رياضة "المشاوشة" بين السّينما والتّاريخ


يعدّ فيلم "موسم المشاوشة" من الأفلام المغربيّة القليلة بل النّادرة الّتي تتناول التّاريخ والتّراث المغربيّ، فرغم تعاقب عدّة دول وحضارات على حكم المغرب، وتسجيل عدّة أحداث فارقة في تاريخ منطقة شمال إفريقيا على أرضه، فإنّ التّاريخ لم يحظ باهتمام المخرجين، ولم تكن الإمكانيّات الماديّة الّتي تحتاجها هذه النّوعيّة من الأفلام العائق الوحيد أمام إنتاج أفلام تاريخيّة، بل ظهرت في وجهها عقبات كثيرة غير ماديّة، ويأتي فيلم "موسم المشاوشة" للمخرج محمد عهد بنسودة ليفتح الباب أمام إنتاج أفلام تتناول التّاريخ والتّراث المغربيّ في محاولة لجس نبض الجمهور المغربيّ تجاه هذه النّوعيّة من الأفلام، ولعلّ هذه المبادرة تكون فاتحة لاتجاه جديد لم تعهده السّينما المغربية الّتي أهملت لعقود التّاريخ والتّراث رغم حمولتهما وأهميّتهما، ولا شكّ أنّ الإقبال الجماهيريّ الّذي عرفه فيلم "موسم المشاوشة" سوف يشجّع الكثير من السّينمائيّين على إنتاج أفلام تاريخيّة، ويتناول الفيلم حياة المغاربة في القرن التّاسع عشر الميلاديّ، والأحداث الّتي ميّزت تلك الحقبة، وقام المخرج بتوظيف التّراث والفلكلور ضمن البناء الدّراميّ، واعتمد على رياضة شعبيّة شبيهة برياضة المصارعة، كانت متداولة في تلك الحقبة في المغرب لبناء إطار فرجوي مؤطّر بسياق حكائيّ لقصّة غراميّة تقليديّة.

نجح المخرج والمنتج المغربيّ محمد عهد بنسودة في توزيع فيلمه "موسم المشاوشة" في ثلاث بلدان إفريقيّة هي السّينغال والنّيجر ومالي، كما شارك فيلمه في العديد من المهرجانات الدّوليّة، وحصل على عدد من الجوائز، ويعدّ فيلم "موسم المشاوشة" الثّاني للمخرج بنسودة بعد فيلم "زمن التّهوّر"، وسبعة أفلام قصيرة، وفيلم تلفزيونيّ بعنوان "خيال الذّيب"، والفيلم مقتبس عن قصّة للكاتب محمد منصف القادري، وقد قام المخرج بكتابة السّيناريو بالاشتراك مع الكاتب محمد حمدان الحبيب، وتمّ تصوير الفيلم في مدّة ستّة أسابيع بفضاءات تاريخيّة بمدن فاس، وورزازات، ومكناس، وأرفود، وصفرو، والجديدة، ورغم الميزانيّة الضّعيفة الّتي رصدت للفيلم فقد نجح المخرج في تقديم فيلم جيد، والخروج بنتيجة إيجابيّة، حاول المخرج من خلال هذا العمل توثيق نوع من الرّياضات الشّعبيّة القديمة المعروفة في المغرب باسم "المشاوشة" أو "المكارعة"، واستغلّ التّراث الشّعبيّ للخروج بقصّة ذات طابع دراميّ رومانسيّ في قالب فرجويّ تحضر فيه طقوس الغناء والرّقص الّتي تقترب من الملحمة المبنيّة على الاحتفاليّة، وثنائيّة الصّراع بين الخير والشّر، وتدور احداث الفيلم حول رياضة شبيهة برياضة المصارعة، كانت تمارس في المدن المغربيّة العتيقة من طرف الحرفيّين والصّنّاع التّقليديّين المعروفين بقوّتهم الجسمانيّة، حيث يتبارى هؤلاء المصارعون فيما بينهم للظّفر ببطولة المباراة الّتي كانت تقام أمام أعيان جمهور المدينة، في جوّ احتفاليّ بهيج، وحين يتوّج البطل فائزًا يحظى باحترام الجميع في المدينة.

ويحكي الفيلم قصّة الصّراع بين رجلين من أجل الفوز بقلب البطلة الحسناء الّتي لعبت دورها الممثلة ريم شماعو حيث يحاول "سليمان" المصارع الّذي يجسّد دوره الممثل هشام بهلول جاهدًا الظّفر بقلب حبيبته، وفي سبيل ذلك يخاطر هذا العاشق بحياته من أجل الظّفر بمحبوبته، وإنقاذها من يد آخر حاول الحصول عليها بأيّة طريقة، وهو تاجر الماشية الّذي أدّى دوره الممثل عبد الله فركوس، ويحتدم الصّراع بين سليمان النّجار الحرفيّ الشّهم، والتّاجر المحتال طبوخ الّذي يحيك المؤامرات من أجل الفوز بهنية بنت الحاج المفضل، بينما سليمان يسعى لهدفه معتمدًا على الحبّ المتبادل بينه وبين هنية، لكن تطوّر الأحداث يدفعه إلى القيام بتدريبات شاقّة ومؤلمة تحضيرًا لمبارزة ومنافسة طبوخ، هذا الأخير الّذي استمال والد البطلة هنية واستطاع السّيطرة عليه من خلال صفقة تجاريّة خاسرة، فنجح في إقناعه بالزّواج من ابنته لولا تدخّل سليمان في آخر لحظة؛ لتكون مباراة المصارعة هي الفاصل بينهما، وهي الّتي ستحدّد البطل والفائز بقلب هنية، لكن مساعد طبوخ الّذي أدّى دوره الممثل رفيق بوبكر تمكّن من اختطاف الفتاة وقتل البطل في النّهاية.

أثنى النّقاد على أداء الممثلين في هذا الفيلم وعلى اختيار المخرج لهم، وإسناد الأدوار لهم بعناية، كما أثنى النّقاد على الجهد الّذي بذله المخرج بنسودة لإخراج هذا الفيلم بميزانيّة متواضعة بالمقارنة مع الإمكانات الضّخمة الّتي يحتاجها إنتاج فيلم تاريخيّ، وأبان المخرج عن حنكة وخبرة كبيرة في التّحكّم بالخطاب التّقنيّ السّينمائيّ، وتحريك المجاميع في مشاهد المصارع الّتي شارك فيها أكثر من 5 آلاف كومبارس، وحوالي 48 ممثلًا، كما نجح المخرج في اختيار ديكور ملائم لقصّة الفيلم، وأبدع في اختيار أماكن التّصوير بأزقّة فاس وأبوابها.

وعبّر النّقاد عن تفاؤلهم بقرب إنتاج أفلام تعالج التّاريخ والتّراث المغربيّ بعد نجاح هذا الفيلم الّذي أعاد الجمهور المغربيّ إلى القاعات السّينمائيّة، خصوصًا العائلات المغربيّة.

لموسم المولى إدريس الأزهر بفاس طقوس هي عبارة عن باقات جميلة، كانت تعاند الدّهر منذ عشرات السّنين، إحدى هذه الطّقوس توارت خلف صخب المدينة، وزحمة اختلا ط الأصالة والمعاصرة، وافتقد فرجتها الزّائر والمقيم، كما افتقد لذّتها الممارس الّذي كان يتعطّش لحلول المناسبة السّنويّة، أو لنقل: تظاهرة المباريات النّهائيّة؛ حيث تمتزج الرّوح الشّعبيّة بالطّقوس الدّينيّة لتؤثث الفضاء، فضاء التّباري داخل فناء سحن الضّريح أي المسجد، تؤثثه ببهجة عمرها عشرات السّنين، كانت بمثابة الحبل السّريّ الّذي يربط بين ما هو روحيّ وما هو جسديّ لدى أهل "الموسم المشاوشة".

رياضة شعبيّة معجونة بعرق الصّنّاع التّقليديّين، مخضبة بعمق الإنشاد، متوّجة بعفويّة حضور الجمهور وبوح تشجيعاته، وهي رياضة لصحّة البدن، ليس لها رمز خاصّ ولا شعار ولا ميداليّات، رياضة تعلّم قوّة التّركيز، تساهم في بناء جسم سليم، وتجديد سلامته ليكون قادرًا على الإنتاج.

وهي رياضة لإيجاد التّوازن بين السّلبيّ والإيجابيّ في الحياة، وهي حركات رياضيّة ليس فيها ضرب، ولا لكم، ولكنّها لا تخلو من عنف، لم تنحرف يومًا، ولم  تصنّف ضمن طقوس عبادات، ولكن لها تصوّرات عقائديّة، إلّا أنّها لم تكن تفتن الممارس لها عن دينه، فالمباراة  تتوقّف عند وقت الصّلاة، ولا بدّ للمشاوش أن يصلّي لله ركعتين قبل دخول التّباري، هي رياضة طقوسيّة تمارس بين اثنين، كلّ واحد من الجماعة أو الوفد القادم إلى فاس، وعادة من مكناس، وفاس، وسيّدي أحمد البرنوصي وتيسة والنّواحي، وأحيانًا من شرق المغرب وشماله.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب