مع كل عملٍ أدبي نقرؤه يتكرر تساؤلنا: "هل اللغة مجرد شكل أو وعاء لصب الحكاية أم أنها جزء مهم من رؤية العمل؟ وهل يكتب الكاتب حين يكتب بلغته أم بلغة الرواية وما تحويه من فضاءات مكانية وأزمنة متداخلة ومستويات متعددة من الخطابات الفكرية؟
وأظن أننا نحتاج لطرح تلك الأسئلة عند مطالعة رواية "وادي الدوم" للكاتب علاء فرغلي، لقد كانت اللغة بطلًا في الحوار الذي وقف في منطقة وسطى بين اللهجة البدوية الفصيحة وبين الفصحى التي اتُّفق عليها، وهذا يطرح مرة أخرى تساؤلاتنا حول المساحات المشتركة بين (الفصحى) الرسمية، و(فصاحة) اللهجات المنبثقة عنها، بالإضافة إلى تعدد مستويات اللغة في الرواية بما يخدم مساحات التخييل.
اقرأ أيضاً ملخص رواية أماريتا للكاتب عمرو عبد الحميد واقتباسات من الرواية
ملخص رواية وادي الدوم
بداية من العنوان كعتبة أولى لقراءة النص "وادي الدوم" الذي يمكن قراءته على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول هو استدعاء "وادي الدوم" كمكان حقيقي يحيلنا عليه الكاتب في أحداث روايته، لإصراره على إبداع مكان موازٍ للمكان الحقيقي الموجود بالاسم ذاته على الحدود المصرية الليبية.
أما المستوى الثاني هو أن المادة المعجمية التي ينتمي إليها "الدوم"، وشجرة "الدوم" المشهورة بأن من يأكل منها ليس صاحبها فقط، بل أبناؤه وأبناء أبنائه إلى ما شاء الله، دليلان كلاهما يدعم فكرة الاستمرار والديمومة لهذه الأرض، وهذه الثقافة بمرجعياتها المختلفة.
والمستوى الثالث هو التركيب اللغوي لـ "وادي الدوم" الذي خدم إطار رؤية العمل، فالوادي بما يمثله كأصل مصري ممتد في عمق التاريخ، و(الدوم) كنبات معمر لآلاف السنين يأكل منه صاحبه، ينبت أساسًا في وادي الدوم غرب أسوان بنحو 200 كم، كلاهما أكد ما عُنيت به الرواية من رصد التركيبة الأصلية لهذا البلد.
العلامة الثانية: شاهين
وشاهين هو الشخصية الرئيسة في الرواية، وهو أصل "الدومة" ومؤسسها، ويمثل به الكاتب الجنس العربي الخالص غير المُهجَّن، نجده أحياناً يأتي معرفاً لأنه اسم علم لشخصية روائية.
أحياناً يضيف إليه (الـ) التعريف ليدل به على الصقر، ليدعم سمو هذا الجنس العربي الذي تؤصل له تلك الشخصية، لذا لم يكن من الغريب أن يكون عمله دليلاً في الصحراء يعرف الطريق "كان دائماً بين مقدمة الأنصار والأمراء يقول فيفعلون، وحده كان يميز بين آثار قدم الرجل والمرأة، وبين البكر والثيب، والشيخ والشاب، والأعمى والبصير.
وفي تأويل آخر فهو أحد أشهر أنواع الصقور، وما يدعمُ أصالةَ تلك التركيبة وتعاليها عدم النزول على (الجيف) بكل تأويلاتها.
العلامة الثالثة: من أدوار الحوار في "وادي الدوم"
أدى الحوار في رواية "وادي الدوم" بعض الوظائف الفنية الإضافية التي تتجاوز وظائفه التقليدية كمنح المتلقي خلفية عن بعض الملامح النفسية للشخصيات، أو تخفيف وتيرة السرد، وربما يُعَدُّ أداةً سحرية لتكثيف عالم الرواية المتشعب، والمتعدد الأبعاد والقراءات والطبقات، ومن تلك الوظائف التي أدَّاها في رواية "وادي الدوم":
الوظيفة الأولى: دور مونتاجي تكثيفي
أدى الحوار في تلك الرواية غالباً دوراً تكثيفياً زمنياً، فبه استطاع الكاتب ضغط اللحظة السردية، وكنزها بما يبتغي ويريد من رؤًى وإشارات، فاستطاع بواسطتها فقط لا غير أن يرصد عمق التباين بين الثقافتين الأوروبية والعربية:
"وحين انتهى اللقاء وخلدوا إلى فُرُشِهم، تجرَّع الكولونيل ما تبقى من زجاجته، قال:
المهدي سيغزو بلادكم يا شاهين...
ظنَّ الشاهين أنَّ الخمر ذهبت بعقله، فقال بنبرة ساخرة، لا تخلو من رجاء:
إن شاء الله يغزو بلادكم أنتم، ونأخذ نساءكم جواري...
أطلقت الأجنبية ضحكة خليعة، نعس الشاهين على أصدائها يحلم بيوم يصير قائداً في جيش المهدي، ويفتح بلاد الخواجات، فتصير الأجنبية الملوّنة سبيّة في غنائمه، وحين استيقظ فرك المني المتيبس في إزاره واستحم في عين ماء يدعونها (المرّة)". صـ 45
فالحوار هنا على سبيل المثال أضفى تكثيفاً زمنياً، فمن حال لقاء المهدي، إلى حال الاستعداد إلى الخلود للنوم مروراً بالوقت الذي قضوه في شرب الخمر، وضحكة الأجنبية، ثم نوم شاهين تصاحبه تلك الضحكة، وتجلي الأجنبية له في حلمه، ما يؤدي إلى احتلامه، واغتساله من ذلك، وفرك المني الناتج عن ذلك.
فعلى مستوى السرد لم تتجاوز الأحداث السابقة فقرة من الرواية وجملتين حواريتين كان لهما أثر بالغ في إنجاز تصوير تتابع تلك الأحداث، إضافة إلى دور الحوار في الإضاءة على براءة الشاهين، وعلى مرجعيته المعرفية التي يحتمي بها.
وأضاء الحوار كذلك على ما يختزنه الدوم -بكل دلالاته- من حمولات ذات رؤى، من خلال جملة حوارية مكثفة بين (الشيخ مهود) وبين شاهين مؤسس الدومة:
"الدوم نفسه طويل، ثلاثون عاماً يمد جذوره إلى جوف الأرض حتى ينهل من معينها الذي لا ينضب، أما الفياش خفيف، جذوره ضعيفة لينة، إن لم يجد ريّة في أوانها سقطت حياته ميتة حول السيقان". صـ 43
الحوار هنا يشير إلى القيمة المضافة لإعادة قراءة الفضاءات الدلالية للدومة كعلامة لغوية تختزل الكثير من صفاته ومن صفات أهله، وعلاقة ذلك بأصل العرب الممتد... إلخ.
ويضيء الروايةَ حوارٌ مكثفٌ للغاية مليءٌ بدلالات تشير إلى أن العلم دواء ناجع لمواجهة أي فكرة متطرفة في كل زمن، وإلى علاقة العلم بالدين في المجتمع كذلك، وثنائية نور العقل ونور القلب في حوار تتقافز فيه الرؤية دوماً للأمام في تكثيف شديد، وإشارات دالة للغاية:
" سبحان الله.. هؤلاء يريدون وجه الله يا شيخ مهود؟
الله لا يريد تنقطع في الجبل وتقطع نسلك لتعبده يا شاهين، الله يريدك تعمّر أرضه، ولو كانت الأرض مظلمة والنور في قلب الجبل الله يريدك تنير المظلم وتعمّر الخراب.
هذا ذنب يدخل النار يا سيدي؟
يا أخي كل واحد يرى الجبل من ناحية ولا يعرف ما وراءه؟ أريد أبعث المأمون ليتعلم". صـ 139
فالعبرة ليست بالنور والظلمة فقط كمعادلين موضوعين مستهلكين للعلم ونقيضه، وإنما المقصود هنا هذا التفاعل بين تلك العلامات "الأرض، النور، الظلمة، الخراب، النار، الرؤية، الجبل، التعلم" مع الوضع في الحسبان ما تحمله كل علامة من الدلالية، وما ينتجه التفاعل من فضاءات جديدة تحمل أسباب ديمومة هذه التفاعلات.
اقرأ أيضاً رواية أرض زيكولا.. أشهر روايات عمرو عبد الحميد
أحداث رواية وادي الدوم
كما أسهم الحوار في "وادي الدوم" في تكثيف كثير من المشاهد بما أدَّاه من أدوار تبادلية مع الحكي داخل الفعل السردي، فأحياناً كان يمنحنا الإشارة معتمداً على الحكي للإضاءة وممهداً له، كما هو في الشاهد الآتي على سبيل المثال:
"يجيب بوسنة:
نعم، أنا كنت مع الشيخ مهود.
لا تكن مثلهم بعبوص يا شاهين، وربي أهمّلك.
أنت حبيبي يا مهود، تهمّل حبيبك؟
وأسلاف أسلافي، كيف عثرت عليها؟
وأسميت الصحراء هناك أبو بلاص".
بين الفصحى الرسمية، وفصاحة اللهجة:
"حدثوني كما حدثتم سليمان، فيقول الشاهين:
كأنك اتخبلت وتقول خراريف.
أحب الأباخيش.
تحب الحشرات والسحالي؟
كما تحبون الزرازير والشحيم.
هذي طيور نظيفة وشهية لا تؤذي..
وهذي الأباخيش جميلة وطيبة". صـ 141
"الخائن خائن نفسه، لا خائن الغزاة والمغاوير، أنا أفتدي ربعي، تريدون أترككم تجلدون الصبايا، وتأخذون البعير". صـ 125
تبتغي رواية "وادي الدوم" للكاتب علاء فرغلي صوغَ خطاب معرفي ينسحب على الماضي ويشتبك بتأويلاته مع رصد الحاضر ومحاولات رصد واستشراف المستقبل من خلال خلق نموذج مصغر من مجتمع صحراوي متعدد الأصول والأفكار.
يؤسس فيه "شاهين/الشخصية الرئيسية" واحة الدوايمة أو "الدومة" التي لا تمثل مدينة فاضلة، بقدر ما تمثل مجتمعاً بِكراً يتناسب تأسيسه وشخصية "شاهين" كمعادل موضوعي للنموذج العربي الصافي غير المُهَجَّن في إحدى القراءات، ما يدعم ذكره أحياناً معرفاً بذاته كاسم علم، وأحياناً بـ(الـ) وكأنه اسم جنس.
ورغم أن الكاتب علاء فرغلي لم ينسج في روايته الصادرة مؤخراً عن دار العين ثيمة جديدة، واعتمد على التضفير بين عدة ثيمات تستند إلى فكرة بناء المجتمع البدائي الرائق.
وكذلك اختيار الصحراء كفضاء مكاني ظهر من قبلُ -كبطل- في عدة تجارب روائية لدى عبد الرحمن منيف وإبراهيم الكوني وميرال الطحاوي وغيرهم، رغم ذلك كله استطاع الكاتب أن ينتج محاولة جادة لإنجاز خطاب خاص تصدره الرواية بتفاصيلها الصغيرة، وتشابكات شخوصها، وحركة الزمن فيها، بأداء سردي مرن مختزلٍ للتواريخ.
حملت الرواية إشارات دالة على ضرورة إعادة استقراء معطياتنا العربية الخالصة بالعودة إلى طريق "شاهين" الذي يعمل (دليلاً) للقوافل، يمرُّ عليه الأوروبيون فيرشدهم بما يعلم، ويمر عليه من يحمل وَهْم الخلافة، فيسير معهم وينفذ الإجراءات التي تعجزهم عن العودة إلى الدومة مرة أخرى.
ويبقى شاهين وحده من يعرف الطريق بكل ما يحمله من تأويل، بيد أن المعرفة هنا غير احتكارية، فبعض أبناء الدومة بالتدريج عرفوا الطريق، بل مهدوا الطرق المؤدية إلى الدومة، بما يعيد إنتاج الأسئلة المتعلقة بالموروث وطاقته الاعتدادية، وبين التواصل مع الآخر.
تتخذ الرواية من العام 1988 (وقت إقامة مصر لدورة الألعاب الإفريقية) نقطة مركزية تنطلق منها إلى استقراء الماضي ببعده التأريخي، ما دعم ناتج الرؤية المعنيِّ بإعادة إنتاج التاريخ لأزماته، مع إضفاء شيء كبير من الحيوية على الحدث الروائي، وإمكانية التأريخ لكل من الشخصيات التي تظهر تباعاً في أول فصلين من الرواية.
غيرَ أن توازي أغنية عمرو دياب في دورة الألعاب الإفريقية في هذا العام "بالحب اتجمعنا" مع ما ترصده الرواية من قلاقل على الحدود الإفريقية للشمال الأفريقي العربي أنتج عدة مفارقات بين صورة المتن في هذه الدول وصورة هامشها المتفاعل مباشرة مع تفاصيل حياة (الدوايمة).
ولدعم فكرة الحتمية التاريخية جاءت عدة أفعال في الرواية استباقية استشرافية، برَّرها الكاتب باعتماد تقنية (الراوي العليم)، لكنها دعمت الصيرورة التي تنتجها هيمنة الصحراء على الفعل البشري الواقع فيها، وقدرتها على اختزال الزمن بكل ما يحويه من أزمنة متداخلة، ومن حكايات ذات طابع تدويري تكراري، فنجد استباقاً لما سيسرده، وكأن الرواية منذ البداية تراوغ في أن هدفها إعادة إنتاج (الحكاية) لا أكثر، فنقرأ على مدار الرواية:
"لن يفرط الخواجة بفرصته، سينكب، سيجتلب ما يقوله الخواجة سعادة الشيخ حرب، .... إلخ"، لكن يبقى المقطع الكامل المتصل الأكثر دلالة في ظني على فكرة إعادة إنتاج الأزمات الفكرية في عالمنا العربي باختلاف المسميات:
"وسيظل تخلو مديناً يتعهّد مقامه بالرعاية ويذود عنه بروحه، وحينما سيهدم السنوسيون المقام باعتباره "شركيات" ويزيلون شاهد قبره سيقف لهم تخلو كحصاة بين إصبعي القدم حتى يحبسونه، وسيعيد بناءه بعد رحيلهم بخشب السنط والكافور.
ويعيد إليه العمامة التي ستطير بين النواصب الصخرية والجروف ويشاهدها الكافة، وسيقبل الجنيهات الذهبية التي سيمنحها له السيد حسن طنبور إسهاماً في بناء المقام وتقرباً من أهل الدومة".
صـ 166، فرواية الأحداث بزمن المستقبل هنا تدور في فلك إثبات حتمية التاريخ، وإعادة دورته وإن اختلفت المسميات، وإعادة إنتاج تطبيقات أفكار بعينها.
و"وادي الدوم" ذاته كدالّ حَمَل دلالات زمكانية، فالدوم في الأصل هو نبات معمر لآلاف السنين، لا يأكل منه صاحبه فقط، بل تأكل منه الأجيال القادمة، وكذلك فإنه يحمل في جذره اللغوي معنى الديمومة، ولعل الإشارة هنا إلى المكان الواقعي تدعم اعتناء الرواية بفكرة الجذر.
وفي الوقت ذاته فـ "وادي الدوم" مكان حقيقي يقع في جنوب مصر، على بعد 200 كم غرب أسوان، لقد راوغ النص بوقائعية المكان على المستوى المعرفي، وتخييله على المستويين المتعلقين بالوجدان والرؤية.
وانطلاقاُ من فكرة الديمومة وإعادة الإنتاج نجد الرواية تُعنى بإشارات رهيفة لإعادة إنتاج الخلافات التاريخية للمسلمين، والتي تتعلق طول الوقت بسياقات صياغية في الأساس، فنقرأ مثلاً:
"كتب بوسنة النبأ، ثم أسلم الدفتر إلى الشيخ المهدي، وكان أكبر الدوايمة عمراً وأحسنهم كتابة وأحفظهم للقرآن، وفي ولايته على الدفتر شهدت صفحاته أول خلاف بين طرفين حول تدوين واقعة بين سطوره.
إذ كتب المهدي "طلَّق عبد الله ابن الشيخ المهدي ابنة عبد رب النبي" فأراد الأخير كتابتها "تطلَّقت ابنة عبد رب النبي من عبد الله ولد الشيخ المهدي". صـ 133، ما يحيلنا على الاختلافات الصياغية اللغوية على مدى تاريخنا.
وما أنتجته من اختلافات في صياغة الفكرة، وبالتالي صياغات التواريخ والمصائر، ابتداء من الخلاف بين المسلمين في السقيفة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، أو فتنة الخلافة بعد قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والتي كانت قائمة بالأساس على الاختلاف حول صياغة الفعل بعد قتل عثمان، من (تقديم/ تأخير) كلا الأمرين، إما اختيار خليفة، أو الانتقام لدم عثمان.
والدفتر في الفقرة السابقة هو "دفتر الصاير"، وربما يحيلنا إلى متون تاريخية صاحَبَتها أزمات تدوينية لها علاقة وثيقة بحركة الأزمنة في الرواية ككل.
وانتقال تدوين التاريخ تبعاً لتحرك موازين القوى بين البلاد، وتوقف التدوين فيه في نهاية الرواية بما يحمله هذا التوقف من إشارات إلى فقدان الأمل أحياناً في التاريخ كآلية لحفظ القيمة، كالربط على سبيل المثال في ذلك المقطع بين بذرة الإنسان وبذرة شجرة الدوم كمعادل موضوعي لعمق تاريخي لهذه الأرض:
"وعندما ستصير بذرة الدوم التي سيغرسها شاهين في طرف الجبل القبلي نخلة ولادة لجيلين أو ثلاثة، سيعود أسناو على رأس جيش إنجليزي كبير" صـ 33.
كذلك عدّت الرواية بعض الممارسات المتولِّدة عن تصورات دينية هزليةً، سواء أكانت فيما يخص العبادات، أو فيما يخص التصور العقلي للدين، كامتهان عدة أطراف متصارعة فكرة المهدي المنتظر كمخلص.
من منظور تواكلي يعتمد أمارات وصفات شكلية، أو تاريخ مولد يحتمل التأويل "إذ أعلن فيهم سيدي (محمد المهدي) ابن السنوسي الكبير مهدياً منتظراً، وخليفة لآخر الزمان، وافق سن بلوغه غرة محرم لألف وثلاثمئة هجرية. أبوه محمد وأمه فاطمة، أقنى الأنف، أجلى الجبهة".
وغيره من النماذج التي ادعت المهدوية، واستند معظم أصحابها في ذلك إلى تأويل النص الديني.
يبرز الكاتب خلافات العرب طول الوقت، خلافاتٍ تتعلق بالصياغة ابتداء لتنتج اختلافات ضخمة في صياغة الفكرة، وبالتالي تعدد صياغات التواريخ والمصائر.
دفتر الصاير بما يحيلنا إليه من متون تاريخية وما يصاحبها من أزمات تدوينها، وعلاقة هذا الدفتر بحركة الأزمنة في الرواية ككل..
تبز الرواية الأزمات التي ينتجها التدين الشكلي وفكرة بناء المآذن وإن كان ذلك على حساب قلع النخيل من جذوره، وترك بيوت الجرف دون مصدات للريح والتراب، كانتصار لفكرة الشكل على حساب المضامين الأساسية والغايات والمقاصد العليا للشريعة من حفظ النفس والمال.
يحيلنا الكاتب إلى حرب فلسطين منذ سبعين سنة أو يزيد (حرب فلسطين).
اهتمت الرواية بإبراز شواهد حتمية المستقبل
كما نجده مثلاً في صـ 32:
"ستتعلق برقبة الشاهين وتضمه إلى صدرها، وتمنحه قبلة حارة أمام ربعها بلا خجل، فتفتح سماء جديدة لحكاياته، ستجب حكايات الصحراء والريح والرمل تحت سقيفة الدومة فيما بعد".
أو في صـ 33:
"وعندما ستصير بذرة الدوم التي سيغرسها شاهين في طرف الجبل القبلي نخلة ولادة لجيلين أو ثلاثة، سيعود أسناو على رأس جيش إنجليزي كبير حاكماً لكل هذه القارة، وسيتذكر الشاهين ورحلته القديمة ويضحك مجلجلاً ويوصي به مرؤوسيه".
وكذلك في صـ 37 فكرة التنصيص:
"... وحينما ستلتئم جلسة الأشياخ تحت السقيفة الكبيرة، بعد نحو خمسين عاماً في ذات المكان، سيسألهم الشاهين بروح غائبة:
تدرون ما كانت أول كلمة تلف في هذا الوادي.. كانت سبحان الله! فتتعالى التسبيحات والتكبيرات إجلالاً للبركة".
وفي صـ 43:
"الدوم نفسه طويل، ثلاثون عاماً يمد جذوره إلى جوف الأرض حتى ينهل من معينها الذي لا ينضب، أما الفيّاش خفيف، جذوره ضعيفة لينة، إن لم يجد ريته في أوانها سقطت حياته ميتة حول السيقان!".
وفي صـ 45:
"إذ أعلن فيهم سيدي "محمد المهدي" ابن السنوسي الكبير مهدياً منتظراً، وخليفة لآخر الزمان. وافق سن بلوغه غرة محرم لألف وثلاثمئة هجرية. أبوه محمد وأمه فاطمة، أقنى الأنف، أجلى الجبهة".
لذا كان من الطبيعي أن يكون الاتكاء على فكرة المهدي المنتظر كمخلص، من منظور تواكلي بامتياز، معتمداً على أمارات لا تتعدى الصفات الشكلية، وتاريخ ميلاد قابل للتأويل، ولعل هذا هو ما يدعم تناول الرواية لفكرة التأويل عبر انشغالهم بإجابة سؤال غير مهم، عن كيفية علم سليمان بغياب الهدهد، ويبقى السر سنوات طويلة مع المأمون ابن شاهين، ليكون في النهاية واهياً للغاية.
الرواية تعد سقوط السقيفة نموذجًا عربيًّا له دلالاته التاريخية صـ67:
"وقعت المنارة يا إخواننا"!
وفي نفس الصفحة
"نعم يا سيدي وقعت المنارة واحترقت السقيفة. وتهدم التماثيل" كوصية من المرأة الغربية الملونة" نقطة إشعاع مركزية تنتج التساؤلات حول فكرة النموذج الحضاري، مع احتفاظ كل نموذج بخصائصه، فنجد على سبيل المثال الحاج أرنولد، الذي أصر على إنكار كرامة مهود صاحب المقام، وفضله في إسقاط طائرة وإحراق قائدها.
ملخصات روايات قد تعجبك
وعلى منصة جوك يمكنك الاطلاع عزيزي القارىء على ملخصات كتب وملخصات روايات قد توفر عليك الوقت في قراءة الرواية كاملة مثل ملخص رواية "دون كيشوت".. للكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس، وملخص رواية "الحب المحرر".. روايات رومانسية ،و ملخص رواية "في قلبي أنثى عبرية" لخولة حمدي.. روايات رومانسية
وفي الختام، نتمنى أن تكون قد استفدت عزيزي القارىء من هذا المقال الذي قدمنا فيه ملخص رواية وادي الدوم وإلى لقاء آخر وملخص رواية آخرى على منصة جوك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.