ريحانة الدار: روائع النصح في تربية البنات

مرحلة المراهقة من أدق المراحل العمرية وأكثرها حرجًا في حياة الفتاة؛ تتلاطم في أعماقها أمواج المشاعر المتناقضة بين الطفولة والنضوج، وتبحث عن كيانها المستقل في عالم يموج بالمتغيرات والشاشات الرقمية.

في هذا النص الشعري، بمداد من الحكمة الأبوية الحانية والمشاعر الدافئة، دليل تربوي، ندعو فيه الأهل إلى الرفق، والاحتواء، وبناء جسور الحوار، ونذكِّر بأن الفتاة «غصن رقيق» يزهر بالوداد وينكسر بالقهر، فالبيوت تُضاء بأُنس البنات وصلاحهنَّ.

​يَا مَنْ نَشَأَتْ وَثَوْبُ الطُّهْرِ يَكْلَؤُهَا ... فِي مَرْحَلِ الْعُمْرِ وَالأَيَّامُ تَبْتَسِمُ
​مَرَّتْ سُنُونَ رَخِيَّاتٌ وَقَدْ كَبُرَتْ ... بِنْتُ الدَّلَالِ، وَعَهْدُ الطِّفْلِ يَنْفَصِمُ
​هَذِي الْمُرَاهَقَةُ الْحَيْرَاءُ قَدْ وَفَدَتْ ... بِالْحِيرَةِ الْبِكْرِ، وَالأَشْوَاقُ تَحْتَدِمُ
​تَرَى الْمَرَايَا فَتَسْتَفْتِي مَلَامِحَهَا ... هَلْ رَقَّ عُودِي وَهَلْ يُسْتَعْذَبُ النَّغَمُ؟
​تَمْشِي الْهُوَيْنَى وَفِي أَعْمَاقِهَا جَدَلٌ ... مِنَ الْمَشَاعِرِ، فِيهَا الْخَوْفُ وَالْهِمَمُ
​يَا مَعْشَرَ الأَهْلِ هَذِي النَّفْسُ رَاحِلَةٌ ... نَحْوَ النُّضُوجِ، فَرِفْقًا أَيُّهَا الْحَكَمُ
​لَا تَقْمَعُوهَا بِأَصْفَادٍ وَعَاصِفَةٍ ... إِنَّ الْفَتَاةَ بِحُسْنِ النُّصْحِ تَعْتَصِمُ
​بَثُّوا الْحِوَارَ جُسُورًا بَيْنَ عَالَمِكُمْ ... وَعَالَمٍ رَقَصَتْ فِي ظِلِّهِ الْكَلِمُ
​الضَّمُّ يَشْفِي جِرَاحَ الْحَيْرَةِ الْعَرَضِ ... وَالأُذْنُ تَسْمَعُ مَا يَخْفَى فَيَنعَدِمُ
​كُونُوا الْمَلَاذَ إِذَا ضَاقَ الْوُجُودُ بِهَا ... إِنَّ الْفَتَاةَ بِحُضْنِ الأُمِّ تَلْتَئِمُ
​وَعَلِّمُوهَا بِأَنَّ الْعَقْلَ زِينَتُهَا ... وَالْعِلْمُ نُورٌ، وَأَنَّ الْخُلْقَ هُوَ الْقِمَمُ
​تَنْجُو الْبَنَاتُ إِذَا كَانَ الْوِدَادُ لَهَا ... حِصْنًا حَصِينًا، وَعَاشَ الْحُبُّ وَالرَّحِمُ
​وَالْيَوْمَ تَقْتَحِمُ الشَّاشَاتُ عُزْلَتَهَا ... فَالْعَوْلَمَاتُ بِوَعْيِ الْغِيدِ تَرْتَطِمُ
​صَارَ الْفَضَاءُ لَهَا خِدْنًا يُجَاذِبُهَا ... سِحْرَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ الزَّيْفُ وَالظُّلَمُ
​فَلَا تَسُدُّوا مَنَافِذَ الْهَوَاءِ شَطَطًا ... بَلْ عَلِّمُوهَا بِنَقْدٍ كَيْفَ تَحْتَكِمُ
​إِنَّ النَّبِيهَةَ لَا تَغْتَرُّ فِي لَمَعٍ ... بَلْ تَنْتَقِي مَا بِهِ الأَخْلَاقُ تَحْتَشِمُ
​تَبْدُو الْمَشَاعِرُ فِيهَا كَالْعُبَابِ طَمَتْ ... تَبْكِي وَتَغْضَبُ، وَالأَحْزَانُ تَرْتَسِمُ
​فَاصْبِرْ لِغَضْبَتِهَا، وَاحْظَ بِلَهْفَتِهَا ... إِنَّ الْفَتَاةَ بِلِينِ الْقَوْلِ تَنْسَجِمُ
​وَاجْعَلْ صَدَاقَتَهَا لِلطُّهْرِ تَذْكِرَةً ... فَالصَّاحِبَاتُ لَهُنَّ السَّبْقُ وَالْقِدَمُ
​إِنْ أَطْلَعَتْكَ عَلَى الأَسْرَارِ خَافِيَةً ... فَاحْفَظْ أَمَانَتَهَا كَيْ يَسْلَمَ الْعَلَمُ
​إِنَّ التَّجَاهُلَ لِلآرَاءِ يَكْسِرُهَا ... وَالرَّأْيُ حِينَ يُرَاعَى تَنْشَطُ الْهِمَمُ
​صُنْهَا عَنِ الْقَهْرِ فِي تَوْجِيهِ رَغْبَتِهَا ... فَالسَّيْفُ يَنْبُو إِذَا مَا اشْتَدَّتِ الْحُزَمُ
​فَالْبِنْتُ غُصْنٌ رَقِيقٌ لَا يُرَادُ لَهُ ... عَسْفُ الرِّيَاحِ وَلَا أَنْ يَبْتَلِيهِ عَدَمُ
​لِكُلِّ بِنْتٍ طِبَاعٌ لَسْتَ تُشْبِهُهَا ... مِثْلَ الْفُرُوقِ بِهَا الأَفْهَامُ تَقْتَسِمُ
​فَلَا تَقِيسَنَّ هَذِي بِالَّتِي سَبَقَتْ ... فَالتَّوْأَمَانِ بِهِمْ خَلْقٌ وَمُخْتَصَمُ
​وَإِنْ هَوَيْنَ خَطَأً فِي تَقَلُّبِهِنْ ... فَالسِّتْرُ طِبٌّ وَفِيهِ الرِّفْقُ يُغْتَنَمُ
​لَا تَفْضَحَنَّ لَهَا سِرًّا وَلَا زَلَلًا ... فَالْفَضْحُ كَسْرٌ بِهِ الأَشْوَاقُ تَنْهَدِمُ
​كُنْ فِطْنًا لَبِقًا فِي نُصْحِهَا حَذِرًا ... فَالطَّيْرُ يَنْجُو إِذَا لَمْ يُذْعِرِ الْقَدَمُ
​عَلِّمْ بَنَاتَكَ أَنَّ الْأَصْلَ مَفْخَرَةٌ ... وَالْإِرْثُ مَجْدٌ بِهِ التَّارِيخُ يَحْتَزِمُ
​لَا تَتْرُكِ الْبِنْتَ فِي أَوْهَامِهَا غَرَقًا ... بَلْ كُنْ لَهَا أَمَلًا يَبْدُو بِهِ الْعَظَمُ
​وَافْسَحْ لَهَا فَلَكًا لِلْعِلْمِ تَقْصِدُهُ ... حَتَّى تَنَالَ مَقَامًا زَانَهُ الْفَهَمُ
​إِنَّ الْمُرَاهِقَ طِفْلٌ فِي سَرِيرَتِهِ ... لَكِنْ يُحَاوِلُ رَسْمًا فِيهِ يَنْفَطِمُ
​يَبْغِي الْكَيَانَ وَيَبْغِي الاسْتِقْلَالَ لَهُ ... وَالْأَهْلُ حِصْنٌ وَتَوْجِيهٌ وَمُعْتَصَمُ
​فَالْحُبُّ يَبْنِي نُفُوسًا لَا بَدِيلَ لَهُ ... وَالْجَفْوُ هَدْمٌ بِهِ الْأَخْلَاقُ تَنْعَدِمُ
​وَاحْرِصْ عَلَى دِينِهَا فَالشَّرْعُ بَوْصَلَةٌ ... تَنْجُو بِهَا النَّفْسُ إِنْ مَادَتْ بِهَا الظُّلَمُ
​وَاجْعَلْ صَلَاتَهَا رُوحًا تُضِيءُ لَهَا ... دَرْبَ الْحَيَاةِ إِذَا مَا حَلَّتِ التُّهَمُ
​الْبِنْتُ أَمْنٌ وَخَيْرٌ فِي مَنَازِلِنَا ... رَيْحَانَةُ الدَّارِ فِيهَا الأُنْسُ وَالنِّعَمُ
​هِيَ الْمُرَبِّيَةُ الْأُولَى إِذَا كَبُرَتْ ... وَأُمُّ جِيلٍ بِهِ الْأَوْطَانُ تَحْتَرِمُ
​فَأَحْسِنِ الْغَرْسَ تَجْنِي شَهْدَ رِحْلَتِهِ ... يَوْمَ الْحَصَادِ إِذَا مَا شَابَتِ الْقِمَمُ
​شَكَرْتُ رَبِّي عَلَى كُلِّ الْبَنَاتِ لَنَا ... فَالْبِنْتُ فَضْلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ مُغْتَنَمُ
​هِيَ الرَّيَاحِينُ فِي أَبْيَاتِنَا نَبَتَتْ ... يَشْفِي النُّفُوسَ شَذَاهَا الطَّيِّبُ الْعَرِمُ
​بَارِكْ إِلَهِي بَنَاتِ الْجِيلِ قَاطِبَةً ... مَا جَادَ غَيْثٌ وَمَا أَوْفَى بِهِ الْقَلَمُ

هذه الأبيات وثيقة تربوية ومنهج حياة يحتاج إليه كل بيت مسلم في زمن العولمة وتداخل الفضاءات الرقمية. إن الاستثمار الحقيقي ليس في تشييد الجدران، بل في إحسان الغرس وبناء النفوس بلين القول وفهم الطباع؛ فالفتيات هنَّ رياحين البيوت، وصانعات أجيال الغد، وبصلاحهنَّ وتوجيههنَّ الواعي تُبنى الأوطان وتُرفع القمم. لنكن لهنَّ الملاذ الآمن والحصن الحصين، لنجني شهد الرحلة يوم الحصاد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة