رواية لقمان 1

أنا خالد محمود. . استخدمت من عمري ثلاثین عاما. أعمل كاتبا. ولدت كملایین غیري (شبھا) شبه سمین وشبه مقبول وشبه طویل وشبه هادئ وشبه ثائر. . . إلى مئات الأشباه.
. . ببساطة ذلك الوجه الذي تراه یومیا مائة مرة ولا یلفت انتباھك ولو شذرات ولھذا فلتضع في رأسك شبها تظنه قریبا فأنا مثلھ.
لا أستطیع أن أسرد لك تاریخي لأني حقا لا أتذكر شيئا وكأني ولدت في العشرين بلا تاريخ وكأني لسبب ما فقدت الذاكرة أو حدث شيء ما قضى على تاريخي.
أعيش بشقة في أحد الأبنیة بمدينة نصر وفي مثلي خاویة إلا من سریر رقیع یعزف بمجرد خلودي إليھ أقبح المعزوفات وهج لاب توب وشاشة عرض وكتب تملأ الفراغ الذي أراه في شقتي الصغیرة.
لم تنقطع علاقتي بالعالم تماما في عزلتي الاختیاریة بل تنوعت اختیاراتي التفاعلیة في نطاقات معتدلة أو بالأحرى كافیة. . ھناء مثلا أھم من أعرفھم بل أقدسھم و حمدي دیلر الحشیش وكذلك عمال الدیلفري لمطاعم ثابتة لم أغیرھا لسنوات ، یفضلونني كأمھم لأجل لبقشيش ، وأیضا بعض الشخوص الكافیة لصنع الحدوتة الخاصة بي كبعض صداقات عائمة لا مناص من وجودھا ولكنھا غالبا لا تستمر وبعض القراء أصروا على أن یروني ، أراهم من آن لآخر ، وأخيرا الناشرة.
وثمة شخص لا یراه ولا یعرفھ غیري اصطنعتھ لنفسي؛ عرفته تحت وطأة الوحدة والآيھأم و لقمان ووو
الحكیم الأزلي وسقراطي المحبب وأحيانا يسوعي المتجسد الذي تمخض عنھ عقلي بالمواظبة على جلسات الحشیش. . في البدایة كان وجوده مقنعا یحمل بین طیات مره في حیاتي أسبابا مقبولة جعلتني أقبل بسكناه في بیتي حتى ظننت أني أعاني من حالة سكتزوفرینیا ( فصام ) اختیاریة ، حاولت مقاومة وجوده ولكني ببساطة انتكست حین وجدت ضعفا مزریا یكسو تفكیري وانتظامھ ففضلت الانتكاس متعایشا مع وجود لقمان في تفكیري وحیاتي ووجودي وبمرور الوقت وجدت من یسري عني لحظات الصمت حتى رغم علمي بالتوھم حتى أني وجدت أكثر لحظات التفكیر قوة وفھما مرتبطة بوجوده وحدیثي لدیھ. . حتى بت لعشقي لوجوده، يتجلى دوما بهيئته العملاقة وقت احتياجي لكلماته كمرآة لتظهر سواه يكسر حدة انفعالاتي ويئدها باحتراف ، حين الغضبة أجده مداهنا حتى تخمد وحين الانكسار أجده مسريا حتى يمضي وحين البأس أجده أيوب مصبرا. .
هو النبي حين الكفر ، وهو الحياة حين الموت. . وكثيرا ما أموت.
***
أنشأت منذ بضعة سنوات صفحة على ألفيس بوك وأسميتها لقمان كنت أنقش على جدارها أحاديث مع لقمان وأضعها في شكل محاورات تبدأ بسؤال مني ثم إجابة لقمان.
بدأت الصفحة كأي وليد ضعيف المتابعة ثم حبوا حبوا صار لها متابعين بالعشرات حتى للملايين يتتبعون كتاباتي كسواد الليل في أثر النهار حتى صار لقمان وهما يتجرعه الناس كأنه الموجود يرون فيما يقوله الحق وما يجب أن يتبع ، وصار مريدوه بالآلاف حتى انشقت عنها الصفحات بمسميات عجيبة كجيش لقمان أو أتباع لقمان أو أبناء لقمان. . كانت الصفحة جنونا تسوق الناس إلى التصديق بأي شيء يقوله لقمان ، غير الكتب التي باتت تملأ المكتبات وهي سلسلة محاورات لقمان.
كان امتلاك الناس زخما يحاذي زخم الرسالات ، ذلك الرأي القاطع الذي يصنع الركيزة الداخلية في وعي المؤمنين ، زخم صنعته كلماتي في حقيقة الآخرين.
***
***
انت قالھا لقمان و عادتھ الغریبة في مناداتي ، حولت نظري إلیھ لأجده واقفا بجانبي على الأرضیة متطلعا إلى الأفق خلف زجاج النافذة ،دائما ما يكتسب ظهوره تجليا مثل نجم وليد تظهر في مشیتھ المتئدة التي تلحقھا عقدة ذراعیھ إلى نھایة ظھره ، وكذلك في رخامة صوته وفي كلماته التي تنفرط مثل حبات مسبحة ، یمتلك تلك الھیئة العملاقة لجسد مترامي في غیر امتلاء مزري وأنف أفطس ونصف صلعة لا تشینھ.
كنت قد انتھیت من فرك بعض التبغ ودمجته بقطعة الحشيش الساخنة وبدأت في لف سیجارة ، اشعلتها مترقبا شحناتھا السالبة في عقلي ومترقبا حدیث لقمان الذي اتجھ بقامتھ الاغریقیة ناحیة النافذة وقال: ماذا لو اكتشفت أن كل ما تراه في هذه الحياة هو محض وهم وأن ثمة أسرار لازلت تعلمها؟
غرابة لقمان الحقیقیة تكمن في سطوتھ الغریبة على نفسي فھو یتحدث بما أسره في نفسي أو حتى أفكر فیھ
وكأنھ لساني یتحدث أو عقلي یفكر أو بالأحرى ھو كذلك فھو الوھم الذي أتعایش مع وجوده منذ أشھر حتى أدمنتھ.
قلت وأنا أنفث دخان السیجارة صانعا سحابة عميقة: أنا مؤمن ، ساعات بشوف ان الحقيقة هي الشيء الوحيد اللي مش حقيقي، وجودك نفسه كذبة! !

حول ناظریھ مرة أخرى إلى الأفق وقال: اذن فلتنتظر.

 

بقلم الكاتب


كاتب مقالات وروائي


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات وروائي