الوجه الثاني ( مافوث )
يتحرك قائد الجيش الشرقي وهو أحد جيوش الملك لقمان في إحدى حملات استكشاف التجمعات حتى حط به الرحال في أرض أصفهان القديمة بقلب مملكة الأسباط وخيموا حول بحيرة قديمة تسمى ( طبرية ) ، قرر الخروج للصيد حتى وجد جبلا ذا هيئة غريبة تصطف الزروع على دفتيه وتنعدم في وسطه كأنه سنمى جمل وقد اتصلا بهضبة كأنها صبت صبا فدار دورة طويل حول الجبل أو بالأحرى الجبلين ولم يجد منفذا لكهف أو حفرة إلا أنه وجد شيئا غريبا يصدر من قلب الجبل وهو صوت معاول مجتمعة تضرب بانتظام في الداخل وكأنهم أناس قد حبسهم الجبل في قلبه وكان أغلب ظنه أنه مجتمع قد حبسته الأرض من مجتمعات مابعد النكبة ، مضي الأبيض وعاد في اليوم التالي ومعه عشرات من جنوده بالمعاول وبدأوا في دق الهضيبة بين الجبلين حيث يضرب الأخرون وبعد دقائق توقف الأخرون عن دق الجبل ليتسمعوا الضيف الجديد الذي توقف هو الآخر بعد ضربة المنجنيق ، حيث رأوا شيئا غريبا فالهضبة هي خليط من المعادن المصهورة بين الجبلين وكأنها جبل من المعدن قد لفظه باطن الأرض إلى ظاهرها ، ولما لم يجد القائد باليد حيلة قرر التوقف ، وشرع في مناداة المحبوسين بالداخل ولكنه لم يجد ردا من أي جهة حتى فقد الأمل في كشف مثير ما فقرر المضي والرحيل حتى سمع صوتا يتكلم كأنه يخرج من غرفة فارغة فكان جهيرا ولكنه بلغة غير مفهومة فجلب مترجميه من محصلي اللغات القديمة والحديثة حتى اكتشفوا أنها لغة سجالية قديمة وبصعوبة بالغة فهموا أخيرا سؤاله القائل " من بالخارج ؟ " أجابه القائد بلسان مترجمه الرقيع : "أنا قائد الجيش الشرقي موسى الأبيض للملك لقمان وهؤلاء جندي ".
أجابه الصوت : آن يؤذن لنا بالخروج لن يملك الأرض غيرنا
قال الأبيض مستغربا بأس قوم حبسهم الجبل على مايبدو لحقب من الزمن : ومن أنتم ؟
أجابه الصوت : نحن قوم مافوث حبسنا هنا منذ زمن بعيد .
- منذ متى ؟
- لم نعد نحسب
- كم عددكم ؟
- لا نقدر على العد فموت واحد منا يعنى ميلاد ألف من بني جنسنا
التبس على الملك فقال : ألستم بشرا
- نحن أعظم من ذلك.. أبشر فإنا سنخرج قريبا وحين يحدث فلن نترك شاردة إلا وسنفنيها وتكون الأرض لنا ، لن نذر فيها ملكا ولاعبدا ولا بهيمة ولا أخضرا ولا ماء .
سرت رعدة في جسد الملك الذي تساءل : وكيف تعيشون ، ماتأكلون وما تشربون ؟
- نأكل بعضنا ونشرب مما تخلقه الأرض .
- إذن لا تخرجون ، تبقون حيث أنتم وسيبقى بعض جيشي حولكم حتى إذا فتحت لكم الأرض سدت عليكم .
أجابه الصوت بصمت مطبق أحس على أثره الأبيض بظفر خائب وابتسامات ساخرة مستترة خلف الجدار .
***
الوجه الثالث (اوماغي )
قال في غمرة تصويبه للسهم ليصيد ظبيا بريا يتقافز ليذوذ عن نفسه الموت وسط كلاب الصيد لدليل الرحلة : مابقي أمامنا يا أخي ؟
أجابه الدليل متفحصا في مجموعة من الأوراق القديمة بين يديه : لا زال أمامنا مسيرة عشر ليالي ، ولكن أخشى أننا لن نصل للجزيرة فقد سدت البوابة
أفلت السامي مؤخرة السهم لتصيب الظبي بأريحية ثم حول ناظريه إلى الدليل وقال وسحابة غضب تقترب : لكنك قلت أنها لن تقفل قبل شهر.
أجابه الدليل وقد بدأ الخوف يتسرب لصوته خشية ذلك الوحش الذي يحدثه : لقد علم أوماغي .
وكيف عرفت ؟
وصلني الزاجل منذ دقائق بالخبر اليقين .
أحسن الكلب اللحاق ، كانت معضلته الأكثر تشتيتا هي في الخائن الذي زرع نفسه أو زرعه أحدهم بوصفه دليل وهل تعرض الابيض لمثل ماسيتعرض له من هول أم أنه الأوحد والأقرب للوصول إلى ( اوماغي ) والخلاص منه ، أفاق من استغراقه على صوت الدليل :
سيدي ، سيدي
لم يلتفت إليه ومد بصره صوب الأفق ، بدا عملاقا يحمل جسده ثنيات مصارع اغريقي ممسكا بقوسه وأجابه :
أغرب عن وجهي .
ثم صوب قوسه إلى رأس العائد وأطلق سهما شجه .
" لا مناص الآن " غمغم بها ( السامي ) الذي تنبأ بصعوبة الرحلة بل بالأحرى استحالتها ، الآن عليه أن يذهب إلى المهازير جيش ( اوماغي ) لقتالهم في سبيل عبور البوابة والتي لايملك أي علم بما سيفعل لتحقيق ذلك . والأشد وطأة على نفسه أنه يتجه للموت برجاله ولن ينسحب الآن بعد أن قطعوا شوطا ليس بالقليل وصاروا بين موتين في قلب صحراء الجنوب .
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.