روعة الخلق في الفضاء الرحب

من لم ينظر إلى السماء من حين لآخر في ليالي الصيف؟ حيث بهاء النجوم وجسامة القبة الزرقاء التي تغمرنا لطفا وتبحر بنا إلى الأحلام، لكن لا يعد الأمر بالغ الأهمية مقارنة بما حدثنا به أهل العلم حول جمال وعظم الفضاء المنظور بالمقراب.

ليس للكون حدودا معينة، إنه فضاء ذو أبعاد تتجاوز الخيال، والنجوم التي يبصرها الرائي لا تعدو كونها جزءا من مجرتنا، إذ يحوي الكون بأسره عددا هائلا من عشرات المجرات الشبيهة بخاصتنا والتي تبدو للناظر عبر المنظار قسم هام منها. تنفصل المجرات بعضها عن بعض بفراغات لا تقاس بمليارات الكيلومترات بل بمليارات السنين الضوئية، أذكر في هذا السياق أن السنة الضوئية تقدر المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة بسرعة 300 ألف كلم في الثانية.

من جهتها، تتألف المجرة من مليارات النجوم المنفصلة عن بعضها بعديد السنوات الضوئية. لا يمكن ترجمة هاته الأبعاد إلى مليارات الكيلومترات لأن العدد كان ليصبح معجزا لقارئه، لذا ابتكر أهل الاختصاص وحدة طول جديدة سموها ''فرسخا نجميا'' تعادل في مدتها ''ثلاث سنوات ضوئية'' تقريبا. لو علمنا أن كل نجم من مجراتنا يعادل بحجمه شمسا كخاصتنا إضافة إلى الكواكب السيارة التي تجري حوله كما يجري كل من عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري حول الشمس، حاولوا أن تأخذوا فكرة ولو بسيطة عن حجم وعدد لأشمسه والكواكب السيارة التي يحتويها الكون بأسره. يستحيل تخيل ذلك، إذ يتبادر إلى أذهاننا للوهلة الأولى تساؤل يكبح جماح تخيلنا:

أين ينتهي الفضاء؟ فلإدراك حجم النجوم التي يشغلها الكون لا بد بادئ الأمر معرفة أين يبدأ وأين يؤول.

هل تتواجد مجرتنا في مركز الكون أو بالقرب من نهايته؟ وبافتراض وجود نهاية لهذا الكون، ما طبيعة ما وراءه؟ أهو فراغ أو جدار؟ بداية كون آخر أو نار؟ جنة أو جحيم؟ ماء أو شيء يتعذر لحواسنا لمسه؟ حاضر وغائب في الآن نفسه؟ أمر محير وأخاذ، لكن يجعلنا مع ذلك نتبحر في أحلامنا علنا نجد جوابا لتساؤلاتنا.

لنرجع البصر إلى مجرتنا علنا نستشف بعض المعلومات. فكما يعلم كل فرد منا، يقدر قطر الأرض اثنا عشر ألف كيلومتر تقريبا، إنها كبيرة الحجم بيد إن الأغرب في نطاقنا هي الشمس دون شك بقطر يقارب 1300 كيلومتر، ما يسمح لها باحتواء أزيد من مليون أرض من خاصتنا فأبعادها هائلة ومعجزة، وإذا كانت نجوم مجرتنا بمثل حجمها فهناك ما يجعلنا نلقي هذا المقال ونرغب عن التفكير، إذ كل المجاميع في فلك يسبحون دون توان ولا تصادم، معلقين في الفراغ الأسود فلا عاليها ولا دانيها، في قرقرة لا وصفية حيث مسارات هذه تعترض مسارات تلك بدقة متناهية. يبدو للمتدبر أن محيط النجوم قد نظم كالميزان لا يعرقل فيه نظام النظام الآخر، وإذا أمكن للإنسان القيام بجولة حول المجرات والأكوان للتدبر في جمالها الفتان، لخر صرعا من هول ما يرى، فهل يعقل أن ينتج كل ذلك من تلقاء نفسه؟ ألا وجود لذكاء فياض أو قدرة لا نظير لها وراء هذا العمل الجبار والبديع؟ إذا كان الجواب بلا، فمن أين جاءت المادة الأولى أصلا؟

ربما يجيب البعض: من الهيدروجين والهليوم اللذين يتحولان فيما بعد إلى ذرات ثقيلة هذا مرجح، لكن من خلق هذين الغازين؟ ومن فجرهما للوهلة الأولى؟ لأن البعض يعتقد بنظرية الانفجار الكوني الكبير للكون الذي تأتى من كتلة غازية مكثفة قبل انفجارها. يعتقد البعض الآخر أن أهل العلم ليسوا على إجماع حول هذه المسألة، بل منهم من ينزع إلى نظرية التكوين المستمر للمادة في الفضاء بسبب الغازات التي تتواجد فيه، بيد إن لا أحد من هؤلاء قادر على تفسير وجود الهيدروجين والهليوم فيتملص من هذا السؤال كأن لم يكن، انطلق الإنسان من فرضيات وها هو يصادف أخرى، لأن منطق رجل العلم يرفض فكرة وجود خالق، إنه خائف من السخرية والإهانة إذا ما أيقن وجود إله وراء إنشاء الكون بأسره، فتراه كلما اصطدم بظاهرة غريبة وبديعة، يجنح إلى الصمت كي لا يكشف هوانه أمام طرف أقوى منه ولا يراه رأي العين.

غريب هذا الإنسان، يقبل من نظيره ابتكار آلة أو جهاز معقد كحاسوب فائق الإتقان، ويمتنع عن الاعتقاد كونه مخلوقا.

غريب هذا الإنسان، ينبهر لمعجزات الطبيعة وجمالياتها وعظم الأحياء، ويتعجب من إبداعات الظواهر والعناصر وتعقيد الحياة وجبلتها الخلاقة، ويعترف بضعفه بداعي الدقة المتناهية لأنظمة الآيات الكونية وهوانه أمام الشيخوخة والموت، غير إنه لا يبصر مطلقا حتمية وجود خالق.

غريب هذا الإنسان، يتقبل العيش في شك دائم وسط وابل من التساؤلات من دون إجابات تربكه وتؤرقه، لدحر الاعتقاد القائل بتأتّي مجمل الظواهر من عمل خالق لها.

بقلم الكاتب


أستاذ و مترجم

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

أستاذ و مترجم