ماذا لو نظرت إلى صورة غليون، ثم أخبرك أحدهم أن ما تراه ليس غليونًا؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى لعبة بصرية بسيطة، لكنه كان بالنسبة إلى رينيه ماغريت مدخلًا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة في الفن الحديث، وهي العلاقة بين الشيء وصورته، وبين الاسم وما يشير إليه، وبين ما تراه العين وما يعتقد العقل أنه حقيقة.
فالفنان البلجيكي الذي ارتبط اسمه بالسريالية لم يكن يبحث عن الغرابة لمجرد الغرابة، وإنما كان يأخذ الأشياء الأكثر اعتيادًا في حياتنا اليومية: القبعة، والتفاحة، والنافذة، والسماء، والغليون، والرجل، والمرأة، ثم يضعها في علاقات تجعلها فجأة أقل يقينًا، وكأن الواقع الذي نثق به يحتاج دائمًا إلى إعادة نظر؛ ولهذا ظل ماغريت واحدًا من أكثر الفنانين تأثيرًا في تاريخ الفن الحديث، ليس لأنه رسم عالمًا بعيدًا عن الواقع، بل لأنه جعل الواقع نفسه يبدو غريبًا أمام أعيننا.
رينيه ماغريت.. الفنان الذي اختار الأشياء العادية
وُلد رينيه ماغريت عام 1898 في بلجيكا، ودرس الفن في بروكسل، ومر في بداياته بتأثيرات فنية مختلفة قبل أن تتجه تجربته في عشرينيات القرن الماضي نحو السريالية. وفي عام 1927 انتقل إلى باريس؛ حيث اقترب من الوسط السريالي، وكانت تلك المرحلة نقطة تحول أساسية في بناء لغته الفنية.
لكنه لم يتعامل مع السريالية بالطريقة نفسها التي تعامل بها بعض رموزها؛ فبدلًا من أن يعتمد على التدفق الحر للخيال أو الأشكال التي تبدو كأنها خرجت مباشرة من الأحلام، اتجه إلى رسم الأشياء بصورة واضحة ومألوفة، ثم وضعها في علاقات غير مألوفة، وبذلك أصبحت المفارقة نابعة من الواقع نفسه لا من عالم خيالي منفصل عنه، وهو ما يفسر لماذا تبدو لوحاته هادئة ومنظمة للوهلة الأولى، ثم تبدأ في إثارة القلق والأسئلة بعد لحظات من التأمل.
كان ماغريت أيضًا مصممًا وعمل في مجال الإعلان، وهي خبرة ساعدته على تطوير حس بصري شديد الوضوح، لكنه استخدم الصورة في الفن بطريقة تكاد تكون معاكسة لوظيفتها الإعلانية؛ فالإعلان يريد عادة أن يقود العين بسرعة نحو معنى محدد، في حين كان ماغريت يأخذ الصورة الواضحة ويجعلها تقود إلى أكثر من معنى، ويضع المشاهد أمام شيء يعرفه جيدًا لكنه لا يعرف كيف يفسره.

«خيانة الصور»: حين لا يكون الغليون غليونًا
في عام 1929 ظهرت للعلن واحدة من أشهر لوحات رينيه ماغريت: «خيانة الصور»، وهي صورة دقيقة لغليون كتب أسفلها بالفرنسية «هذا ليس غليونًا»، ومن الصعب أن نجد مثالًا أكثر اختصارًا لمشروعه الفني من هذه اللوحة. فالجملة صحيحة حرفيًا؛ لأن ما أمامنا ليس غليونًا يمكن الإمساك به أو التدخين من خلاله، وإنما صورة لغليون، لكن ماغريت بذلك لا يقدم مجرد نكتة بصرية، بل يضع أمامنا الفرق بين الشيء وتمثيله، وبين الواقع والصورة التي تشير إليه.
فالصورة تستطيع أن تجعلنا نتعرف إلى الغليون، لكنها لا تستطيع أن تصبح الغليون نفسه، وبذلك يتحول الرسم من وسيلة لتمثيل الأشياء إلى وسيلة للتفكير في معنى التمثيل ذاته، وقد جعل ماغريت من هذا الفصل بين الصورة واللغة والشيء أحد أهم مفاتيح تجربته الفنية.
والأكثر أهميةً أن ماغريت لم يكن يريد من المشاهد أن يبحث عن إجابة نهائية للغز، فاللوحة لا تخفي معنى واحدًا خلفها ينتظر أن نعثر عليه، فنحن لا نتعامل مع الصور بوصفها أشياء مختلفة عن الأشياء التي تمثلها، بل نتعامل معها في كثير من الأحيان كأنها الواقع نفسه؛ ولذلك تبدو جملة «هذا ليس غليونًا» بسيطة إلى حد السذاجة، لكنها بمجرد وضعها تحت الصورة تصبح قادرة على إرباك علاقتنا بما نراه.

عندما تصبح العين نفسها موضعًا للشك
في لوحة «المرآة الكاذبة» التي أنجزها ماغريت عام 1929، تظهر عين بشرية ضخمة يحتل داخلها منظر لسماء زرقاء تتناثر فيها السحب، في حين يتحول البؤبؤ إلى دائرة سوداء كثيفة، فتبدو العين في الوقت نفسه كأنها نافذة نرى من خلالها وكأنها شيء ينظر إلينا، وبهذا ينتقل ماغريت من السؤال عن الصورة إلى السؤال عن الرؤية نفسها.
فنحن نثق بالعين لأنها الأداة التي نرى بها العالم، لكن ماذا يحدث إذا أصبحت العين هي موضوع اللوحة؟ وماذا لو كانت الصورة التي نعتقد أننا نراها هي في الحقيقة نتيجة الطريقة التي تنظر بها العين إلى العالم؟ وقد رأى متحف الفن الحديث في نيويورك أن العمل يضع المشاهد في وضع مزدوج، فهو ينظر إلى العين ومن خلالها في الوقت نفسه، فيصبح الناظر والمنظور إليه طرفين في لعبة بصرية واحدة.
وهذه الفكرة تتكرر في أعمال ماغريت بصورة أو بأخرى، فالعين عنده ليست مجرد عضو من أعضاء الجسد، والنافذة ليست مجرد جزء من منزل، والمرآة ليست مجرد سطح عاكس، فكل عنصر يمكن أن يتحول إلى سؤال عن العلاقة بين ما هو موجود وما يظهر لنا منه؛ ولذلك فإن الغموض في لوحاته لا ينتج عن غياب التفاصيل، بل عن كثرة التفاصيل التي نعرفها وعدم قدرتنا على وضعها في علاقة مستقرة.

«العشاق».. عندما يحجب القرب الحقيقة
في «العشاق» التي رسمها عام 1928، يقترب رجل وامرأة من بعضهما في مشهد يشبه لحظة قبلة، لكن وجهيهما مغطَّيان بقماش أبيض، فيتحول المشهد العاطفي إلى مشهد من العزلة والحجب، فالقرب في هذه اللوحة لا يؤدي إلى المعرفة، بل إلى مزيد من الغموض، وكلما اقترب الشخصان من بعضهما أصبح التعرف إليهما أكثر صعوبة. وقد ارتبط العمل بتكرار فكرة حجب الوجوه في تجربة ماغريت، لكن متحف الفن الحديث يشير إلى أن الفنان نفسه رفض اختزال أعماله في تفسير واحد، مؤكدًا أن معنى اللوحة ليس شيئًا يمكن امتلاكه بسهولة، وأن الغموض جزء من طبيعتها.
وهذا مهم؛ لأن كثيرًا من القراءات حاولت تفسير القماش الذي يغطي وجهي العاشقين بالعودة إلى حادثة وفاة والدة ماغريت، لكن المتحف نفسه ينقل اعتراض الفنان على مثل هذه القراءات؛ ولذلك فإن التعامل مع العمل بوصفه نتيجةً مباشرةً لحدث شخصي محدد يختزل تجربة أكثر تعقيدًا. والأقرب إلى عالم ماغريت أن القماش في هذه اللوحة يؤدي وظيفة بصرية وفكرية، إنه يمنعنا من الوصول إلى الوجه، ويضع حدًا بين ما نريد معرفته وما يسمح لنا العمل برؤيته.

«الرجل المهدد».. حكاية تبدأ ولا تكتمل
في «الرجل المهدد» التي رسمها ماغريت عام 1927، تظهر امرأة مقتولة في غرفة، في حين يقف رجل إلى جوارها ويظهر آخرون في المشهد، فتبدو اللوحة كأنها لحظة مقتطعة من فيلم بوليسي؛ لكن ماغريت لا يقدم لنا ما يكفي لإعادة بناء الحكاية؛ فلا نعرف على وجه اليقين مَن القاتل أو الشاهد، أو ما الذي حدث قبل هذه اللحظة، أو ما الذي سيحدث بعدها، وبذلك يصبح المشاهد مضطرًا إلى اختراع القصة التي لا تقدمها اللوحة كاملة. وقد أدرج متحف الفن الحديث العمل ضمن أبرز أعمال ماغريت، إلى جانب «العشاق» و«المرآة الكاذبة» وغيرهما من الأعمال التي ساعدت على تشكيل لغته السريالية الخاصة.
وبهذا نصل إلى إحدى أهم خصائص تجربته؛ فماغريت لا يرسم القصة بقدر ما يرسم اللحظة التي تجعلنا نبحث عن القصة، فهو يترك فراغًا سرديًا داخل اللوحة، وهذا الفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا؛ لأن عقل المشاهد يبدأ تلقائيًا في ملئه، وهكذا يصبح المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد شخص يقف أمام لوحة وينتظر من الفنان أن يخبره بما يجب أن يفهمه.
السريالية التي لا تحتاج إلى عالم آخر
كان ماغريت سرياليًا، لكن سرياليته كانت مختلفة في لغتها البصرية؛ فبدلًا من أن يهرب من الواقع كان يعود إليه باستمرار، فيأخذ غرفةً عاديةً، ورجلًا عاديًا، وتفاحةً أو غليونًا، ثم يغير العلاقة بين هذه العناصر، ومن ذلك يولد المستحيل. وهذا ما جعل أعماله شديدة الوضوح من الناحية البصرية وشديدة التعقيد من الناحية الفكرية في الوقت نفسه؛ فالمشاهد يستطيع أن يعرف ما الذي يراه، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يعرف ماذا يعني اجتماع هذه الأشياء بهذه الطريقة.
ولهذا وصف متحف الفن الحديث منهجه بأنه استخدام للرسم بوصفه أداةً نقديةً تتحدى الإدراك وتدفع المشاهد إلى التفكير، مع فصل الأشياء عن أسمائها وكشف اللغة بوصفها نظامًا يمكن أن يضللنا بدلًا من أن يقودنا دائمًا إلى الحقيقة.
لماذا لا تنتهي لوحات ماغريت عند النظر إليها؟
لأن ماغريت لم يكن يرسم الإجابات، وإنما كان يرسم لحظة الشك التي تسبق الإجابة، وهذه نقطة أساسية لفهم استمرار أثره حتى اليوم. فاللوحة التي تخبرك بما يجب أن تراه قد تنتهي بمجرد أن تفهمها، أما اللوحة التي تجعلك غير متأكد مما رأيته فإنها تستمر في ذهنك بعد انصرافك عنها؛ ولهذا لا تبدو أعمال ماغريت قديمة على الرغم من مرور عقود على إنجازها؛ لأن الأسئلة التي يطرحها لا تنتمي إلى زمن واحد.
إن الفرق بين الشيء وصورته، وبين الاسم وما يسميه، وبين الحقيقة وما نعتقد أنه حقيقة، لم يعد سؤالًا خاصًا بالرسم وحده، بل أصبح جزءًا من حياتنا اليومية في عصر تمتلئ فيه الشاشات بالصور، وتتداخل فيه الصورة الفوتوغرافية مع الإعلان والفيديو والتعديل الرقمي والصور التي تنتجها الخوارزميات. ولذلك تبدو لوحة «هذا ليس غليونًا» كأنها كُتِبت قبل عصرها بوقت طويل؛ ليس لأنها توقعت التقانة، وإنما لأنها فهمت مبكرًا أن الصورة ليست الحقيقة نفسها، مهما بدت مقنعة.
من السريالية إلى عالم الصورة المعاصر
تُوُفِّي رينيه ماغريت عام 1967، لكنه ترك وراءه عالمًا بصريًا لم يتوقف عن التأثير في الثقافة الحديثة. وما زال متحف ماغريت في بروكسل يحتفظ بأكبر مجموعةٍ مخصصةٍ للفنان في العالم، وتضم أكثر من 230 عملًا وقطعة أرشيفية، من لوحات ورسوم وأعمال نحتية ومقتنيات فنية إلى ملصقات إعلانية وصور وأفلام، وهو ما يعكس اتساع تجربته وتجاوزها حدود اللوحة التقليدية.
لكن الأهم من عدد الأعمال أو شهرة الرموز التي ابتكرها أن طريقته في التفكير بالصورة ظلت حاضرة؛ فماغريت لم يجعل الفن أكثر غرابة فحسب، بل جعلنا أكثر وعيًا بأننا لا نرى العالم مباشرة، وإنما نراه من خلال صور ولغات وذاكرة وتوقعات. وكلما ظننا أن الصورة قدمت لنا الحقيقة كاملة، ترك لنا ماغريت سببًا جديدًا لنسأل عما غاب عنها.

الفنان الذي جعل الحقيقة أقل يقينًا
ربما لهذا لا يمكن اختزال رينيه ماغريت في الغليون أو التفاحة أو الرجل ذي القبعة؛ فهذه الأشياء أصبحت علامات شهيرة، لكن قيمتها الحقيقية أنها تقود إلى الفكرة التي تقف خلفها؛ فماغريت لم يكن مهتمًا بأن يرسم شيئًا جميلًا أو غريبًا فحسب، وإنما كان يريد أن يضع المسافة بين العين والعقل موضع الاختبار، وأن يجعلنا نكتشف أن الشيء الذي نعرفه جيدًا يمكن أن يصبح لغزًا بمجرد أن يتغير موقعه، وأن الصورة التي تبدو صادقة قد تكون في النهاية مجرد صورة، وأن الاسم الذي نطلقه على الأشياء لا يملك بالضرورة سلطة كاملة عليها.
ومن هذا المنطلق تظل لوحاته مفتوحة أمام المشاهد، لا لأنها تخفي حلًا ينتظر من يعثر عليه، وإنما لأنها ترفض أن تمنحنا يقينًا نهائيًا؛ وهذا تحديدًا ما جعل رينيه ماغريت أحد أكثر فناني القرن العشرين قدرة على تحويل الأشياء اليومية إلى أسئلة، وعلى تحويل الصورة من نافذة نرى من خلالها العالم إلى مرآة تجعلنا نتساءل أولًا عن الطريقة التي نراه بها. وفي عالم أصبحت فيه الصور أكثر حضورًا من أي وقت مضى، ربما تكون إحدى أهم أفكار ماغريت هي الأبسط والأشد إزعاجًا في الوقت نفسه: ما نراه ليس دائمًا ما نعتقد أننا نراه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.