زرافة ابن رُشد

من المؤكد أن الكثيرين  اطلعوا على الحروب التي قامت بين القبائل العربية بسبب حيوان ما، سواء كان ناقة أو فرس أو حتى هر، فعلى ما يبدو، كان للحيوانات مقدرة كبيرة في تعكير الصفو بين الأصدقاء والأحباب والإخوة، وقضيتنا هذه المرة مع زرافة، كان لها في حياة الفيلسوف الشهير ابن رُشد أثر كبير.

ابن رُشد هو محمد بن رُشد، المولود في ريحانة الأندلس قرطبة عام 1126م، والمتوفى عام 1198م، وهو فيلسوف وفقيه، طبيب وقاض وفلكي، له كتاب شهير في الفقه المالكي، هو  كتاب (بداية المجتهد)، وكانت كتبه في الفلسفة، هي المرجع الأول عند الأوربيون، والمقرر الرئيسي في جامعاتهم، حتى مطلع القرن السادس عشر، فتأثر به كل الفلاسفة الأوربيون، حتى أن الفيلسوف الألماني الشهير كانت، افتتح رسالة الدكتوراه الخاصة به، بجملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، تبياناً لفضل ابن رُشد عليه، وعلى الفلسفة الأوربية. وكان له في دولة الموحدين مقام كبير، فكان أقرب الناس إلى حكامها، و كانت كتبه مثار اهتمام وقراءة حاكم الدولة نفسه، قبل أن ينقلب الأمر بسبب زرافة!.

تقول الرواية أن ابن رشد كان آخذاً في شرح كتاب (الحيوان)، فلما وصل إلى الزرافة، وذكر كيف تتولد وبأي أرض تنشأ، قال: (وقد رأيتها عند ملك البربر). قاصداً المنصور حاكم دولة الموحدين، فغضب الأخير من ذلك، وجفا على ابن رُشد، وقلب له ضهر المجن، وتحول حبه له و صداقته معه إلى عداء، لأنه استشعر أن ابن رشد يهزأ به، فوصفه بأنه ملك البربر، على عادة أكثر الناس، في شعورهم بأن بعض العرب يتنقصون من قيمة باقي الأجناس، فيقولون فلان البربري، أو المولى، أو الحبشي، أو غير ذلك مما نهى عنه الإسلام، لأنه باطل محض، فانقلب الحب لابن رُشد من خليفة الموحدين المنصور وأهل بيته، إلى حقد دفين، كون ابن رُشد وصفه بانه (ملك البربر)، وبالرغم من أن ابن رُشد قد اعتذر عن ذلك، وقال أن الخطأ خطأ الناسخ، وأنه كان يقصد أن يقول (ملك البرين)، وهما بر المغرب وبر الأندلس، اللذان كانا تحت حكم الموحدين، فإن ذلك لم يقنع المنصور، وسبق السيف العذل كما يقال.

وكانت هذه (الزرافة) من الأسباب التي قتلت الود بين الرجلين، وردمت الصفاء الذي كان بينهما، وحتى لما قرر المنصور رد الاعتبار لابن رشد، وبث الحرارة في علاقتهما من جديد، وأمر بإعادة دراسة كتبه وتعلمها، واستدعاه إلى مراكش، وفعلاً وصل ابن رُشد إلى هناك، ولقى كل ترحيب، لكنه بعد ذلك بوقت ليس بالطويل، مرض مرضاً شديداً إنتهى بموته.

وبالرغم من ان المصادر التاريخية، تستبعد أن تكون هذه الزرافة، ذلك الحيوان الظريف، هي السبب الوحيد لما يسمى (بمحنة ابن رُشد)، إلا أنها حتما كانت من ضمن  الأسباب التي صنعتها.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب