بعد روايات عدة نالت نصيبًا كبيرًا من الرواج بين القراء بمختلف أعمارهم وتوجهاتهم، يسجل الروائي المصري أحمد مراد، وهو الذي يتربع على عرش الأكثر مبيعًا في مصر منذ سنوات عدة، أولى محاولاته الجادة، في نظري، لإنجاز ما يمكن تسميته «تمصيرًا» لرواية تستفيد من أدوات كتابة الواقعية السحرية في عمله الأخير «لوكاندة بئر الوطاويط»، وإن كانت الرواية قد سقطت في بعض المواضع في فخ غياب المنطق بصورتيه: «المنطق العقلي العام، والمنطق الفني الخاص بالرواية».
وبسبب هذا الغياب ربما أسَّس لبعض الفوضى غير المفهومة في العمل، فكسر السببية ليس غاية في ذاته، ولن يكون كل شيء مقبولًا طالما أنك صدَّرت منذ البداية أن العمل لا ينتمي لعالم واقعي بالكامل؛ وهو ما مَثَّل أزمة في العمل.
ولا يمكن لأحد أن يتناول الرواية الصادرة عن دار الشروق المصرية بمعزل عن أعمال مراد السابقة؛ لأن هذا العمل تحديدًا، في الحقيقة، خطوة جادة أولى يخطوها مراد نحو شحذ كل خبراته بصفته كاتبًا ومصورًا وفنانًا وإنسانًا، في محاولة لإنجاز معزوفة تتناغم فيها هذه القدرات في نوتة منتظمة يستفيد فيها الكاتب من مخزونه بأكبر قدر ممكن، في محاولة لإنجاز عمل يحمل بذرة تميز كتابات أحمد مراد عن سواها من أعمال تدور في فلك التشويق والجريمة في إطار غرائبي، أو أعمال تغترف من آليات كتابة الخيال العلمي بأقدار محسوبة أو غير محسوبة.
ملخص رواية لوكاندة بير الوطاويط
الرواية تدور في دوائر عدة تتصل تباعًا في عوالم السحر والتاريخ والمرض النفسي والجن، حول مذكرات سليمان جابر السيوفي التي وجدت في لوكاندة بئر الوطاويط عام 2019 في أثناء ترميمها، كما هو مدون على الغلاف الخلفي للرواية، وهو «مُصوِّراتي أموات» عاش في القرن التاسع عشر، يُستدعى من أحد الباشوات بعد مقتل أحد المقربين من الخديوي في ذلك الحين لتصوير جثته والتحدث إليها أيضًا.

فهو -كما هو معروف عنه- يستطيع التحدث إلى الأموات، وبتوالي الأحداث تبدأ خيوطُ خطة متكاملة لدى القاتل في التَّكشُّف للتخلص من ستِّ شخصيات تورطت في ظلم إحدى الشخصيات التي لم تكن تسعى لاسترضاء رجالات القصر بسياسته الجديدة وقت مذبحة المماليك، وبتوالي الأحداث تتداخل عوالم الأحلام والهواجس والواقع في طريق الكشف عن صاحب الثأر وسببه وعن الشخصيات المطلوبة.
منذ يوم صدورها أثارت الرواية جدلًا يليق بصاحبها بوصفه «إنفلونسر»، وليس بها كعمل فريد، لأن الرواية حملت بعض الأزمات، كان أبرزها الاعتماد على تيمة مستهلكة تعتمد على سلسلة من الأشخاص المهددين بالقتل، واللجوء طول الوقت إلى عنصر مجهول من حقه أن يفاجئك بأي فعل غير منطقي: «غير مرئي/ غير معلوم/ غير محسوب الأفعال».
إضافة إلى ذلك، فقد احتلت الرواية مساحة سردية غير مساوية بأي حال لما تنتجه هذه المساحة، فمن الممكن أن يُدخِل الكاتب البطل السجن لكي نسمع رواية أخرى عن مقتل كليبر يتبناها أحد الأشخاص ويدعي أنه هو قاتل كليبر الحقيقي، ولا تعلم لماذا رُويت هذه الحكاية في هذا الموضع من العمل على وجه التحديد.
هذه الحكاية الطويلة وغيرها من الحكايات لم تدعم الناتج الرؤيوي للرواية، ويمكن للقارئ استبعادها، واستبعاد أي جزء من أي رواية دون أن تتأثر نواتج العمل الرؤيوية أو الجمالية أو المعرفية يعني أن نشر هذا الجزء ضمن العمل يعد أزمة كبيرة.
وقد يقول بعض النقاد إن الحكاية -كمثال- جاء توظيفُها لتمنح بطله تمهيدًا لصبره على التعذيب، أو لتفتح طاقة أسئلة عن مدى صحة ما دُوِّن من التاريخ كلِّه، لكن المبررات هنا تغدو غير قوية؛ لأن الأصل في عمل كهذا هو الإمتاع، وبخاصة في رواية ارتضت البحث وراء جريمة بوصفها سياقًا دراميًّا لها.
وإن كانت الرواية التاريخية تعنى بالأساس بتقديم حقبة تاريخية، فإن مراد في روايته يحاول تطويع الرواية والتاريخ لهدفه التجاري «وهو أمر ليس معيبًا على الإطلاق» عبر تفعيل أدوات كتابة الواقعية السحرية، التي يمكن التأسيس لها عبر الرافد الغربي، أو أساسها الثابت في تراثنا العربي في منجزنا الأدبي الأضخم «ألف ليلة وليلة»، وفي أعمال كتابنا العرب بمختلف أجيالهم، ما يسوغ له التفاعل مع عوالم السحر والجن... إلخ.
لوكاندة بير الوطاويط والشخصية المصرية
ما يميز هذه الرواية عن بقية أعمال أحمد مراد هو اجتهاده الواضح في إنتاج واقع موازٍ لواقعنا اليوم، برسمه شخصية مصرية حتى النخاع تحمل الكثير من الجينات المصرية، بغض النظر عن جانبها المرضي المرتبك؛ فسليمان السيوفي ينشغل بما يشغل الناس.
يركن إلى الدين حلًّا سحريًّا لكل المشكلات -وفي وجهه الآخر يظن نفسه نبيًّا-، يستند إلى مخزونه المصري الموروث المتمثل في الأمثال الشعبية التي زُرِعَت في بعض مواضع الرواية كجزء من نسيج الشخصية، وفي مواضع أخرى كانت مقحمة مزعجة... إلخ.
هذه الشخصية يعيد انطلاقًا منها أحمد مراد استقراء علاقة المصريين بالأتراك وبفكرة الوالي العثماني، ويستعرض بواسطة تلك الشخصية –ذات الوجه الآخر المريض المرتبك–، رؤية الطبقة العظمى من الشعب للأثرياء والدين والأولياء وأفريقيا وتركيا... إلخ، مع اجتهادات لفتح فضاء الرواية ليتجاوز السياق التاريخي الذي اختاره إطارًا زمنيًّا لروايته.
أحيانًا يمضغ أغلبنا مصطلح «إعادة إنتاج التاريخ» للتفاعل نص أدبي مع حقبة تاريخية أو استدعاء رمز له مخزون دلالي تاريخي، في حين أن فكرة إعادة إنتاج التاريخ فكرة أعقد من ذلك قليلًا، تحتاج إلى مساحات كبيرة من الخيال لينتج الكاتب في عمله تاريخًا آخر خاصًا بعمله، يتمازج فيه الخيالي مع الواقعي دون فواصل حادة، وهو ما نجح فيه مراد طول الوقت.
فبحكم تركيبة شخصية سليمان السيوفي وأزمتها التي تتكشف على طول أحداث الرواية، لن تستطيع الفصل بين الحقيقي والخيالي في مقابلته مع الخديوي إسماعيل، وصداقتهما التي توطدت في لقاءين فقط، أو ما إلى ذلك من حكاية المعلم سمكة الذي قتل كليبر –بمبرر درامي مهترئ للغاية–، وأُعدم سليمان الحلبي بدلًا منه، أو... أو...
وعلى المستوى المعرفي، فإن الرواية -وإن كانت قد وقعت في بعض فخاخ الكتابة التجارية- ستجبرك على البحث في حقيقة الأحداث التي وقعت من عدمها، ولعل أفضل ما يسعى إليه أي عمل إبداعي هو أن ينتج لديك أسئلة، بغض النظر عن عمق هذه الأسئلة أو أهميتها، حتى إن كانت هذه الإضافة المعرفية ستأتيك عبر وسيط آخر خارجي، لكنها يكفيها دومًا أن تكون الدافع الأول لذلك؛ فرغمًا عنك ستبحث في تاريخ التصوير الفوتوغرافي، وفي تاريخ إبراهام لينكولن، وفي حقبتي حكم توفيق وإسماعيل، وستبحث قبل كل ذلك عن وجود «لوكاندة بئر الوطاويط» من عدمه بالأساس.
بماذا تميزت بير الوطاويط عن بقية أعمال أحمد مراد؟
في «فيرتيجو» قدم مراد كتابة درامية احتوت حكاية تشويقية لها خطاب روائي صغير -لن أصفه بالسطحي- يتناول عالم الجريمة واشتباكه مع عالمي المال والسياسة.

وفي «الفيل الأزرق» حاول التفاعل مع آليات كتابة الواقعية السحرية، ومن قبل قدم مراد محاولة ضعيفة للغاية في روايته «1919» تشبه الحلقات الكوميدية التي يقتصر فيها تقديم زمن الأبيض والأسود بواسطة ترديد الممثلين المصطلحات التي اشتهر بها هذا الزمن فحسب، أو ارتداء ملابس تشير إلى تلك الحقبة، مستلهمًا بعضًا من عوالم نجيب محفوظ في رسمه للشخصيات والأحداث والمصائر.
بينما في «اللوكاندة» سنجد أنفسنا أمام كاتب تمرس في التعاطي مع التاريخ إبداعيًّا على نحوٍ يحمل مرونة واضحة في توظيف التاريخ بكيفية تخدم أغراض العمل الإبداعية كثيرًا -بغض النظر عن مآلات وغايات العمل الإبداعي وعلاقته بفكرة كتابة السوق من عدمها-، لكن هذه الرواية تجاوزت كونها سردًا تخييليًّا لتاريخ حقيقي.
لم تغب عن مراد معادلة السوق طول الوقت، فكان السرد التشويقي غاية في ذاته لا يخدم أي شيء سوى أن يسحب القارئ غير المتمرس إلى منتصف الرواية ثم آخرها، وهو أحد رهانات أحمد مراد الواضحة والناجحة إلى الآن، لتستمر الأزمة حول كل عمل جديد لمراد حين تصاحبه مبالغات غير محسوبة لفريقين يقف كل منهما على طرف حكم حاد وقاطع بعظمة العمل أو رداءته، حتى من قبل أن يترك لنفسه الفرصة لقراءة العمل وامتصاص خطابه على مهل، لتكوين حكم بخفة العمل أو بامتلائه ورصانته؛ فما يصطلح عليه الأدباء بتسميته «مشروعًا» أدبيًّا تختلف معطياته لدى مراد، وذلك لوجود الجمهور بوصفه مركبًا رئيسيًّا لديه.
وتبقى «لوكاندة بئر الوطاويط» محاولة جادة من مراد لنحت سكة جديدة فعلًا في الرواية المصرية، يتصالح عليها الجمهور النوعي وهو يغض طرفه عن مساحات المباشرة في الخطاب الروائي الخاص بمراد، مع جمهور مراد العريض من القراء العاديين -إن جازت التسمية- الذين كانت عودتهم بكامل قوتهم الشرائية إلى سوق الكتاب مرة أخرى إحدى إنجازات مراد ورفاقه، شاء من شاء وأبى من أبى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.