الزرادشتية: قصة المؤسس زرادشت وأسرار كتاب الأفيستا

تعد الزرادشتية، أو المزدية كما يطلق عليها أحيانًا، واحدةً من أكثر الديانات غموضًا وتأثيرًا في تاريخ الشرق القديم. فقبل قرونٍ طويلةٍ من دخول الإسلام إلى بلاد فارس، كانت تعاليم زرادشت هي المنارة التي وجهت حياة الإيرانيين، وصاغت مفهومهم عن الكون والصراع الأزلي بين الخير والشر.

في هذا المقال، نبحر في أعماق التاريخ لنكشف عن هوية المؤسس زرادشت، ونحلل نصوص كتاب الأفيستا، متتبعين رحلة هذه الديانة من مهدها في إيران إلى استقرارها في الهند، لنرسم صورةً واضحةً عن إرثٍ حضاريٍّ ما زال يثير الجدل والبحث حتى يومنا هذا.

من هو مؤسس الزرادشتية؟

مؤسس هذه الديانة هو زرادشت، ويُعرف في المصادر القديمة باسم «زاراثوسترا»، وهو مصلح ديني إيراني قديم، وتعني كلمة زرادشت في اللغة الفارسية القديمة «صاحب الجمال الذهبية».

وُلد في شمال أو شرق إيران، وتذكر الروايات أنه بدأ في تلقي الرؤى المزعومة في سن الثلاثين، حيث دعا إلى التخلي عن تعدد الآلهة وعبادة إلهٍ واحدٍ حكيم.

زرادشت

تاريخ ظهور الزرادشتية

هناك جدل تاريخي واسع حول زمن ظهورها، لكن أغلب الآراء تترواح بين فترتين:

  • الرأي التقليدي: يضع ظهوره في القرن السادس قبل الميلاد (نحو 600 ق.م).
  • الرأي الحديث: بناءً على لغة الأناشيد المقدسة، يرى باحثون أنها قد تعود إلى فترةٍ أقدم بكثير، ما بين 1200 و1500 قبل الميلاد.

ديانة زرادشت أو زراتوسترا هي الديانة التي كانت سائدة في إيران قبل أن يدخلها الإسلام. وتُسمَّى هذه الديانة باسم آخر، وهو «المزدية»، والكلمة مشتقة من اسم إله تلك الديانة، أي أهورا مزدا «Ahura Mazda» «ومعناه: السيد الحكيم». وفي الهند تُسمَّى «بالفارسية» نسبة إلى الفارسيين الذين نزحوا من إيران في القرن العاشر، إبان الفتح الإسلامي لهذه البلاد، واستوطنوا شماليَّ غربِ الهند.

وحافظ هؤلاء على ديانتهم حتى أيامنا، وبواسطتهم تمكَّن الباحثون والعلماء من كشف الأسس العقائدية والتاريخية لهذه الديانة. ومع ذلك، تبقى المعلومات التي توصل إليها الباحثون ناقصةً ومتضاربةً؛ وبالتالي فإنه من الصعب التوصل إلى تكوين صورة واضحة عن الزرادشتية.

قصة زرادشت: من اعتزال التأمل إلى الظهور والتأثير

تقول الأساطير والقصص الموروثة إن زرادشت وُلد في بيئةٍ يسودها السحر وتعدد الآلهة، وقد اعتزل الناس في سن الشباب للتأمل، وعند سن الثلاثين، تجلى له «وهو مانا» (العقل الصالح) وقاده إلى محضر الإله أهورامزدا. واجه زرادشت معارضةً شديدةً في بدايته من الكهنة المحليين، حتى هاجر إلى «بلخ» واعتنق الملك «فيشتاسبا» دينه، ومن هنا بدأت الديانة في الانتشار.

أما بالنسبة إلى شخصية زرادشت، فإن الروايات متضاربة ومختلفة من ناحية أصله وتاريخه، إلا أن الرواية الشائعة تُرجِع زرادشت إلى أصل ملكي، وتزعم أنه وُلد وعاش طفولته على نحوٍ عجائبي. وكان يتحدث مع الآلهة ويبشر بالديانة، وقد تعرَّض للاضطهاد وللتعذيب.

وبعد موته وُضعت جثته في قعر ساقية. ولسوف تُثمر بقاياه، على مر العصور، وتُخصب ثلاث عذارى تنجب كلٌّ منهن بطلًا سوف يحكم حقبة من حقبات التجدد الدوري، وبنهاية الحقبة الثالثة تحل القيامة، أي بعث الأجساد.

كتاب زرادشت (الأفيستا)

يُسمى الكتاب المقدس للزرادشتية الأفيستا، ويضم صلواتٍ، وطقوسًا، وتشريعاتٍ قانونيةً ودينيةً. أما الجزء الأهم والأقدم في الكتاب فهو الغاتا  «Les Gathas»، وهي عبارة عن 17 أنشودةً منسوبةً مباشرةً لزرادشت نفسه، وتتضمن جوهر فلسفته الدينية. وجزءٌ من هذه الكتابات يُعزى إلى زرادشت نفسه، والجزء الآخر إلى مصادر عدة وغير واضحة.

كتاب الأفيستا

وتوجد نصوص في كتابات «الغاثا» أُدخلت في مرحلة لاحقة على العقائد الأولية والأساسية، تشير إلى الثنائية الإلهية، أي إلى وجود إله للشر باسم «أنغرا مينيو» «Angra Mainyu»، ويعني «الروح الشريرة»، مقابل إله الخير «أهورا مزدا». ولسوف تتوطد هذه العقيدة المتعلقة بوجود الثنائية، ثنائية الخير والشر، وتسم الزرادشتية بسمة خاصة، وتصطدم بالعقيدة الإسلامية وبمحاربة هذه الأخيرة لها.

أما الكهنة الذين يضطلعون بـالشعائر والطقوس الدينية فيُدعون بـ«المجوس»، ولربما أتت تسميتهم هذه من قبل الكُتَّاب اليونانيين، ومن ثم البيزنطيين، وفيما بعد السوريين والعرب. وانتهت هذه التسمية لتشمل جميع الذين ينتمون إلى الديانة الزرادشتية.

المجوس والفتح الإسلامي: تحولات الديانة من إيران إلى الهند

ومع الفتح العربي وانتشار الإسلام في إيران، تراجعت الديانة الزرادشتية ولم تعد ديانة الدولة. ومن اللافت للنظر أنه في هذه الحقبة جرت صياغة العقائد الزرادشتية بصورة منهجية، ثم توقفت في القرن العاشر. وانتقل الاهتمام بصياغة العقائد والحفاظ عليها إلى الهند. ولم يعد الزرادشتيون في إيران إلا في أواسط القرن التاسع عشر، لينظموا حياتهم ويهتموا بأمورهم الدينية بصورةٍ ملموسة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.