رواية مبضع الظل: قصة طبيب جراح في فخ تجارة الأعضاء

تُعد الجرائم الطبية وما يرافقها من انتهاكات أخلاقية، وتحديدًا ظاهرة تجارة الأعضاء، من أخطر القضايا التي تهدد المجتمعات الحديثة. في هذه القصة المشوقة التي تحمل عنوان (مبضع الظل)، نغوص في أعماق صراع نفسي وأخلاقي يخوضه طالب طب عبقري وجد نفسه محاصرًا بين واجبه المهني لإنقاذ الأرواح وحاجته الماسة لإنقاذ والدته.

تظهر هذه الرواية القصيرة بأسلوب أدبي وعلمي دقيق كيف يمكن للظروف القاسية أن تدفع الإنسان إلى حافة الهاوية، وكيف ينتصر الضمير الإنساني في النهاية على جشع الشبكات الإجرامية، ما يقدم تحليلًا عميقًا لسيكولوجية الجريمة والانتقام.

الجزء الأول: مبضع الظل

يقولون إن يَد الجرَّاح يجب أن تكون ثابِتة كالرخام، باردة كالفولاذ، وعيناه كعيني صقرٍ لا يطرف له جفن في مواجهة الموت. لكن أحدًا لم يخبرني ماذا يحدث حين يهتز الضمير أسفل رداء الرحمة الأبيض، وحين يُمسي ذلك المشرط اللامع أداةً لسرقة الأرواح بدلًا من مداواتها. في العتمة التي تبتلع أطراف المدينة، حيث لا صوت يعلو فوق صرير الآلات الطبية ورائحة «الفورمالين» الخانقة، تختفي الأسماء، وتتلاشى الوجوه، وتتحول الأجساد البشرية إلى «قطع غيار» تُباع وتُشترى في سوق النخاسة الطبية لمن يملك الثمن.

هناك، في ذلك القبو السري، التقت حاجتي الماسة لإنقاذ حياة أمي المريضة بجشع أولئك الذين وثقت بهم يومًا واعتبرتهم ملائكة على الأرض. هذه ليست مجرد قصة عن الجريمة، بل هي رحلة صبي فقير دخل محراب الطب حاملًا أحلامًا نقية، فابتلعه مستنقع الظلال، واضطر لخوض لعبة «القط والفأر» مع جزارين يرتدون معاطف الأطباء.

معركة لم أكن أملك فيها مسدسًا أو درعًا، بل عقلًا جراحيًا، ومشرطًا ملوثًا، ونبضًا زائفًا كان عليَّ تعليقه بين الحياة والموت لأنجو. اربطوا أحزمتكم... فالخط الفاصل بين الشفاء والقتل أرفع مما تتخيلون، والغوص في عوالم «مبضع الظل» سيبدأ الآن من الشق الجراحي الأول.

الفصل الأول: مشارط مستعارة

كانت رائحة «الفورمالين» والموتى في مشرحة الكلية هي الشيء الوحيد المجاني في حياة يوسف. وقف الشاب ذو الأربعة والعشرين عامًا أمام الجثة الممددة على الطاولة المعدنية الباردة. أصابعه، رغم هزال جسده الناتج عن سوء التغذية، كانت ثابتة كالرخام وهي تمسك بالمبضع. أجرى شقًا طوليًا دقيقًا في صدر الجثة، متجاوزًا الأنسجة بسلاسة أثارت إعجاب زملائه المتجمعين حوله، والذين كان معظمهم ينتمي إلى عائلات أرستقراطية تضمن لهم مقاعدهم في المستشفيات الكبرى بمجرد التخرج.

قال الدكتور رفعت، أستاذ الجراحة التخصصية، وهو يربت على كتفه بنبرة تحمل إعجابًا مغلفًا بالشفقة: «ممتاز يا يوسف، يد جراح وُلد ليكون عظيمًا، لكن العظمة تحتاج إلى ما هو أكثر من الموهبة».

خرج يوسف من قاعة التشريح وغسل يديه طويلًا. نظر إلى انعكاس وجهه في المرآة؛ الهالات السوداء تحت عينيه تحكي قصة السهر بين المذاكرة والعمل في نوبات ليلية بائسة في صيدلية الحي. في جيبه، تقبع رسالة الطرد النهائية من إدارة الجامعة: «يرجى تسديد المتبقي من الأقساط الدراسية (خمسة آلاف دولار) في موعد أقصاه نهاية الأسبوع، أو ستُحرم من الامتحانات النهائية ويُشطب قيدك».

لم تكن الجامعة مشكلته الوحيدة. والدته في البيت تحتاج إلى جرعة الكيماوي القادمة لعلاج السرطان، وهي جرعة يفوق ثمنها كل ما جناه في حياته.

في تمام الحادية عشرة ليلًا، كان يوسف يغلق باب الصيدلية مستعدًا للمغادرة، حين توقفت سيارة سوداء ذات زجاج داكن تمامًا عند الرصيف. ترجل منها رجل ضخم الجثة، يرتدي معطفًا ثمينًا يخفي ملامحه.

سار الرجل بثقة نحو يوسف وقال بنبرة منخفضة وحازمة: «أنت يوسف؟ الطالب الأول في قسم الجراحة؟»

تراجع يوسف خطوة إلى الخلف متوجسًا: «نعم... من أنت؟ لقد أُغلقت الصيدلية».

ابتسم الرجل ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه، وأخرج من جيبه مظروفًا ورقيًا سميكًا، وضعه مباشرة في يد يوسف المرتجفة. فتحه يوسف بذهول؛ كانت حزمًا من الأوراق النقدية الخضراء من فئة المئة دولار. ما لا يقل عن عشرة آلاف دولار.

سأل يوسف والدم يتراجع من وجهه: «ما هذا؟».

أجاب الرجل وهو يفتح باب السيارة الخلفي: «هذا ثمن موهبتك لليلة واحدة فقط. لدينا مريض يحتاج إلى جراح ماهر وكتوم. جراح لا يسأل عن الأسماء، ولا يهتم ببطاقات الهوية. يدك الثابتة مقابل إنقاذ مستقبلك ومستقبل والدتك. اركب».

تطلع يوسف إلى المظروف في يده. تذكر وجه والدته الشاحب، وتذكر رسالة الفصل من الجامعة. علم غريزيًا أن خلف هذا المال هاوية سحيقة، لكنه علم أيضًا أنه ليس لديه خيار آخر للنجاة.

أطبق يوسف أصابعه على المال، وحبس أنفاسه، ثم ركب في المقعد الخلفي للسيارة، التي انطلقت بسرعة جنونية شاقةً عتمة الليل نحو المجهول.

الفصل الأول

الفصل الثاني: المبضع الملوث

توقفت السيارة في منطقة صناعية مهجورة عند أطراف المدينة. أُنزِل يوسف بسرعة ووُجِّه نحو قبو سري أسفل مصنع تعليب قديم. بمجرد دخوله، فوجئ بأن المكان من الداخل لا يشبه المستودعات؛ لقد كان مجهزًا كغرفة عمليات جراحية متكاملة، لكنها تفتقر إلى النظافة القياسية للمستشفيات، وتفوح منها رائحة قوية للمعقمات الممزوجة بالرطوبة. على الطاولة المعدنية، كان هناك شاب غائب عن الوعي بفعل مخدر موضعي أو كلي، مكبَّل اليدين والقدمين بسلاسل حديدية.

قال الرجل الضخم، وهو يشير إلى حقيبة أدوات جراحية معقمة موضوعة جانبًا: «هذا هو مريضك. نريد الكلية اليمنى. نظيفة، سليمة، وخلال أربعين دقيقة فقط».

تجمد الدم في عروق يوسف. اتسعت عيناه وهو ينظر إلى الشاب المكبل، ثم إلى الرجل الضخم الذي أخرج مسدسًا مزودًا بكاتم صوت ووضعه بهدوء على طاولة قريبة.

هتف يوسف بصوت متهدج، وقد ملأ التراجع خطوته: «أنا... أنا طالب طب! أخبرتني أنه مريض بحاجة إلى إسعاف! هذه جريمة... هذه تجارة أعضاء!»

اقترب الرجل من يوسف حتى شعر ببرودة أنفاسه، وقال بنبرة هادئة ومخيفة: «المال الذي في جيبك الآن هو ثمن كفن والدتك وثمن مستقبلك الدراسي إذا رفضت. لن تخرج من هنا حيًّا لتلعب دور البطل الأخلاقي. أمامك خياران: إما أن تخرج جراحًا غنيًّا، وإما أن تخرج جثة بلا أعضاء. اختر الآن».

شعر يوسف بدوار شديد. نظر إلى الشاب الممدد، ثم تذكر رسالة الفصل، وتذكر وجه أمه المريضة وهي تسعل دمًا. لقد ابتلعه المستنقع بالفعل، ولم يعد هناك طريق للعودة.

بيدين مرتجفتين، ارتدى يوسف القفازات الطبية العازلة، وأمسك بالمبضع. اقترب من جسد الضحية. أخذ نفسًا عميقًا، وفي تلك اللحظة، تحولت رجفة يده إلى ثبات غريب، ثبات وُلد من رحم الرعب المحض.

حدد موضع الشق الجراحي في الخاصرة اليمنى. ضغط بالمبضع، فتدفق الخط الأحمر الأول. طوال الأربعين دقيقة التالية، عزل يوسف عقله تمامًا عن الواقع. تعامل مع الجسد البشري كآلة، متجاهلًا أنه يسرق حياة إنسان آخر. قطع الأنسجة، وربط الأوعية الدموية بدقة متناهية، واستخرج الكلية بنجاح مذهل أثار دهشة المساعدين الموجودين في الغرفة.

وضع الكلية في الصندوق المبرد المخصص لها. وبينما كان يرتق الجرح لإغلاقه، تحركت يد الضحية فجأة فاستعاد الشاب وعيه قليلًا بفعل ضعف التخدير. فتح الشاب عينيه ببطء شديد، ونظر مباشرة إلى وجه يوسف المخفي خلف الكمامة الطبية.

لم ينطق الضحية بكلمة، لكن نظرته كانت كافية لتنحفر في ذاكرة يوسف إلى الأبد. نظرة استجداء ممزوجة بالرعب.

انتهت العملية. أخذ يوسف حقيبته وخرج إلى ليل المدينة البارد وهو يشعر أنه لم يعد الشخص نفسه. لقد أنقذ مستقبله المهني، لكنه لوث يده التي أقسم يومًا أن يداوي بها بني البشر.

الفصل الثالث: قناع الطبيب

لم ينم يوسف دقيقة واحدة في تلك الليلة. كانت نظرة الشاب الضحية تطارده في عتمة غرفته، ويداه اللتان غسلهما بالماء والصابون عشرات المرات ما زالتا تبدوان له ملطختين بالدماء. في الصباح الباكر، توجه إلى إدارة الجامعة. دفع المبلغ المتبقي من الأقساط والدموع تكاد تفرُّ من عينيه. كان المال الذي أنقذ مستقبله هو نفسه المال الذي باع به روحه. ثم توجه مباشرة إلى المستشفى الجامعي لبدء نوبته التدريبية، محاولًا التظاهر بأن كل شيء طبيعي.

دخل يوسف إلى مكتب الدكتور رفعت لتسليمه تقارير المرضى اليومية. كان الدكتور رفعت يجلس خلف مكتبه الخشبي الفخم، يرتدي معطفه الأبيض الناصع، ويستمع إلى موسيقى كلاسيكية هادئة وهو يرتشف قهوته الصباحية بكل وقار.

قال الدكتور رفعت دون أن يرفع عينيه عن الأوراق أمامه: «أهلًا يا يوسف. سمعت من إدارة الكلية أنك سددت أقساطك اليوم. أنا سعيد لأجلك، كنت قلقًا أن نخسر موهبة جراحية مثلك بسبب المال».

شعر يوسف ببرودة مفاجئة تجتاح جسده. كيف عرف الدكتور رفعت بالأمر بهذه السرعة؟

قبل أن يجيب، التفت الدكتور رفعت بكرسيه ونظر إلى يوسف بابتسامة غامضة، ثم فتح درج مكتبه وأخرج منه شيئًا وضعه على الطاولة. لقد كان المبضع الخاص بيوسف، المبضع المحفور عليه الحرف الأول من اسمه الذي نسيه ليلة أمس في القبو السري فوق طاولة العمليات!

توقف قلب يوسف عن النبض. تراجع خطوة إلى الوراء، وضاقت الأنفاس في صدره.

قال الدكتور رفعت بنبرة هادئة ورزينة، تمامًا كأنه يشرح درسًا في قاعة المحاضرات: «لقد أبهرتني ليلة أمس يا بني. عزل الأوعية الدموية خلال أربعين دقيقة فقط في تلك الظروف البدائية... إنجاز لا يقدر عليه إلا جراح عبقري. كنت أعلم أن يديك لن تخذلاني».

تمتم يوسف بصوت مخنوق: «أنت... أنت من يقف وراء ذلك المستنقع؟ أنت رئيسهم؟»

ضحك الدكتور رفعت ضحكة قصيرة وباردة، وقال: «رئيسهم؟ لا يا يوسف، أنا مجرد رجل أعمال ينقذ أرواح الأثرياء الذين يملكون المال، مستخدمًا «قطع غيار» من أشخاص لا قيمة لهم في هذا المجتمع. نحن لا نقتلهم، نحن فقط نعيد توزيع النعم!»

وقف الدكتور رفعت واقترب من يوسف، ثم وضع يده على كتفه بقوة، وقال: «أنت الآن واحد منا يا يوسف. دخلت الغرفة، وأمسكت بالمبضع، وأخذت الثمن. إذا فكرت في إبلاغ الشرطة، فتذكر أن اسمك وتوقيعك الجراحي موجودان على جثة الشاب الذي نزعت كليته بالأمس. أنا من يحميك الآن... وأنا من يمكنه محوك من الوجود».

شعر يوسف بأنه محاصر داخل شبكة عنكبوت عملاقة، وأن الأستاذ الذي كان يراه ملاكًا للرحمة، ليس سوى جزار يرتدي معطفًا أبيض.

الفصل الرابع: لعبة الثعالب

انحنى يوسف برأسه إلى الأسفل، متظاهرًا بالانكسار التام أمام نظرات الدكتور رفعت الفاحصة. في تلك الثواني المعدودة، شعر يوسف بأن عقله يعمل بأقصى سرعة ممكنة، تمامًا كالعقل الذي يدير جراحة حرجة لإنقاذ مريض من الموت. أدرك أن الخوف والرفض يعنيان نهايته ونهاية والدته، وأن المواجهة المباشرة مع رجل ذي نفوذ مثل رفعت هي انتحار محض.

رفع يوسف عينيه، ورسم على وجهه ملامح الاستسلام الممزوج بالطمع: «أنا... أنا لم أكن أتوقع أن تكون أنت خلف هذا كله يا دكتور. صدمتي جعلتني أفقد توازني... لكنك محق. المال غيَّر مجرى حياتي في ليلة واحدة، وأمي بحاجة إلى العلاج».

اتسعت ابتسامة الدكتور رفعت، وبدت عليه علامات الرضا وهو يعود إلى كرسيه، وقال: «كنت أعلم أنك ذكي يا يوسف. الأذكياء فقط هم من يفهمون كيف تُدار اللعبة في هذا العالم. خذ هذا التقرير، وابدأ جولتك على المرضى في القسم «أ». من الآن فصاعدًا، أنت ذراعي اليمنى في المستشفى... وفي القبو».

خرج يوسف من المكتب، وبمجرد أن أغلق الباب خلفه، أطلق زفيرًا طويلًا وهو يشعر بقلبه يقرع صدره كطبل حرب. تلاشت ملامح الاستسلام عن وجهه، وحلت مكانها نظرة حادة مليئة بالإصرار. لقد قرر ألا يكون مجرد دمية في يد هذا الجزار. سيلعب اللعبة بقواعد الدكتور رفعت، لكن لينقذ نفسه ويوقع به في النهاية.

في الأيام التالية، بدأ يوسف يتصرف كالمساعد المخلص. كان يلبي كل طلبات الدكتور رفعت، ويظهر شغفًا كبيرًا في تعلم أساليبه الجراحية. هذا التقرب سمح ليوسف بدخول مكتب رفعت الخاص بحرية أكبر، وبدأ يلاحظ تفاصيل دقيقة لم يكن يلتفت إليها من قبل.

لاحظ يوسف أن الدكتور رفعت يحتفظ بـ«مفكرة جلدية سوداء» صغيرة في جيب معطفه الداخلي دائمًا، لا تفارقه أبدًا. وفي أحد الأيام، في حين كان رفعت يجري عملية جراحية رسمية في المستشفى، وكان معطفه معلقًا في مكتبه، استغل يوسف الفرصة وتسلل إلى الداخل.

بأصابع مرتجفة، ولكن سريعة، أخرج يوسف المفكرة. فتحها ليرى صدمة جديدة: المفكرة تحتوي على أسماء الضحايا، وفصائل دمهم، والأعضاء التي نُزعت منهم، وأسماء المشترين من رجال الأعمال والسياسيين النافذين، إلى جانب تواريخ العمليات القادمة.

سمع يوسف خطوات تقترب من الممر الخارجي. لم يكن هناك وقت لنسخ أي شيء. أخرج هاتفه بسرعة والتقط صورًا لثلاث صفحات فقط من المفكرة، قبل أن يعيدها إلى مكانها بدقة ويهرب من الباب الخلفي للمكتب، والعرق يتصبب من جبينه.

عندما عاد إلى غرفته ليلًا، تفحص الصور التي التقطها. تجمد الدم في عروقه عندما قرأ الاسم المدرج في العملية القادمة بعد يومين. لم تكن الضحية شخصًا غريبًا هذه المرة... لقد كان الاسم المكتوب هو: «سارة»، زميلته في الدفعة، والطالبة المستجدة التي كانت تدين ليوسف بالفضل لأنه كان يساعدها في شرح دروس التشريح، والتي اختفت عن الجامعة منذ يومين بحجة «ظرف عائلي».

الفصل الرابع

الفصل الخامس: نبض زائف

لم يتبقَّ أمام يوسف سوى ست وثلاثين ساعة. كان يعلم أن أي محاولة لتهريب سارة من وكر العصابة قبل العملية ستكشف أوراقه فورًا، وتؤدي إلى تصفيتها وتصفيته مع والدته. كان الخيار الوحيد، والأكثر جنونًا، هو أن يترك اللعبة تسير حتى تصل إلى طاولة العمليات، وهناك سينفذ خطته.

قضى يوسف الليلة بطولها في معمل الكلية سرًّا. استخدم هويته كطالب متفوق ليدخل إلى مخزن الأدوية المخدرة والسموم. سرق أمبولات من عقار «الأتروبين» (Atropine) وعقار آخر نادر يسبب هبوطًا حادًا ومؤقتًا في ضربات القلب حتى يبدو الشخص كأنه ميت إكلينيكيًا، بالإضافة إلى مخدر قوي مخصص للحيوانات الكبيرة.

في الليلة الموعودة، تلقى يوسف الرسالة المعتادة. استقل السيارة السوداء، ودخل القبو السري. كان جسده يرتجف من الداخل، لكن ملامحه كانت باردة كالثلج.

عندما دخل غرفة العمليات، كانت سارة ممددة على الطاولة، مغيبة عن الوعي بفعل المخدر، وشاحبة كالجدار. كان يقف في الغرفة المساعد الضخم «صابر» وممرض آخر من رجال الدكتور رفعت لمراقبته.

قال صابر وهو يتكئ على الحائط واضعًا يده فوق سلاحه: «ابدأ فورًا يا دكتور. الزبون ينتظر الكلية في المستشفى الفخم في المدينة».

ارتدى يوسف كمامته وقبعته. اقترب من سارة، وتظاهر بفحص علاماتها الحيوية. غرس إبرة المحلول في يدها، لكنه بدلًا من المحلول، حقن جرعة دقيقة جدًّا من العقار الذي أحضره.

خلال دقيقتين، بدأت شاشة جهاز مراقبة النبض البدائي في الغرفة تطلق إنذارات متتالية. انخفضت ضربات قلب سارة من 70 إلى 30، ثم 20 ... حتى ظهر الخط المستقيم القاتل على الشاشة، وارتخى جسدها تمامًا.

هتف صابر وهو يتقدم نحو الطاولة بفزع: «تبًّا! ماذا حدث؟»

تظاهر يوسف بالذعر، وضرب على صدر سارة بقوة كأنه يحاول إنعاشها: «توقف قلبها! جرعة التخدير التي حقنها رجالكم قبل وصولي كانت زائدة... لقد ماتت فجأة!»

صرخ صابر بغضب: «ماتت؟! أيقظها! لا يمكن أن تموت الآن!»

قال يوسف وهو يتراجع بأسف زائف ويخلع قفازاته: «القلب توقف تمامًا، والأكسجين انقطع عن الدماغ. الأعضاء لم تعد صالحة للنقل بعد توقف تدفق الدم لعدة دقائق. إذا نقلتم كليتها الآن للزبون الثري، سيموت، وستنكشف شبكتكم بالكامل. العملية فشلت».

شتم صابر بصوت مرتفع، ثم التفت إلى الممرض: «خذ الجثة وضعها في كيس الموتى الأسود، سنرميها في الوادي المهجور خارج المدينة بعد ساعة. الدكتور رفعت سيجن جنونه».

أمسك يوسف بكتف صابر بسرعة، وقال بنبرة هادئة: «صابر، دعني أذهب معكم لأتخلص من الجثة. أنا من تسبب بموت المريضة في نوبتي بسبب فحصي الخاطئ، وأريد التأكد من عدم ترك أي أثر طبي يخصني عليها».

نظر إليه صابر بشك لبضع لحظات، ثم هز رأسه: «حسنًا... تحرك معنا بسرعة».

أُدخلت سارة في الكيس الأسود وهي بين الحياة والموت، ونبضها يكاد يكون معدومًا. كان يوسف يعلم أن مفعول العقار سينتهي خلال أربعين دقيقة فقط، وإذا استيقظت سارة أو بدأت تتنفس داخل الكيس وهي في السيارة... ستكون تلك نهايتهما فورًا.

الفصل السادس: وادي العظام

انطلقت السيارة شاقةً عتمة الليل نحو أطراف المدينة، حيث يقع «الوادي المهجور»، وهو منحدر سحيق تُلقى فيه النفايات الصناعية وجثث ضحايا العصابة التي يُراد لها أن تختفي للأبد.

جلس يوسف في المقعد الخلفي بجانب الكيس الأسود السميك. كانت الدقائق تمر كأنها دهور. وضع يده بهدوء فوق الكيس، فشعر بحركة طفيفة جدًّا؛ لقد بدأ مفعول العقار بالتراجع، وأنفاس سارة بدأت تعود ببطء. حبس يوسف أنفاسه، وضغط برفق على الكيس كأنه يثبت مكانه، ليرسل إشارة صامتة إلى سارة كي لا تتحرك.

قال السائق: «وصلنا».

وأطفأ مصابيح السيارة الأمامية لتجنب لفت الانتباه.

ترجل صابر والسائق، وفتحا الصندوق الخلفي. سحب صابر الكيس الثقيل ورماه على الأرض الجافة. التفت إلى يوسف وقال بغلظة: «احمل معنا يا دكتور، دعنا نرميها في الشق الصخري بالأسفل ونهرب قبل الشروق».

انحنى يوسف متظاهرًا بالمساعدة، وكانت يده اليمنى تقبض داخل جيب معطفه على المحقن الذي ملأه بالمخدر البيطري عالي التركيز.

في اللحظة التي انحنى فيها السائق ليرفع طرف الكيس، استدار يوسف بسرعة خاطفة وغرس المحقن في رقبة السائق مباشرة، وضغط المكبس بالكامل. لم يستطع السائق سوى إطلاق صرخة مكتومة قبل أن يترنح ويسقط أرضًا غائبًا عن الوعي تمامًا في غضون ثوانٍ.

صرخ صابر وهو يتراجع ويسحب مسدسه من حزامه: «ماذا فعلت يا لـ...!»

لكن يوسف، مستغلًا قصر قامته وخفته مقارنة بجسد صابر الضخم، اندفع نحو ركبة صابر المصابة، التي كان قد لاحظ طريقة عرجه بسببها في أثناء المشي في القبو سرًّا، وركلها بكل قوته. اختل توازن صابر وسقط على الأرض، وقبل أن يتمكن من رفع مسدسه، كان يوسف قد انقض عليه وغرس محقنًا آخر في ذراعه. قاوم صابر لثوانٍ معدودة، وعيناه تتسعان رعبًا، قبل أن يستسلم للمخدر الثقيل وينام بجانب السائق.

ارتجف يوسف وهو يقف وسط الظلام، لاهثًا، وعرقه يمتزج بتراب الأرض. أسرع إلى الكيس الأسود وفتح السحاب بسرعة. ظهر وجه سارة وهي تسعل وتحاول استنشاق الهواء بنهم.

تمتمت بصوت واهن وخائف: «يوسف؟... أين أنا؟... ماذا حدث؟»

قال وهو يساعدها على النهوض وسحبها نحو مقعد السيارة الأمامي: «اششش... لا تتحدثي يا سارة، أنا يوسف، جئت لإنقاذك. أنت بخير الآن».

وفي تلك اللحظة بالذات، وسط صمت الوادي القاتل، انطلق صوت رنين حاد.

توقف قلب يوسف. التفت ببطء ليرى هاتف صابر الساقط على الأرض يضيء العتمة. كان المتصل هو «الدكتور رفعت».

تردد يوسف، ثم تقدم بجرأة ولدها اليأس، ورفع الهاتف وضغط على زر مكبر الصوت دون أن ينطق بكلمة.

جاء صوت الدكتور رفعت عبر الهاتف، هادئًا، باردًا، وواثقًا لدرجة مرعبة:

«يوسف... بني... هل ظننت حقًّا أن عقار الأتروبين الذي سرقته من مخزن الكلية أول أمس سيخفى على أستاذك؟ وهل اعتقدت أنني سأترك صابر والسائق يخرجان بجثة دون أن أتابع موقعهما عبر نظام تحديد المواقع (GPS) في السيارة؟»

ساد صمت رهيب، لم يقطعه سوى أنفاس يوسف المتلاحقة وصوت الرياح.

تابع الدكتور رفعت بنبرة ساخرة: «لقد أبدعت في تمثيلية الموت الإكلينيكي، وأحييك على شجاعتك في تخدير رجالي. لكن اللعبة انتهت الآن. أنا أرى موقعك بدقة، وهناك سيارتان أخريان من رجالي ستصلان إليك خلال خمس دقائق فقط. أمامك خيار واحد لتنقذ والدتك: اترك الفتاة مكانها، واركب السيارة وعد إلى المستشفى فورًا... أو مت معها في ذلك الوادي».

الفصل السابع: الابتزاز المضاد

نظر يوسف إلى ساعته؛ خمس دقائق فقط تفصله عن وصول الجلادين. التفت إلى سارة الخائفة في السيارة، ثم نظر إلى الهاتف الذي ما زال ينبعث منه صوت الدكتور رفعت الواثق.

أخذ يوسف نفسًا عميقًا، ومسح العرق عن جبهته. تلاشت رجفة صوته، وحلت مكانها نبرة حادة وباردة، نبرة جراح يمسك بمشرطه ليقطع الورم الخبيث.

قال يوسف بهدوء مرعب: «دكتور رفعت، أنت أستاذي، وتعلمت منك الكثير... لكنك نسيت أنني تلميذك المتفوق، ولا أدخل عملية جراحية دون خطة بديلة».

ضحك رفعت عبر الهاتف ضحكة ساخرة: «خطة بديلة؟ أنت في وسط مكان مهجور ومحاصر، عن أي خطة تتحدث؟»

أخرج يوسف هاتفه الخاص وضغط على بضعة أزرار، ثم قال: «لقد أرسلت لك الآن رسالة على رقمك الخاص. ألقِ نظرة عليها».

مرت ثوانٍ من الصمت الثقيل عبر خط الهاتف. استطاع يوسف أن يسمع بوضوح انقطاع أنفاس الدكتور رفعت على الطرف الآخر. تلاشت الضحكة الساخرة تمامًا، وحل مكانها وجوم مرعب.

سأل رفعت بصوت خافت ومتحشرج، وقد فقد كل ثقته السابقة: «من أين حصلت على هذه الصور؟»

أجاب يوسف وعيناه تلمعان في الظلام: «هذه صور للأسماء، والتواريخ، والصفقات، وفصائل الدم من مفكرتك الجلدية السوداء. صور لثلاث صفحات كافية لتدميرك وتدمير كل سياسي ورجل أعمال يشتري منك. والأهم من ذلك يا دكتور... هذه الصور ليست على هاتفي فقط الآن».

هتف رفعت بغضب مكتوم: «ماذا تعني؟»

«برمجت هاتفي ليرسل هذه الصور تلقائيًّا إلى بريد إلكتروني خاص بهيئة الرقابة الطبية والنائب العام بعد ثلاثين دقيقة من الآن»، قال يوسف كاذبًا بذكاء، مستغلًا عدم دراية رفعت بالتفاصيل التقنية للبرمجة. «الشيء الوحيد الذي يوقف هذا الإرسال التلقائي هو رمز سري أدخله أنا بيدي من هاتفي. إذا قتلتني، أو قتلت سارة، أو إذا لمست والدتي… ستستيقظ المدينة غدًا على أكبر فضيحة تجارة أعضاء في تاريخ البلاد، وسيكون اسمك في مقدمة لائحة الاتهام».

كان صوت أنفاس رفعت يتردد عبر الهاتف كأنه أنفاس حيوان محاصر. ساد صمت دام دقيقة كاملة، دقيقة كان يوسف يسمع فيها دقات قلبه وقلب سارة.

سأل رفعت أخيرًا، وقد انكسر كبرياؤه تمامًا: «ماذا تريد يا يوسف؟»

أمر يوسف بحزم: «أمر رجالك بالعودة فورًا. سآخذ سارة والسيارة ونغادر. من الآن فصاعدًا، أنا خارج هذه اللعبة القذرة. سأتخرج من الكلية، وسأعالج والدتي، ولن تراني في قبوك مجددًا. وطالما أنا وعائلتي وسارة بخير وبأمان... ستبقى صور مفكرتك حبيسة أدراجي، وسيبقى رمز الإلغاء فعالًا. هل اتفقنا؟»

بعد خمس ثوانٍ من التردد، جاء صوت رفعت يائسًا مطأطئَ الرأس: «اتفقنا... ارحل».

أغلق يوسف الخط. التفت بسرعة إلى مقعد القيادة، وشغل المحرك، وانطلق بالسيارة بسرعة قصوى قبل وصول بقية العصابة، تاركًا خلفه وادي الموت، ومحققًا أول انتصار له ضد الشيطان الذي حاول تدميره.

الفصل السابع

الفصل الثامن: الطعنة الخلفية

تنفس يوسف الصعداء وهو يرى أضواء المدينة تلوح في الأفق. التفت إلى سارة التي كانت ترتجف في المقعد المجاور، وأوصلها إلى مكان آمن بالقرب من منزل أحد أقاربها بعد أن أقسمت له ألا تخبر أحدًا بما حدث، وأن تظل متوارية عن الأنظار.

عاد يوسف إلى شقته الصغيرة مع خيوط الفجر الأولى. ألقى بجسده المنهك على السرير، ولأول مرة منذ أيام، نام عدة ساعات متواصلة، شاعرًا بأنه امتلك زمام الأمور، وأن صور المفكرة السوداء أصبحت درعه الواقي ضد بطش الدكتور رفعت.

في تمام الحادية عشرة صباحًا، استيقظ يوسف على صوت رنين هاتفه. نظر إلى الشاشة، فكان المتصل هو مستشفى الأورام، حيث ترقد والدته لتلقي العلاج.

جاء صوت الممرضة الطيبة نادية مضطربًا: «أهلًا يا دكتور يوسف. نحن نتصل بك منذ ساعة… والدتك ليست في غرفتها».

شعر يوسف ببرودة مفاجئة تجمد أطرافه. قفز من سريره وهتف: «ماذا تعنين؟ أين ذهبت؟ إنها لا تقوى على المشي بمفردها!»

تابعت الممرضة بنبرة قلقة: «جاء طبيب يرتدي معطفًا أبيض، ومعه مسعفان، قبل ساعتين. قالوا إن لديهم توجيهات رسمية بنقلها إلى مركز تخصصي متقدم لإجراء جراحة عاجلة ومجانية كمنحة من الجامعة. حاولنا الاتصال بك لاعتماد النقل، لكن هاتفك كان مغلقًا، وبما أن الأوراق كانت تحمل توقيعًا رسميًّا من…»

قاطعها يوسف بصوت مخنوق يملؤه الرعب: «من الدكتور رفعت؟»

قالت: «نعم… كيف عرفت؟ التوقيع كان للدكتور رفعت شخصيًّا».

سقط الهاتف من يد يوسف على الأرض. شعر بأن الجدران تضيق من حوله، وأن الأرض تميد تحت قدميه. لقد وثق بوعد شيطان! لقد استغل رفعت نفوذه الطبي واختطف والدته من قلب المستشفى الحكومي دون أن يثير أي شبهة.

وفي تلك اللحظة، أضاءت شاشة الهاتف الساقط برسالة نصية من رقم مجهول. انحنى يوسف، والدموع تحجب رؤيته، وفتح الرسالة. كانت تحتوي على صورة لوالدته وهي ممددة على سرير طبي، تبدو غائبة عن الوعي بفعل مخدر، وخلفها تظهر الأجهزة المألوفة في «القبو السري».

أسفل الصورة، كُتبت عبارة واحدة:

«المبضع مقابل المبضع يا يوسف. المفكرة مقابل قلب والدتك. أمامك ساعتان لتأتي إلى القبو بمفردك، ومعك هاتفك والرمز السري للإلغاء… وإلا فإن الكلية القادمة التي سنعرضها للبيع ستكون مطابقة لفصيلة دم والدتك!»

انتهى وقت المناورة. تحولت المعركة من لعبة ذكاء باردة إلى جحيم مستعر. نظر يوسف إلى يديه اللتين كانتا ترتجفان بعنف، ثم توجه نحو المطبخ، وفتح درج الأدوات، وأخرج سكينًا حادًّا ومجموعة العقاقير المتبقية في حقيبته. علم أنه إذا ذهب مستسلمًا فسيقتلهما معًا، وإذا لم يذهب سيموت قلبه. كان عليه أن يدخل وكر التنين للمرة الأخيرة، ولكن هذه المرة، ليس بصفته طبيبًا جراحًا، بل إنسان مستعد لحرق العالم لإنقاذ أمه.

الفصل التاسع: غيبوبة جماعية

لم يعد لدى يوسف ما يخسره، واليأس عندما يمتزج بالذكاء يتحول إلى سلاح فتاك. قبل أن يتوجه إلى القبو، مر يوسف بمعمل الكلية للمرة الأخيرة. لم يكن يبحث عن عقاقير للحقن هذه المرة، بل كان يبحث عن غاز «الهالوثان» (Halothane) عالي التركيز، وهو سائل طيار يُستخدم في التخدير الاستنشاقي، وسرق ثلاث زجاجات كبيرة منه، إضافة إلى قناع تنفس واقٍ من الغازات الكيميائية، خبأه تحت معطفه الكثيف.

وصل يوسف إلى المستودع المهجور. كانت أبواب القبو مفتوحة كأنها فم وحش يستعد لابتلاعه. نزل السلالم بخطوات ثابتة حتى وصل إلى الغرفة الرئيسة.

كان الدكتور رفعت يجلس خلف طاولة العمليات الفخمة، وحوله أربعة رجال مسلحين، من بينهم صابر، الذي كان ينظر إلى يوسف بعيون تشتعل رغبة في الانتقام. وفي زاوية الغرفة، كانت والدة يوسف ممددة على السرير، موصولة بجهاز المحلول، تغطُّ في نوم عميق.

قال الدكتور رفعت بنبرة منتصرة، وهو يمد يده: «أهلًا بك يا بني في بيتك الثاني. الهاتف والرمز السري أولًا… ثم يمكنك أخذ والدتك والرحيل».

تقدم يوسف بهدوء، وأخرج هاتفه ووضعه على الطاولة، وقال: «الرمز السري هو تاريخ أول عملية أجريتها معك هنا يا دكتور. لكن قبل أن تفتح الهاتف… دعني أخبرك بشيء عن نظام التهوية القديم في هذا القبو».

قطب الدكتور رفعت حاجبيه بشك، وقال: «ماذا تهذي؟»

ابتسم يوسف ابتسامة شاحبة، وقال: «هذا القبو صُمم لتعليب الأغذية قديمًا، ونظام التهوية فيه يسحب الهواء من الغرفة الصغيرة الملحقة بالمدخل، ويضخه بقوة إلى هنا عبر هذه الفتحات في السقف لتجديد الأكسجين. قبل دخولي بدقيقتين، كسرت زجاجات الهالوثان الثلاث وسكبتها بالكامل داخل فتحة السحب الرئيسية… وأغلقت مخرج الطوارئ من الخارج».

اتسعت عينا الدكتور رفعت رعبًا، والتفت إلى الأعلى. في تلك اللحظة بالذات، بدأت رائحة نفاذة وحلوة تنتشر في أرجاء الغرفة.

صرخ رفعت: «اقتلوه!».

لكن الأوان كان قد فات. غاز الهالوثان عالي التركيز لا يحتاج سوى إلى شهيقين أو ثلاثة ليشل الجهاز العصبي بالكامل. تمايل صابر، وسقط مسدسه من يده قبل أن يخطو خطوة واحدة، وتبعه بقية الحراس الذين تهاووا على الأرض كجثث هامدة.

حاول الدكتور رفعت الزحف نحو الهاتف، لكن ركبتيه خانتاه، فسقط على وجهه، وهو ينظر إلى يوسف بعيون يملؤها الذهول والعجز، قبل أن يستسلم لغيبوبة التخدير العميقة.

أخرج يوسف قناع التنفس من تحت معطفه وارتداه بسرعة ليحمي نفسه. تقدم نحو والدته، وفصل جهاز المحلول عن يدها برفق. كانت جرعة الغاز خفيفة عليها؛ لأنها كانت في الزاوية البعيدة، وعميقة النوم بالفعل، لكن كان يجب عليه إخراجها فورًا.

حمل يوسف والدته بين ذراعيه، متجاوزًا أجساد المجرمين الممددة على الأرض. وقبل أن يغادر، التقط هاتفه من الطاولة، وضغط على زر «إرسال». لقد أرسل صور المفكرة السوداء، وإحداثيات القبو السري، وتسجيلًا صوتيًّا كاملًا لاعترافات الدكتور رفعت إلى النائب العام ومحطات الأخبار العالمية.

المشرط النظيف

بعد مرور ستة أشهر…

أمام مبنى المحكمة الكبرى، تجمعت حشود من الصحفيين لالتقاط صور للدكتور رفعت وعصابته، وهم يرتدون ملابس السجن الزرقاء، وقد حُكم عليهم بالسجن المؤبد في أكبر قضية رأي عام هزت البلاد.

وفي مكان آخر بعيد، داخل مستشفى تخصصي نظيف في عاصمة أخرى، كان يوسف يقف بجانب سرير والدته، التي استعادت عافيتها تمامًا بعد إجراء عملية جراحية شرعية وناجحة، بتمويل من مكافأة مالية منحتها الدولة ليوسف بوصفها «مبلغًا تشجيعيًّا» لكشفه شبكة الفساد.

نظر يوسف إلى يديه. لم تعد ترتجف، ولم تعد تبدو ملوثة.

لقد أخذت منه هذه الرحلة براءته، وجعلته يرى الجانب المظلم من النفس البشرية، لكنها منحته أيضًا حكمة لا تُدرَّس في الكتب. لقد تخرج يوسف من كلية الطب بمرتبة الشرف، وحصل على رخصته لممارسة الجراحة. وبينما كان يستعد لدخول غرفة العمليات لإجراء أول جراحة رسمية له بوصفه طبيبًا جرَّاحًا، نظر إلى المبضع في يده وأقسم في سره: «هذه اليد لن تسرق حياة بعد اليوم… هذه اليد وُلدت فقط لتوجه الضربات للموت».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة