رواية "مع أرصفة الثقافة في القاهرة".. روايات عربية

هذه حكاية كثيرًا ما أترنم بها في المجالس، أرويها كما تروى حكايات أبي زيد الهلالي في جلسات السمر، حكاية رصيف عشت معه سنوات في القاهرة، سمعت فيه حكايات لا تنسى، ومآسي يحزن لها كل عاشق للكتب، ويحمد لله أقداره التي أتت به لهذا الرصيف قبل إخوانه الذين يتسابقون إليه كل صباح..

هذا الرصيف يكاد يشمل القاهرة بطولها وعرضها، لن تعدمه في معظم ميدانيها المزدحمة على هامش الحياة اليومية في القاهرة، فإذا توجهت لجامعة القاهرة وجدت أمام باب كلية الآداب رصيفًا مزينًا بمئات الكتب.

فيها خلاصة مكتبات بيعت بعد وفاة أصحابها، أو لأزمة مالية ألمت بهم، أو لأسباب أخرى يعرفها المخالطون لباعة الكتب، عرفنا على هذا الرصيف مطبوعات بولاق النادرة، والمطبعة السلفية، والمنار، ومجلة الرسالة، والشروق، والنهضة القديمة، وكثيرًا من مطبوعات جديدة ساقها القدر إلينا على هذا الرصيف، واقتنينا روايات نجيب محفوظ كاملة أو تكاد في طبعات مكتبة مصر ذات اللوحات الفنية الجميلة.

وبه تأثر وجداني وقلمي، فما كنت أشد تأثرًا بكاتب مثله، وما احتفيت بحرف مثل حرفه، التقيته لأول مرة في «ليالي ألف ليلة» ثم في صحراء «أولاد حارتنا» وبعدها في «حكايات حارتنا» ثم رائعته التي مثلت ذروة تأثري به «الحرافيش» فكانت لحنه الأدبي في نفسي، ثم عايشت ثلاثيته فترة متنعمًا بأحسن حوار كتبه نجيب في رواية له؛ فقد مثلت السكرية أعظم شكل للحوار عند نجيب من وجهة نظري.

وعنده وجدت رائعتيّ طه حسين «المعذبون في الأرض» و«دعاء الكروان» وبهما تأثرت، وحاولت نسج بعض الحكايات على نغمة البؤس البادية فيهما، وصادفت عنده لأول مرة مؤلفات أحمد أمين، فقرأت له أول مرة آخرَ كتاب في سلسلته التاريخية العقلية لتاريخ المسلمين «يوم الإسلام» وفيه خلاصة كتبه فجر الإسلام وضحاه وظهره، والطيب صالح، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وسعد مكاوي، ومحمد المنسي قنديل، ومحمود تيمور، وغيرهم.. وأعمال مفكرين عظام عرّفنا إليهم قراء ومثقفون وأساتذة بالجامعة كانوا يتسابقون إلى الرصيف كل يوم، فعرفنا علي شريعتي في معظم أعماله.

فقرأت له «النباهة والاستحمار» و«العودة إلى الذات« وفيهما وجدت «مالك بن نبي» صورة حيّة وراء النص، ومحمد باقر الصدر في طبعات أعماله البيروتية، ومعظم أعمال المسيري، وجلال أمين في جُل عناوينه، ومئات من العناوين، اشتريناها كلها من هذا الرصيف.. وعلى هذا الرصيف حدثت حكاية لولا أنها تركت في نفسي أثرًا عظيمًا وحسرة لا تكاد تفارقني، لقلت أضغاث أحلام.

ففي ظهر يوم جامعيّ جاء بائع «الروبابيكا» لعمّنا الكتبي صاحب الرصيف، ومعه (أجولة) ملأى بكتب يظهر من أغلفتها البنية، أنها ضاربة في القدم، وأنها نوادر ساقها الله إليهم من طريق لا نعلمه.

وقد كان.. مئات من مطبوعات لجنة التأليف والترجمة في كل فن تقريبًا، لو بيعت في مزاد لبلغت آلاف الجنيهات، حاولت عبثًا أن أشتريها بكل مدخراتي، ولكني لم أفلح، واشتراها تاجر معروف في سور الأزبكية العامر! وما حزنت لكتاب فاتني مثل هذه المرة، فقد كانت مكتبة العمر والأحلام، ساقها القدر لبائع «الروبابيكا»!

فإذا رغبت في المزيد وسرت قليلًا حتى باب الأورمان، وجدت على الرصيف المجاور، المواجه لتمثال أحمد شوقي، كتبًا تنادي عشاقها، كأنها تقول شعرًا، مختالة وكأن شوقي لم يزل متغزلًا بها حتى عزّت نفسها على التراب، وبينها تجد أعمالًا وعناوين نادرة لا تختلف عن أخواتها على الرصيف المجاور عند كلية الآداب، وقد اقتنينا منها بعد لأيّ تاريخ الإمام محمد عبده، وأعدادًا نادرة من سلسلة عالم المعرفة، وكتبًا كثيرة في تاريخ الأدب، وبعض كتب الفلسفة..

أظنك يا صديقي لا زلت مفتونًا بصباح القاهرة، وحياة الأرصفة التي يغفل عنها الناس، لو كنت كما أظن فسر معي حتى ميدان الدقي، دقائق تتفكر فيها في كل تلك الكنوز، لم أحدثك أنا عن حكايات الكتبية كل صباح حينما يستأنسون بطلتك مع أشعة الشمس، فتجد منهم المثقف الذي يداوم على القراءة منذ عشرات السنين.

ويحكي لك قصة فلان الذي باع مكتبته تحت وطأة الفقر، وذاك الفيلسوف الذي كان يحضر إليه كل صباح، وهذا الأديب المعروف الذي كان مجاورًا عنده حتى مماته، حكايات تكتب في الكتب يا صديقي والله..

قد وصلنا لرصيف «عم حسان» في ميدان الدقي، أكوام هائلة من الكتب، بجوارها رجل عجوز، لا تخفى عنك ابتسامته الجميلة، وكأنها شيء أصيل بقي من عالم الجمال الغائب عن النفس البشرية منذ زمن، وعنده لن تعدم ما يشتهيه عقلك، فعناوينه أكثر من أن تحصى، وقد عرفته متأخرًا، ولكني عرفت عنده أعمال الجابري، وبعض الأعمال الأدبية والتاريخية التي يعز على الذاكرة إحصاؤها..

وعلى امتداد شارع التحرير، بالتحديد عند محطة مترو البحوث، رصيف صار مآلًا لكثير من تصفيات دور النشر الكبرى، وعلامة شاهدة على مشاريع بحثية نُكبت لأسباب تختلف باختلاف أصحابها، وكثيرًا ما تجد عنده إصدارات المركز القومي للترجمة، ومنها اقتنيت نادرة أحمد حسن الزيات المترجمة «رفائيل» للامرتين، وهو من أثر الترجمة الباقي، الذي يحكي لك قصة أقلام قلّما يجود الزمان بمثلها.. 

تلك أرصفتي التي داومت على زيارتها في معظم صباحاتي، حتى عرفني أصحابها، وعرفتهم، ومنها كونت معظم مكتبتي، ولا تندهش يا صديقي أني اشتريت معظمها بأسعار زهيدة، هامشية كما هو وجود أصحاب الأرصفة على هامش الحياة.

وإن كانت هي كل ما أملك في يومي، فما تجاوزت خمسين جنيهًا لعنوان قط، إلا في المطبوعات النادرة التي عز وجودها في أي مكان، فإذا كان لنا صباح جميل آخر، فانهض يا صديقي وزر أرصفتي تلك، وانعم بلذة هي نعيم الدنيا الأبقى والأجمل، فما لنا غير الكتب نستأنس بها وننهض بها..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة