خلال إرساء قواعد الموسيقى والغناء وفنونهما. كما أرسلت أوروبا بعثات إلى الأندلس لاكتساب المعرفة والموسيقى والحضارة الراقية، لذلك نرى الملك جورج الثاني ملك إنجلترا يُرسل وفدًا من الفتيات النبيلات بقيادة الأميرة دوبانت -ابنة أخته- إلى خليفة الأندلس، وقال: أردنا أن يشهد أبناؤنا أمثلة على هذه الفضائل، حتى تكون بداية جيدة لتتبع خطواتكم لنشر نور المعرفة في بلادنا التي يُحيط بها الجهل من جميع الزوايا الأربع.

زرياب الذي اشتهر في الموسيقى والغناء، وكتب عنه علماء ورحالة لبلوغ عبقريته التي تفجرت في أرض الأندلس بعد أن درس أول دروسه في العزف على العود على يد أستاذه إبراهيم الموصلي المتوفى عام 235هـ/850م، ثم سرعان ما أنشأ مدرسته الخاصة وكان فريدًا في أسلوبه التعبيري. تجددت دراسته الثانية على يد أستاذه إسحاق الموصلي الذي قدَّمه إلى الخليفة هارون الرشيد فأُعجب به وبصوته وبمهارته في العزف، فأشرف على الأدب وعلى أنماط الغناء في هذه الجزيرة الساحرة.

اقرأ أيضاً مزامير القاهرة

أصل الموشح

عُرف الموشح فنًّا جديدًا ومبتكرًا في الأدب العربي، ونما في بيئة الأندلس التي بلغت قدرًا من الحرية وقدرًا من الرفاهية أكثر مما وصلت إليه دول الشرق العربي.
الموشح: نشأته في الغزل، ووصَف تجمعات الخمر والطبيعة الساحرة التي تُحيط بها وارتباطها بالغناء والاختطاف.

اختلف الكُتَّاب والمؤرخون حول مكان نشأة الموشح، فقال بعضهم إنه نشأ في الأندلس من أصل غير عربي، وقال آخرون إنه نشأ في الأندلس من أصل عربي، وقال آخرون إنه نشأ في الأندلس من أصل شرقي.وهنا يقول الباحث المتخصص في دراسة اللغات الرومانية وأحد العلماء الإسبان المشهورين الذي توفي عام 1912م البروفيسور مينينديز بيلنيو: "إن الموشح تأثر بالأغاني الشعبية الإسبانية القديمة".
وعن البحث عن كيفية وصول الموشح إلى العرب من الإسبان، قال: "جاءهم من خلال المستعربين والمولدين، والنصارى من بينهم الذين عاشوا مع الأندلسيين العرب".وتقول حنا فاخوري: "من أسباب اختراع هذا الفن اختلاط العرب بالأجانب في إسبانيا ومعرفتهم بأدبهم وأغانيهم الشعبية المحررة من القافية والوزن".
ويعتقد فريق آخر من المؤرخين القدماء أن الموشح عربي أندلسي، واتفقوا بالإجماع على أن أول من ابتكر الموشح هو مقدم بن معافي القبري، وهنا يقول ابن خلدون في مقدمته: "أما أهل الأندلس فلما كثر الشعر في بلادهم، وصقلت جوانبه وفنونه ووصلت الزخرفة إلى الغاية، طور المتأخرون فنًّا أطلقوا عليه الموشح وانضموا إليه بفروع وفروع"، ثم يقول: "مخترع هذا في جزيرة الأندلس كان مقدم بن معافي آل قبري، أحد شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، ومنه أخذ ابن عبد ربه مؤلف كتاب العقد الفريد".

قال ابن معصوم: إن أول من وضع الموشحات هم الأندلسيون، ومخترعه مقدم بن معافي القبري. وذكر الدكتور مصطفى الشكعة بعد إثبات اسم مقدم القبري أنه أول وشَّاح أندلسي بقوله: أما فن الموشحات فهو فن أندلسي أصيل ونقي، عاش في أجزاء من الأندلس ونشأ في منتدياته قريبًا، وسرعان ما أبهر كثيرًا من شعراء الشرق الإسلامي وكذلك الشعراء الأندلسيين معه، ومن أوائل من ألفوا الموشحات ابن زهر الحفيد الذي توفي عام 296هـ وهو أول من أسس هذا الفن بقوله:

أيها الساقي إليك المُشتكى

                    قد دعوناك وإن لم تسمعي

يتبع النهج نفسه الأساتذة كامل الكيلاني وأحمد حسن الزيات وطه حسين وأحمد أمين وعبد الوهاب عزام ومحمد عوني محمد وعبد المنعم خفاجة وإبراهيم أنيس، وغيرهم.ويُضخِّم كامل الكيلاني الفكرة بحماس لتوضيح هذا الرأي عندما ذهب إلى حقيقة أنه لو لم يخترع الأندلسيون هذا النوع المسمى الموشح لكان مَن اخترعه المشارقة.وإبراهيم الخال يشرح تأثير أبي نواس في صنع الموشح، مؤيدًا رأيه بمثال من شعر الشاعر:

سلاف دن كشمس دجن

                     كدمع جفن كخمر عدن

يشير الكندي في رسالته "أخبار من صناعة التأليف" إلى أنواع الألحان، فيذكر ستة أنواع من البناء اللحني ويعطينا مثالًا لكل منها، كيف يسير الخط اللحني عند التأليف؟ بناءً على أسماء النغمات في الحروف الأبجدية التي استخدمها لتدوين الموسيقى.ظهور مثل هذه الكلمة في خطاب الكندي يُضيف شيئًا جديدًا إلى ما هو معروف في تاريخ الموشح، فيطرح السؤال: هل الموشح من أصل عباسي أم أندلسي؟

اقرأ أيضاً الموسيقى والرقص في حياة الفولاني

مصطلح آخر للموشح

الموشح هو نوع لحن مؤلف بطريقة معروفة في العراق باسم (جديلة)، وهذا التعريف الجديد يقودنا إلى إعادة النظر في تاريخه وتعريفه الشائع في الأدب. وهي من بدع الأندلس في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري، ونسب اختراعه إلى مقدم بن معافي القبري أحد شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني (275 - 300هـ)، أو لابن عبد ربه مؤلف كتاب العقد الفريد، أو محمد بن حمود القبر الأعمى.

وهل اختراعه وتسميته الموشح صدفة مجردة دون معرفة ما يُسمى الموشح في العراق، أم أنه انتقل من العراق إلى الأندلس مع الموسيقار زرياب -وهو تلميذ من أهل الموصل هاجر إلى الأندلس ووصل إلى هناك في عام (206 هـ - 821 م) وأنشأ فيها مدرسة-؟
اختُرِع الموشح كما ذكرنا سابقًا، ويميل الرأي السائد لدى العلماء إلى عَدِّ مقدم بن معافي القبري (850 هـ - 912 م) أول مبتكر للموشح. يذكرون وجود محاولات قديمة للخروج عن نظام القصيدة والقافية، ومن تأثير غلبة الأغنية في طبقات المجتمع العربي أن الشعراء ابتعدوا عن البحور الطويلة والمعقدة وقبلوا القصيدة، وعدادات الضوء المناسبة للغناء.

وقد اخترعوا عدادات جديدة لم يكن لها أصل في الشعر القديم، مثل مقدمة الموجز والحاضر، ووجدَت محاولات عدة لبعض الشعراء الشرقيين في القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، وفيه انحرفوا عن العدادات الشعرية الموروثة ، كما فعل أبو العتاهية الذي كانت له أوزان لا تدخل في العروض، وقد وصفه ابن قتيبة بقوله: "كان لسرعته وسهولة الشعر عليه ربما قال شعرًا موزونًا يخرج به عن أعاريض الشعر وأوزان العرب، وعندما سُئل أبو العتاهية هل تعرف العروض؟ قال: أنا أكبر من العروض".

اقرأ أيضاً تأثير الموسيقى على الحيوانات

آراء حول أصل الموشح

وظهرت أنماط شعرية جديدة تتمسك بالأداء لكنها لا تلتزم بنظام القافية الواحدة داخلها. أما الآخرون فقالوا إن الموشح وُلد لأن الأندلسيين قلَّدوا نوعًا من الأغاني الشعبية الإسبانية. مصطفى عبد الكريم في كتابه فن التوحيد وبطرس البستاني في كتابه الكتاب العرب في الأندلس وعصر النهضة، كتب العرب والأجانب والشاميون والمغاربة عن الموشح الذي لم يكن لديه معرفة عميقة بمؤلفات الكندي الموسيقية لمحققه زكريا يوسف الذي أثبت أن أبا يوسف الكندي كان أول من ابتكر كلمة (موشح) بدلًا من جديلة المدى القديم، عندما قال: "إنها بداية لحن، ثم ينتقل من هذا إلى آخر، ثم ينتقل من هذه إلى الدورة الأولى، ثم ينتقل من هذا إلى آخر نهايته، ثم هكذا حتى يأتي بصيغة اللحن، ثم يُجمَع بين الانتقال من نهايته إلى بدايته.

ومن ثَم فإن الكندي هو أول وأقدم من صك الكلمة، وقد قدم له الموشح شرحًا تقنيًّا لكيفية غناء الموشح. ويعتقد الباحث أيضًا أن هذا الرأي يعتمد عما إذا كان زمن الكندي (185هـ - 801م) إلى (261هـ - 874م) أم زمن الشاعر مقدم بن معافي القبري الذي ينسبون إليه بدعة الموشح هو (226هـ - 840م) إلى (300هـ - 912م) وأن زرياب (174هـ - 789م) - (244 هـ - 857م) الذي كان تلميذًا لإسحاق الموصلي معاصر للكندي.

وقد نشأت بدعة الموشح من بعده، فكانت ولادته في عام (226هـ - 840م) وانتقل زرياب إلى الأندلس، المدرسة الموسيقية الغنائية في بغداد، التي من فنونها غناء الموشح.

من خلال مراجعتنا لبعض الآراء حول أصل الموشح نكتشف كثيرًا من الغموض الذي يصيب هذا النوع الشعري والغنائي من ناحية أصله ونشأته، وفي كل الآراء نجد أن هذا اللون هو من ابتكار العرب سواء أكانوا من الشرق أم الغرب، وهذا دليل قاطع على إحياء الكتاب والشعراء والمغنين لمواكبة العصر والاجتهاد في الفنون في جميع الأوقات وعبقريتهم.

لقد عمل زرياب عملًا مؤثرًا في ترسيخ الفن، من الموشح وفنون الغناء المختلفة التي وصلت إلى أوروبا في الوقت نفسه، والتي جاءت للاستفادة من عبقرية فنون العرب وآدابهم وموسيقى الأندلسي أبي الحسن علي بن نافع الملقب بزرياب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة