رولان بارط والأساطير المعاصرة.. تحليل السيميولوجيا والخطاب الإشهاري

هل نحن أحرار حقًّا في اختياراتنا اليومية؟ أم أننا خاضعون لسلطة خفية توجهنا؟ في هذا المقال، نستكشف مفهوم الأسطورة عند رولان بارط وكيف كشف المستور خلف الصور البراقة.

نبَّهنا الكاتب والناقد الفرنسي «رولان بارط» (Roland Barthes) إلى أن الأسطورة التي رافقت الشعوب القديمة ما زالت حاضرة في كثير من تفاصيل حياتنا المعاصرة، وربما تؤثر فينا بوعي أو من دونه، وتوجهنا في سلوكنا اليومي.

وكان «بارط» قد ألَّف كتابًا سنة 1957 لا سنة 1984، سماه «أساطير» أو Mythologies، درس فيه نماذج ممَّا أسماه «الأساطير المعاصرة رولان بارط دراسة سيميولوجية».

المدخل النظري: رولان بارط والسيميولوجيا

ولكن، ما معنى سيميولوجيا؟ السيميولوجيا (Semiology) أو السيميوطيقا –Semiotics– هي علم من العلوم الحديثة يهتم بدراسة العلامات، والإشارات، والرموز اللغوية وغير اللغوية التي يستخدمها البشر في التواصل فيما بينهم، والتعبير عن حاجاتهم. فهي من هذه الجهة أشمل من اللسانيات التي يقتصر مجال اهتمامها على دراسة العلامات اللغوية.

ومنذ «دي سوسير - Ferdinand de Saussure» شاع الاهتمام بدراسة الأنظمة العلامية في المجتمع، غير أن «بارط» يؤكد أن أي نظام علامي هو بالضرورة نظام تواصلي اجتماعي، شأنه في ذلك شأن اللغة؛ لذلك انكبَّ على دراسة ما تتضمنه هذه العلامات التي تملأ حياتنا المعاصرة من دلالات وأبعاد في محاولة لربط رولان بارط والسيميولوجيا بواقع الناس.

فانصرف إلى البحث في الأنظمة المرورية، وفي طرق اللباس، وخاصة الرسائل التي تتضمنها «صرعات الموضة»، واعتنى بتفكيك الخطاب الإشهاري الذي عدَّه من أقوى الأنظمة العلامية وأشدها تأثيرًا، ومنه اكتشف ما سماه «أساطير معاصرة».

العلاقة بين السيميولوجيا والأسطورة وكيفية صناعة المعنى في الخطاب الإشهاري

ولكن، قبل أن نخوض فيما توصل إليه «رولان بارط» من نتائج في هذا المجال وتحليل كتاب أساطير رولان بارط، دعونا نذكر بمفهوم الأسطورة.

تحليل كتاب أساطير رولان بارط: مفهوم الأسطورة الجديد

ماذا تعني الأسطورة؟ وكيف يمكن أن نعرفها؟ لا تخلو حضارة من الحضارات القديمة من أساطير. ذلك أن الأسطورة هي رؤية للعالم، وطريقة تفسير لظواهره، وهي في أيسر تعريفاتها تلك القصة الغريبة العجائبية التي تُقدم تفسيرًا خياليًا لبعض الجوانب الأساسية للعالم والمجتمع. وعادة ما تكون القصة التي ترويها الأسطورة مقدسة، تحمل دلالات دينية وروحية، وتتعلق في الغالب بأصل الكون، والحيوانات، والنباتات، والبشر.

وعادة ما تعود بنا إلى زمن البدايات، أي زمن الخلق الأول، وهو زمن خارج نطاق التاريخ؛ لذلك يغلب على أحداثها الطابع الخيالي والغرائبي، وتتصف شخصياتها بأنها خارقة، تتجاوز قدراتها قدرات البشر العاديين، وغالبًا ما تكون هذه الشخصيات آلهة، أو أنصاف آلهة، أو من الأبطال الاستثنائيين.

وقد تتناول الأساطير خلق العالم، والظواهر الطبيعية، والعلاقة بين الإنسان والإله، والعلاقة بين الإنسان والطبيعة، وعلاقة الإنسان بالموت، والحياة ما بعد الموت... ولكل الشعوب القديمة تفسيرها الخاص، ومع ذلك لا تخلو كثير من الأساطير من تشابه، على الرغم من اختلاف الحضارات.

ومن أشهر هذه الأساطير «ملحمة جلجامش» التي تعود إلى الحضارة البابلية، وأساطير «جبل الأولمب» في الحضارة الإغريقية القديمة، وأساطير «الموت والحياة» في «كتاب الموتى» الفرعوني.

عُمومًا، تعكس الأساطير، مهما كان منشؤها أو موضوعها، تصورات الإنسان في تلك الحضارات، ومواقفه، ومعتقداته المختلفة، وتحدد فهمه للظواهر، وتكشف عن أجوبته للأسئلة الوجودية التي طرحها على نفسه في تلك المرحلة المبكرة من التاريخ الإنساني.

ومن ناحية البحث العلمي، فإن دراسة الأساطير تُعد موضوعًا لعلوم مختلفة، هي: علم الأساطير، والأنثروبولوجيا، والسيميولوجيا، وهي وجهة النظر التي فكك من خلالها «رولان بارط» بنية الأسطورة الحديثة، ونظام اشتغالها، ووقف على كيفية إنتاجها، وقوة تأثيرها مؤسسًا للعلاقة الجدلية بين السيميولوجيا والأسطورة.

سلطة الصورة: الخطاب الإشهاري عند رولان بارط

كيف فسر رولان بارط الأسطورة في العصر الحديث؟ أو كيف نظر «بارط» إلى الأسطورة اليوم؟

 تجاوز «بارط» مفهوم الأسطورة بمعناها القديم الذي ربطها باللامعقول والخرافة، ليذهب إلى عد أن المجتمعات المعاصرة صنعت أساطيرها الخاصة أو الأساطير المعاصرة رولان بارط.

فعلى الرغم من انتشار ثقافة العلم، فإن الأسطورة ما زالت تفعل فعلها؛ لذلك هو يُجرِّد الأسطورة من خلفياتها الدينية الاعتقادية، ومن دورها التفسيري للعالم والظواهر، وينظر إليها بعدِّها خطابًا تواصليًا يقوم على نظام من الرموز والعلامات التي تهدف إلى التحكم فينا، وتوجيه سلوكنا.

ويركز اهتمامه في هذا الإطار على الخطاب الإشهاري عند رولان بارط الذي يُعد عنده أهم خطاب معاصر يختزل أبعادًا أسطورية، بسبب الخصائص التي تميزه وتوضح العلاقة بين الخطاب الإشهاري والأسطورة، وأهمها:

  • المبالغة: فالإشهار يُضخِّم الأشياء كما يُضخِّم تأثيرها، على نحوٍ يجعلها مفارقة للواقع والمعقول (يضرب مثالًا بمساحيق الغسيل والتنظيف التي يُحولها الإشهار إلى مساحيق خارقة، قادرة على سحق كل أنواع الجراثيم، وإزالة كل أنواع الأوساخ المستعصية).
  • الخيال: يعتمد الخطاب الإشهاري على الخيال كآلية للتواصل، ويحاول أن يُخرجنا من دائرة الواقع ليبني لنا عوالم بديلة مبنية على الأوهام والمبالغات وحتى الأكاذيب والمغالطات (تحويل الشيء الطبيعي العادي إلى شيء خارق، أو السكوت عن سلبيات شيءٍ ما مثل الخمور، مقابل تضخيم إيجابياته).
  • قوة التأثير: للإشهار تأثير سحري على المستهلك، إذ عادةً ما ينجح في تحديد الذوق، ويسلبنا حرية الاختيار، ويدفعنا بوعي أو من دونه نحو المنتوجات التي يريد تسويقها.

وقد يخلق لدينا حاجات وعادات استهلاكية جديدة لم تكن جزءًا من حياتنا (يذكر «بارط» مثال الموضة التي تصنع ذوقنا في اللباس، ومثال بعض الأكلات السريعة مثل شرائح اللحم مع البطاطس)؛ ذلك أن الإشهار لا يخاطب عقولنا، بل يستهدف وجداننا، وعقلنا الباطن، واللاشعور الكامن في تلك المنطقة المظلمة داخلنا. إنه يحاول أن يصل إلى ذلك الطفل فينا.

الإشهار يصنع الوهم

من التأثير إلى الاستعباد

ينتهي الخطاب الإشهاري إلى تأثيرات عملية في سلوك الناس لا تقتصر على جلبهم وتوريطهم في الاستهلاك، بل يُحوِّلون تلك المواد الإشهارية المستهلكة إلى رموز، أحيانًا تختزل ثقافة وحضارة (كما هو الحال في مشروب الكوكاكولا، أو الهامبرجر الذي تحوَّل مع الوقت إلى رموز أمريكية، بل إلى تعبيرات من تعبيرات نظامٍ معولم)، وبالتدريج يُحوِّلنا الخطاب الإشهاري إلى عبيد لما نستهلك، وتُصبح علاقتنا بتلك المنتوجات علاقة تقديس وإجلال، وكأن حياتنا تتوقف على وجودها، بل إننا نُعرِّف أنفسنا بواسطتها، وهي التي تُحدِّد نظرتنا إلى الآخر.

وبذلك يعد «بارط» أن وراء هذا الخطاب الإشهاري الاستهلاكي تقف منظومة قِيَميَّة كاملة تسعى بها الشركات المنتجة، والنظام الرأسمالي، والطبقة البورجوازية إلى تحويل العالم إلى سوق كبيرة، والناس إلى مستهلكين في أقصى تجليات الأسطورة عند رولان بارط؛ لذلك لا بد من شحنهم بمجموعة من «الأوهام» التي يُروَّج لها عبر الإشهار، ودفعهم إلى الاعتقاد والتسليم بما يقوله هذا الخطاب.

أمثلة على الأساطير المعاصرة وتطبيقات فنية

أبعد من «رولان بارط»: يمكن التعريج في هذا الإطار على عملين آخرين أسهما مساهمة كبرى في تفكيك هذه «الأساطير المعاصرة» واللذين يعدان من أبرز أمثلة على الأساطير المعاصرة في الفن:

أولهما: فيلم خيال علمي من إنتاج هوليود في الثمانينيات، يحمل عنوان «إنهم يعيشون – They Live»، مخرجه «جون كاربنتر – John Carpenter»، وبطله جون نادا (وعبارة nada تعني اللاشيء)، عاملُ المصنع، يعثر على نظاراتٍ سحرية تُمكنه من رؤية الحقيقة وراء المظاهر الخادعة.

ويكتشف الرسائل الخفية وراء الإعلانات التي تُختزل إلى شعارات رأسمالية من قبيل: استهلك، اشترِ، أطع، كما يكتشف أن بعض البشر في الواقع هم كائنات فضائية يختفون وراء أقنعة بشرية، هدفهم السيطرة على العالم.

ويتمكن في النهاية، بمساعدة آخرين، من كشف هذا الزيف والخرافات، ويدخل في مواجهات مع هذه الكائنات الغريبة.

الرسائل الخفية في الإعلانات التي تأمر بالخضوع والاستهلاك

أما العمل الثاني الذي يندرج في هذا السياق التفكيكي، فهو رواية «اللجنة» للكاتب المصري الكبير صنع الله إبراهيم التي استطاع فيها بطلُه أن يُنجز بحثًا معمقًا عن «زجاجة الكوكاكولا»، وأن يُفكك خلفياتها «الأسطورية»، وأن يكشف حقيقتها، وكيفية صنعها للرأي العام، وتأثيراتها المتشعبة في الاقتصاد، والمجتمع، وسياسات الدول. وقد توسَّل صنع الله إبراهيم بأسلوبٍ ساخر لصياغة هذه الرواية الفذة.

استمرارية الأسطورة

وهكذا يتضح أن «رولان بارط» قد نجح في تفكيك المجتمعات المعاصرة، ليُبين كيف تظل الأسطورة جزءًا من «لاوعينا»، قد تنجح بعض الخطابات في دغدغتها وإثارتها لتنبعث من جديد في شكل خطابات جديدة، ولكنها لا تختلف في شيء عن تأثيرات المعتقدات والخرافات القديمة.

وإضافة إلى جهود «بارط»، سعى كثير من المختصين، والأدباء، والفنانين، إلى تفكيك «أوهام الإنسان المعاصر»، وفك شفراته وادعاءاته، ليزول الوهم القائل بأن التقدم العلمي قد أدى إلى تراجع تأثير الأساطير في عصرنا. والحقيقة أن ما تغير فقط هو أشكال الأساطير التي لا تزال حاضرة بقوة (نحن نُقدس اليوم رموزًا، ونعبد منتجات تكنولوجية حديثة).

في المقابل، يذهب بعضنا إلى اعتبار أن الأساطير حاجة إنسانية أساسية، فهي قد تؤدي أدوارًا مهمة في حياتنا الاجتماعية، وفي نفوسنا الفردية الباحثة عن الكمال والمثالية.

ثم إنه، إلى جانب الأساطير الدينية والسياسية، توجد أساطير عدة تُروج لها وسائل الإعلام الحديثة، في الإعلانات خاصة، من ذلك: أسطورة الشباب الأبدي، وأسطورة الأداء الجنسي، وأسطورة قوة السيارات الخارقة، والتعلق الروحي والمرضي بهواتفنا الذكية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة