15 ديسمبر سنة 1992، تقف سيدة يبدو أنها تَبلغ الخمسين من عمرها وحدها أمام منزلها ضامة ذراعيها إلى صدرها.. تَنظُر أمامها إلى الشارع الطَويل الفَارغ من المارة بتيه كأنها مُشتتة.
حتى قاطع شرودها رجلٌ يقول:
- سيدتي هل يمكنني أن أفعل شيء للمساعدة، أي شيء؟!
نظرت إليه وهي تَهُز رأسها يمينًا ويسارًا لِتُفيق نفسها ثم قالت مترددة:
- لا، شكرًا.
أخذ ذلك الرجل بالانسحاب إلى الخلف تدريجيًّا وهو يضحك بغرابةٍ شديدة أمامها مباشرة، ضحكةٌ مرعبةٌ جعلت تلك السيدة تقول بخوف وصدمة:
- يا الهي! توقف، من أنت؟!
ظل يتراجع وهو يضحك حتى انسحب واختفى تاركًا تِلك السيدة في صدمة.
****
أن يحظى المرءُ بعائلة دافئة سوية تُعينه على وعثاء الحياة، تُلملم شتات أمره، تكون ركنه الهادئ الذي يلجأ إليه عندما ينهار العالم خارجًا.. وصديق صدوق صادق الوعد يشد أزره، بل إنه أقرب ليكون أخًا قريبًا، يكون كهارون إلى موسى.. أعتقد أن هذا أفضل شيء قد يحظى به المرء في حياته.
31 ديسمبر سنة 1990، في إحدى ليالي الشتاء الباردة.. تتساقط الثلوج لتغطي الأشجار وحواف الطرقات.
يستعد الجميع للاحتفال برأس السنة الجديدة، الجميع يحمل ألعابًا نارية، الجميع خارج المنزل.. الازدحام شديد.. الجميع سعيد في مدينة ماترهورن، لكن...
بعيدًا عن المدينة وصخبها، وتحديدًا داخل مستشفى ماترهورن للأمراض النفسية، يمكث الطبيب توماس صاحب الثلاثين ربيعًا وحيدًا في مكتبه ويشعر بالملل، لكنه كان يفضل ذلك الشعور عن التواجد في صخب المدينة...
كُل ما يفعله هو الجلوس على مكتبه المقابل للباب ينتظر أحدهم ليدفعه ويلقي عليه أحداثه.. في الأيام العادية لا يأتي كثير من الأشخاص إلى هذا المكان، قد يأتي فرد بين الحين والآخر.
لكن تلك الليلة كانت استثنائية!
لم يشعر الطبيب في تِلك الليلة بالملل، فقد دفع ذلك الباب ثلاثة أشخاص على أوقات متقطعةٍ عكس المعتاد.
بدأت ليلته مبكرًا عند السابعة، كان يجلس رافعًا قدميه على المكتب مسترخيًا على كرسيه، حاملًا هاتفه ويتصفحه.
وقبل أن يتدارك الأمر.. وجد الباب يدفع لينكشف عنه فتاة تبدو في السابعة عشرة من عمرها، وما أكثر اضطرابات ذلك العمر.
كانت رفيعة البنية ذات شعر مُسترسل إلى كتفيها.. ترتدي سروالًا ضيقًا من الجينز رسم حدود ساقيها، ومعطفًا بني اللون.
حاول سريعًا إنزال قدميه والاعتدال في جلسته ثم ارتدى نظارته التي تضفي بعض الكبر على وجهه الطفولي.
تسأل لماذا؟
حتى يشعر المرضى بجدية الحديث مع شخص خبير.
لم يكد ينتهي من جلسته حتى بادرته قائلة:
- رفع القدمين على المكتب في أثناء العمل ليس تصرفًا مهذبًا!
أجاب متعجبًا:
- معك حق!
قالت بحزن:
- أنا غارقة في أفعال لا أدري أنا المخطئة في فعلها أم لا.
استفهم قائلًا:
- كيف لا تعرفين أنك المخطئة في فعل أم لا؟
أجابته:
- يا دكتور، أنا مجرد مرآة صنعت بواسطة الآخرين!
لم يجب الطبيب بل بدا عليه التعجب فأكملت الفتاة:
- كنت أسير وأفكر بأمر ما فارتطمت بسيدة فأفقت من شرودي وقلت لها آسفة، لكنها وبَّختني على ذلك.
برَّر الطبيب:
- لا بأس في ذلك، نصادف تلك المواقف كل يوم!
قالت وهي كاظمة كثيرًا من الحزن وبعض الغضب:
- يا دكتور استمع إليَّ هذه المرة، لا تقاطعني كما يفعل الجميع!
اندهش الطبيب قائلًا:
- حسنا، أكملي!
أكملت قائلة:
- أكملت طريقي حتى وصلت إلى أصدقائي، ما هي إلا دقائق حتى صرنا داخل أحد المطاعم، هنا بدأ الجميع في طلب وجبته.. كثير من الطعام الدسم المليء بالزيت.. لم أستطع أن أطلب فقلت للنادل هل يوجد طعام غير ذلك؟
"وكيف يحب الإنسان شيئًا قد يضره؟!".
استوقفها الطبيب مستنكرًا:
- لا تخبريني أنك ذهبتِ إلى مطعم للوجبات الجاهزة وتريدين طعاما آخر!
أجابته بغضب مكتوم:
- أنا لم أنتبه لهوية ذلك المطعم.
ثم أكملت:
- هنا نظر إليَّ النادل بدهشة وصمت، وهنا وجدت صديقتي تهمس في أذني ألا أحرجهم وأن أطلب أي شيء. فقلت لا أستطيع أن أطلب ذلك، فصرخت بي عاليًا "إذن لماذا أتيتِ معنا؟!".
اكتفى الطبيب بالنظر إليها؛ فلا شيء يقال، فأكملت:
- خرجت من المطعم على الفور كمن ألقي بسهم في صدره.. سهم من صديق! عدت إلى البيت فوجدت أمي التي وبَّختني قائلة:
- أنتِ تهملين دراستك وتخرجين كثيرًا، وبعض من هذه الكلمات. فانفجرت هنا بوجهها قائلة:
- أنتم لا تعرفون شيئًا سوى الدراسة، كل يوم الدراسة، أنتم تملكون أتعس حياة على هذه الأرض، الجميع مريع في هذه الحياة.. للأسف والدتي كانت الشخص الذي أُلقي أمامه قنبلة موقوتة.. ثم ذهبت إلى غرفتي وظللت أبكي.
قال الطبيب:
- يبدو أنه لم يكن يومًا جميلًا!
أوضحت قائلة:
- ليس اليوم بل الأشخاص، بعد تفكير كاد يقتلني لم أتحمل الجلوس في غرفتي، فهربت من النافذة وسرت شاردة حتى قابلتني هذه المشفى فقلت أدخل، ولمَ لا؟!
أجابها الطبيب:
- أنتِ على ما يرام، عليكِ فقط الاهتمام بالهالة من حولك وأهمهم الأصدقاء، فإن الصاحب ساحب، وإذا تحسنتِ سوف تتحسنين!
أوجست في قلبها استنكارًا لذلك الرد، ولم تضف شيئًا بل اكتفت بشكر الطبيب وغادرت المكان، ليرتخي توماس على الكرسي مجددًا.
****
لاحقًا عند التاسعة، كان يجلس توم معتدلًا هذه المرة ويتصفح هاتفه قبل أن يسمع دقًّا خافتًا على الباب كأنه حذر.
أطفأ الهاتف وارتدى نظارته ثم نادى عاليًا:
- تفضل!
هنا فتح الباب قليلًا كأنه كان مواربًا.. ثم وجد رأس رجل يبدو في الخمسينيات من عمره تخرج من خلف الباب ويقول:
- هل المكان نظيف هنا؟!
أجاب الطبيب متعجبًا:
- نعم يا سيدي!
هنا دَفع الباب ودَخل فتبين للطبيب أن ذلك الرجل كان يمسك قبضة الباب الخارجية بمنديل ثم أزاحه وأمسك بالمنديل نفسه القبضة الداخلية قبل أن يغلق الباب خلفه.
توجه العجوز بعدها إلى الطبيب فأشار له الأخير بالجلوس..
هنا أخرج معقمًا يرش وضعه على الكرسي ثم مسحه بمنديل قبل جلوسه، بعد انتهائه من ذلك أمام نظرات دهشة من الطبيب جلس أخيرًا.
بادر الرجل قائلًا:
- أنا لا أعرف حقًّا هل أنا مريض أم لا!
أجابه الطبيب:
- إذن، ما الذي دفعك إلى هنا؟
أجابه بحزن:
- زوجتي!
أجابه الطبيب:
- لا بأس حين ينصحنا المقربون بزيارة الطبيب، قد يشاهدون شيئًا نحن لا نراه في أنفسنا.
اندفع العجوز قائلًا:
- أنا أظن أنها هي من يجب أن يأتي إلى هنا!
لم يجب الطبيب على هذا؛ فقد أظهرت عيناه من الدهشة ما عجز عن قوله.
فأكمل العجوز:
- أنا دكتور ميكروبيولوجي، وأعلم جيدًا عن تلك الكائنات الدقيقة التي لا نراها بأعيننا المجردة، وأعلم ما أضرارها لو أصيب الفرد بها.
قال الطبيب:
- حسنًا، أكمل دكتور....، لم يكن يعرف اسمه بعد.
أجابه العجوز:
- مارتن.
أكمل الطبيب:
- أكمل دكتور مارتن.
قال مارتن:
- عندما كانت تخرج صغيرتي للعب مع صديقاتها في حديقة البيت الأمامية كنت أرى عوادم السيارات الملوثة وغبار الأرض الذي يملأ مجرى تنفسهم باستمرار، منعتها من الخروج واللعب إلا في أوقات محددة.
قال الطبيب:
- لا بد أنها تضايقت من ذلك.
أجاب مارتن بسرعة:
- نعم فعلًا، رغم أن هذا في مصلحتها.
ثم أضاف مارتن:
- كنت أشتري لها ألعابًا كثيرة لتبقى في البيت، لكنها كانت ترفضها أيضًا، وعندما علمت والدتها التي منعتها هي الأخرى من الخروج إلا لشراء الأشياء الضرورية غضبت هي الأخرى وأخذت الطفلة وغادرت البيت وتركتني وحيدا!
قال الطبيب:
- لا بد أنك ذهبت لتعيدها.
أجابه مارتن:
- نعم فعلت، اشتريت بعض الكمامات وذهبت إليها عند عائلتها، لكنها رفضت وقالت لي إنها لن تعود حتى أصبح شخصًا طبيعيًّا.
قال الطبيب:
- لماذا أخذت الكمامات معك سيد مارتن؟
أجابه:
- حتى ترتديها في أثناء عودتنا، ألا تعلم كم الميكروبات في الهواء أيها الطبيب؟!
أجابه الطبيب:
- أعلم سيد مارتن، لكن أريد أن أخبرك بشيء ما.
استفهم مارتن عن ماهيته فأجابه الطبيب:
- سوف تمكث معنا بعض الوقت حتى نقوم ببعض الفحوص الأخرى.
أجابه مارتن بلا مبالاة:
- حسنًا لا بأس، فأنا دون منزل حاليًا!
اندهش الطبيب قائلًا:
- ماذا؟! أين ذهب بيتك؟
قال مارتن:
- لقد أخبرت زوجتي أن تعود مع صغيرتي وتمكث في البيت وسوف أغادر أنا حتى أجد حلًّا لهذا الأمر، وها أنا دون بيت.
حاول الطبيب التخفيف عنه قائلًا:
- هذه لفتة طيبة حقًّا، ولكن لحسن الحظ لدينا غرف رائعة هنا.
استفهم مارتن:
- هل هي نظيفة؟
أجابه الطبيب ضاحكًا:
- بالطبع هي كذلك.
ثم أطلق الطبيب جرسًا فجاء أحد الممرضين ليأخذ مارتن إلى غرفته، حاول إمساكه من يده فصاح مارتن:
- لا تلمسني، سوف أسير أمامك!
غادر الاثنان، ثم أزال توم نظارته وفرك عينيه وتنهد قائلًا:
"وكيف للإنسان أن يكره من يخاف عليه وينصحه؟".
****
عند الحادية عشرة، كان يظن توم أن يومه انتهى ولن يأتي أحد بعد الآن، فقد جاء اثنان في بضع ساعات وهذا غريب، فكان يجلس مسترخيًا يقرأ أحد الكتب النفسية.
كان يقرأ فقرة تقول:
- الإنسان عندما يتعرض لموقف لا يستطيع عقله تصديقه.. هو فقط من يعرف حقيقته ولا يصدقه فيه أحد، يبدأ في الضحك بردة فعل غير إرادية لذلك الموقف، وتختلف حدة الضحك من شخص لآخر، تبدأ بالابتسام وأقصاها الضحك حتى الاختناق.
حتى قاطع ذلك دخول رجلين من الشرطة وبرفقتهما شخص ذو جسد كبير وهامة مرتفعة ووجه بريء طفولي لا يتماشى مع ذلك الجسد وما به قوة، ذو شعر بني قصير.
قال له أحد الرجلين:
- لقد أبلغت عائلته عنه قائلة إنه مريض نفسي وشديد الخطر على المجتمع، وأخبرتنا أن نأخذه إلى مستشفى الطب النفسي، إنه يدعي جيم.
كان الطبيب لا يزال حاملًا الرواية وينظر مندهشًا بلا حركة، لكنه تدارك الموقف وأغلق الرواية وارتدى نظارته قائلًا:
- حسنًا اتركاه هنا وانتظرا خارجًا، لا تدخلا حتى أطلق الجرس.
قال أحدهما محذرًا:
- قد يكون من الأفضل أن ننتظر هنا، فهو شديد الخطر.
أجاب الطبيب بجدية:
- أنا أعلم ذلك.
ما هي إلا لحظات من حرب الأعين حتى أفلتاه وخرجا من المكان تاركين الطبيب رفقة جيم.
لحظات من الصمت قبل أن يبادره جيم وهو ينظر أرضًا وهو يفكر بعمق:
- كيف للمرء أن يهرب من حياته؟!
اندهش الطبيب قائلًا:
- عفوًا سيد جيم؟
رفع جيم رأسه قائلًا:
- أنا لا أملك حياة.
شعر الطبيب أنه أمام حالة فريدة من نوعها فقال:
- يمكنك أن تخبرني ما حدث معك سيد جيم.
قال جيم بهدوء:
- حياتي كذبة صنعها الآخرون، أنا لا أعلم لمِ أنا في هذا العالم.
قال الطبيب مستفهمًا:
- حسنا، كيف حدث ذلك؟
أضاف جيم:
- أبي ليس أبي، إنه فاشل كبير، لا يفعل شيئًا سوى شرب الكحول وإلقاء أخطائه عليَّ وحدي.. أمي ليست أمي، دائمًا تجبرني أن أعمل خادمًا لرعايتها هي وطفلتيها وإن رفضت تضربني بشدة.
استفهمه الطبيب:
- إذن لماذا جاءوا بك إلى هنا؟
أجابه:
- لأنني أحاول أن أكون شخصًا طبيعيًّا.
بدا على الطبيب أنه لم يصدق هذا فقال:
- حسنًا سيد جيم، سوف تمكث معنا قليلًا حتى نتمكن من إجراء مزيد من الفحوص.
حينئذ بدأ جيم يضحك قائلًا:
- أنت لا تصدقني، صحيح؟
ثم أخذت حدة الضحكة ترتفع تدريجيًّا أمام نظرات دهشة من الطبيب..
هذا ما كان يقرأه الطبيب منذ قليل.. تلك ردة الفعل تجاه شيء ما لا يعرفه أحد سواه.. هل جيم فعلًا صادق؟
أطلق الطبيب على الفور الجرس، ما دفع الرجلين إلى الدخول، فقال لهما الطبيب:
- رافقوه إلى إحدى الغرف ليهدأ قليلًا.
بالفعل أخذا جيم دون أي مقاومة.. بل كان هادئًا صامتًا ينظر إلى الطبيب.. كانت نظراته تحكي الكثير.
ما هي إلا لحظات حتى أمست الغرفة هادئة مجددًا وبات الطبيب وحيدًا يفكر في ما حدث قائلًا:
- "وكيف للمرء أن يكره عائلته؟".
متلازمة الضحك pseudobulbar: تتضمن الضحك أو البكاء غير المنضبط، فهي تمثل استجابة أعلى من المتوقع في أثناء حدوث الموقف، أي هي اضطراب يوحي أن الشعور الذي يحدث داخليًّا هو أقل بكثير مما يقوم به الشخص عند التعبير عن مشاعره خارجيًّا، أي الضحك في المواقف الحزينة وهو خارج سيطرة الفرد ومن الصعب إيقافه بمفرده.
*****
لاحقًا عند الثانية عشرة.
بين حال وحال.. بين من يلهو خارجًا بالألعاب النارية ومريض لا يفارق غرفته.. بين شاب يركض مسرعًا فرحًا يحتفل قد مر بجوار عجوز جالس على كرسي لا يستطيع حركة.. بين حر يجلس بين أربعة جدران مع عائلته وآخر بين أربعة جدران أيضًا لكنه ليس حرًّا لاختلاف الضوابط والأحكام فهو سَجِين..
يمكث جيم مقيدًا داخل غرفته المظلمة تمامًا، المحاطة بطبقة إسفنجية من كل مكان.. شاهد باب الغرفة يُفتَح ليظهر له أنه أحد الحراس ليبادره جيم قائلًا:
- هل حانت نهايتي يا لويس؟
أجابه لويس غاضبًا:
- أنا لا أحب هذه الغرفة، ولا أعرف لمَ عليَّ التعامل مع هؤلاء الحمقى المجانين؟
لويس النحيل ذو الطول الملفت.. ذو الوجه الطويل والشعر الأشقر، الذي يعمل حارسًا لغرف مشفى ماترهورن للطب النفسي.
اقترح جيم:
- إذن لماذا لا تترك هؤلاء الحمقى وتعمل في مكان آخر؟
كلمات جعلت الحارس لويس غاضبًا أكثر.. لم يجد سوى الدخول إلى الغرفة ثم وقف أمام جيم ولكمه بقوة!
لكمة جعلت جيم يفترش الأرض..
ثم قال:
- لو عثرت على عمل غيره لتركته فورًا!
أخذ جيم يضحك بقوة على أثر تلك اللكمة، أشبه بالهيستيريا لدرجة أنه لم يستطع التوقف!
نظر إليه لويس وهو في هذه الحالة ثم قال:
- سيبدأ مجددًا!
رغم الضحك الشديد استطاع جيم أن يلتقط بعض نفسه ليقول:
- الذكريات مستمرة!
لم يفهم لويس من ذلك شيئًا.. اكتفى بالتوجه إليه ودفعه بشدة لينهض وهو لا يزال يضحك إلى أن تمكن منه.
أخذ الاثنان في السير خلال ممر طويل وعلى الجانبين غرف مغلقة تبدو أنها غرفة جيم.. غرف بها كثير من الأشخاص يحملون كثيرًا من الأسرار..
ظلَّا يسيران في الممر، وكان لويس عابس الوجه يدفع جيم الذي كان يضحك بهستيريا أمامه ليسرع حتى انتهى الممر بغرفة..
فتح لويس بابها سريعًا وهمَّ أن يدفع جيم داخلها فقال له الأخير وهو لا يزال يضحك:
- سوف تدفع ثمن ذلك!
لم يُبدِ لويس اهتمامًا لذلك، فقد دفعه ليسقط جيم أرضًا ثم أغلق الباب مباشرة دون اكتراث لكلام جيم.. بالكاد هنا استطاع جيم أن يخفف حدة الضحكات قليلًا، ثم استقام ونظر ليجد أنه توجد نافذة كبيرة زجاجية مقابلة للباب الذي دخل منه على شكل مستطيل، وثلاثة أشخاص بالغرفة معه!
تأمل حال كل واحد منهم..
وجد الأول يقف أمام النافذة بلا حركة، أما الثاني فيجلس في زاوية الغرفة اليمنى لجيم بلا حركة، في حين يقف الأخير في الجهة اليسري ويصدم رأسه بالحائط الإسفنجي باستمرار!
توجه جيم إلى النافذة ونظر بقلبه لا بعينه!
عندما شاهد ما يحدث خارجًا من ألعاب نارية واحتفالات برأس السنة وكثير من الهتافات، دمعت عيناه وتلألأت، كأن بعض طفولته مرَّ أمام عينيه.
وهنا جاء فلاش باك إلى جيم ليتذكر قليلًا من ماضيه..
اليوم نفسه منذ زمن، كأن رأس السنة يتكرر لكن أمام نافذة أخرى.. كان جيم الطفل يقف أمام زجاج النافذة الأمامي في بيته يشاهد تلك الألعاب النارية التي يفرح بها ويستأنس لها قلبه، حتى كانت والدته تقاطع فرحته وتسحبه من ملابسه وتذهب به إلى غرفته تاركة إياه داخلها بين ثنياتها المظلمة الصامتة.
انتهى الفلاش باك..
التفت جيم إلى الذي يقف بجواره وكان رجلًا يبدو عليه التعاسة.. رجلًا قد زهد الحياة، فبادره جيم:
- ماذا تفعل هنا؟!
أجابه بلا حركة:
- أتأمل مرور حياتي بصمت وكأنها لا تعنيني!
اكتفى جيم من حديثه سريعًا ثم التفت مجددًا إلى الألعاب النارية وظل يحدق بها مدة عشر دقائق إلى أن قاطعه صوت الباب وهو يفتح ثم دخول الحارس لويس..
أمسك الأخير جيم قائلًا:
- هذا يكفي اليوم، سوف تعود إلى غرفتك الهادئة المظلمة. ثم ضحك بعض الضحكات السخيفة.
هنا عادت نوبات الضحك إلى جيم في أثناء نقله خلال الممر عائدًا إلى غرفته مجددًا.. دفعه لويس داخل الغرفة ليسقط جيم أرضًا مجددًا ولكنه التفت ونظر إلى الباب وهو يغلق ببطء.. إلى النور وهو يختفي تدريجيًّا.. هنا تزامن في عين جيم مشهد والدته ولويس وهما يغلقان الباب..
كأنه الشخص نفسه، كأنه الباب نفسه، كأنه مشهد واحد لكن في أماكن مختلفة، لكن نتيجته واحدة وهي ترك جيم وحيدًا حزينًا داخل الظلام!
التفت لويس ليغادر قائلًا:
- أكره العمل هنا.
****
لم ينم أحد بعد، الجميع لا يزالون يحتفلون في المدينة حتى بدا أن المدينة لن تغفو تلك الليلة.
في أثناء فترة المرور الليلية، عند الثانية صباحًا، كان الطبيب توماس يمر على مرضاه رفقة لويس في جولة تفقدية على أحوال مرضاه.
بدأت الجولة بغرفة مارتن، طرق الطبيب الباب وفتحه ووقف على حافته ينظر فوجد مارتن تقوقع على السرير في زاوية الغرفة ضامًّا ركبتيه إلى صدره ويمسكهما بيديه.
صاح مارتن عند مشاهدة الاثنين:
- لا أحد يدخل، أنا بخير!
علم الطبيب أنه ما زال لم يتخلص من ذلك الخوف.. خوف الميكروبات الدقيقة.. وكيف لا وهو أبحر حد الغرق في ذلك العلم.
فقد يفسد فهمك الدقيق والعميق للحياة عليك حياتك، فدع لنفسك متسعًا للتغافل المقصود لتسلم.
طمأن الطبيب مارتن بعدم دخوله وهو على الباب قائلًا:
- يسعدني أنك بخير سيد مارتن، هل تريد شيئًا؟
أجابه بسعادة:
- لا، المكان نظيف هنا وهذا يكفي!
ابتسم الطبيب ثم أغلق الباب وغادر المكان بعد الاطمئنان على مارتن.
الغرفة التالية كانت لمريض كثر وجوده في الحياة.. كثرت نماذجه.. صدمته الحياة فلم يتحمل فيئس.. كانت لمريض يعاني من القلق، لذلك طلب الطبيب من لويس أن ينتظر خارجًا.
ما هي إلا لحظات حتى سمع لويس صراخًا عاليًا جعله يهم أن يقتحم الغرفة ظنًّا منه أن الطبيب قد حدث له مكروه.
لكن هنا.. خرج الطبيب وأغلق الباب خلفه بسرعة قائلًا:
- ما زال يحتاج قليلًا من الوقت.
ثم أضاف الطبيب:
- عندما يشعر الإنسان أنه ذو قامة ومكانة عالية وعلم كافٍ يا لويس، يسقط في خطأ ساذج يصنع منه أحمق لا يفقه شيئًا.
استفهم لويس:
- هل هذا أحد ألغازك الجديدة؟
أجابه بضجر:
- كان يجب أن أنظر لصاحب القلق من الخارج ولا أدخل!
كل ما كان يجول في ذهن لويس هو الصراخ وسببه. فأجابه الطبيب:
- حالته غير مستقرة بعد، ظن أنني جئت لأقتله.. حاولت تهدئته فصاح عاليًا حد الموت.. إذا انتظرت لحظات لمات قلقًا!
استهزأ لويس قائلًا:
- أنا لا أعرف ما أصاب هؤلاء غير أنهم قد فقدوا عقولهم.
****
الغرفة التالية كانت لجيم.
طرق الطبيب الباب ولويس كان يقول:
- آمل أن تكون ميتًا أيها المريض.
فتح الباب لينكشف فراغ الغرفة.. ظن الطبيب أنه يجلس القرفصاء في إحدى زوايا الغرفة المظلمة.. لكن سرعان ما تبينت له الحقيقة الصادمة.
المريض النفسي جيم ليس موجودًا داخل غرفته!
هنا صدم لويس فاقتحم الغرفة مسرعًا هلعًا في أنفاس مضطربة ينظر في الأركان حتى استيقن الأمر ليتجمد الدم في عروقه خوفًا على جيم..
في ظاهر الأمر قد يبدو لك خوف لويس على المرضى وحرصه عليهم، لكن في باطنه مريع وهو خوفه على وظيفته التي سيفقدها على أثر ذلك الحدث.
لم يكن أمام لويس خيار غير تقبل حقيقة اختفاء جيم من الغرفة!
هكذا بعض الأشخاص، عند وقوعهم في مسألة في نظرهم شديدة لا يعرف ما العمل تجده هشًّا تقوقع في مكانه بلا حركة خوفًا من تقبلها..
تسأل ما وصفتك لهذا؟
هو عضو صغير بحجم قبضة اليد ذو غلاف تاموري يحيط به يمكث في صدرك جهة اليسار قليلًا.. نعم إنه القلب
ذلك العضو يجب أن تقيه من فِتن الدنيا ما استطعت.. اسلبه حب التعلق بمغريات الدنيا ليسلم فتسلم.. له ما يشحنه إيجابًا أو سلبًا وأنت المسؤول عن الواردات، فإن تمكنت منه فهنيئًا لك الوصول.
استدل على هذا بفأر وُضع في إناء زجاجي كبير ممتلئ بالماء إلى منتصفه، الإناء زجاجي وكبير حتى لا يستطيع الفأر القفز خارجه، الفأر لم يتحمل سوى 15 دقيقة قبل أن يستسلم للغرق.
عندما كاد يغرق أُخرِج وجُفف ثم تُرك بعض الوقت ليستريح ثم وضع مرة أخرى في الإناء!
الإناء نفسه، الماء نفسه، المأزق نفسه.. لم تتغير العوامل المحيطة به لكنه رغم ذلك صمد 60 ساعة وليس دقيقة!
قد يكون فطن لشيء، أو أدرك شيئًا.. لكن الأكيد والمؤكد أن إيمان القلب في الأولى ليس كالثانية!
إيمانه بوجود من سينقذه بعد حين. وأضيف شيئًا أخيرًا لعلك لم تلاحظه وهو مدى ارتباط القدرة الجسدية بالحالة النفسية وهي طردية!
فكلما أيقنت بوجود ضوء في نهاية النفق ركضت إليه مسرعًا، وكلما ذهب بصرك عنه تباطأت.
أما لويس فقد قرر المواجهة والتحرك فخرج سريعًا من الغرفة وصاح عاليًا:
- أغلقوا الأبواب.. أطلقوا جرس الإنذار.. لقد اختفى جيم.
****
لحظات قليلة حتى انتشر الحراس كالجراد في كل ركن من أركان المشفى، وتم فحص كل غرفة لكن لا وجود لجيم بعد..
حتى بلغ أحد الحراس لويس في اللاسلكي الذي يحمله خبرًا يقول:
- لويس.. هناك آثار أقدام على الثلج في الخارج!
خرج لويس مسرعًا رفقة بقية الحراس ليجد آثار أقدام على الثلج تتجه إلى المشفى، أي أنها قادمة من الغابة المحيطة بها وهذا غريب فلم يدخل أحد المشفى عن قريب..
لكن علي أية حال قرروا تقفي تلك الآثار عكسيًا، فورًا انطلق الحراس خلف لويس الذي هرع وراءها.. لا يعرف ما سيقبل عليه.
بعيدًا قليلًا داخل الغابة على بعد عدة أمتار من المشفى، وصل الرجال إلى نهاية الآثار ونهاية الغابة أيضًا..
كان هناك طريق سفر طويل انتهت عنده الآثار والغابة، ذلك الطريق أضاف إلى حيرتهم شكًّا..
هل نزل أحد من سيارة وعبر الغابة؟ أم هناك شخص تائه عبر من هنا؟
أم هو جيم يتلاعب بهم؟
لم يجد لويس سبيلًا غير العودة والإبلاغ عن هروب المريض النفسي جيم أو بعبارة أخرى "مفقود".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.