استيقظت فزعة متعرِّقة لا تدري ما خطبها، أحسَّت كما لو أن آلاف الأعين تحدِّق بها، وأن شيئًا يتنفس بثقل حولها، أصوات لا تدري ما مصدرها، خطوات أقدام تتحرك حول سريرها، وخيالات سوداء تتحرك بسرعة في الظلام الدامس حولها.
نظرت حولها وأشعلت الإضاءة وبحثت في أركان غرفتها، لكنها لم تجد شيئًا غريبًا، كل تلك الأشياء التي رأتها في الظلام اختفت وكأنها لم تكن، أحسَّت بأعين تحدِّق فيها فاقشعر جسدها، لكنها لم تجد أحدًا، تعوَّذت ثم قررت أن تكمل نومها، وما لبثت أن أغمضت عينيها وعاودها ذاك الشعور أن أحدًا يحدِّق بها ويتنفس بتثاقل مرة أخرى، وتلك الأصوات أصبحت أكثر ضجة، توجَّست في نفسها، لكنها اطمأنت أن كل شيء سيكون بخير.
نظرت للساعة فوجدتها الثانية وعشر دقائق صباحًا، لم تهتم للزمن وتعوَّذت من جديد ثم خلدت للنوم، استيقظت مرة أخرى متعرِّقة من كابوس رهيب، فقد شعرت كما لو كانت تطير وبوسعها رؤية غرفتها كاملة.
نظرت للأسفل فرأت جسدها وهي نائمة وأن مخلوقًا أسود الملامح ليس له هيئة معينة، غريب الهيئة، يحدِّق بها ويتربص بها بالقرب من سريرها، فاضطرب مضجعها، وقررت أنها لن تنام وليحدث ما يحدث.
قاومت النوم حتى أشرقت الشمس، فغلب النعاس عينيها المنهكتين، لكنها لم تلبث دقائق حتى رن المنبه فاستيقظت وهي تلعن حظها، لمَ على المنبه أن يرن الآن؟ قاومت رغبتها في النوم ونهضت تجرُّ جسدها جرًّا لما بُث في قلبها من رعب ليلًا، لكنها حدَّثت نفسها أن كل ذلك سببه تلك الروايات التي تقرأها عندما تخلد للنوم، وقررت أنها ستعتزلها فورًا.
أكملت يومها ما بين التفكير فيما حدث وكيف كان الشعور كأنه حقيقه، شعرت كما لو أن ذلك الشيء حقًّا موجود؛ فهي سمعت أنفاسه الثقيلة وشعرت بعينيه تحدِّقان بها، لكنها لم تر شيئًا حينما بحثت، تُراه يكون خيالًا أم هو حقيقة؟
طردت هذه الأفكار محدِّثة نفسها أنه لا جدوى من التفكير لكونه مجرد شيء عابر، أكملت عملها وهي تشعر بالتعب والنفور من كل شيء حولها، شعرت كما لو أن تلك الأشياء لا تريد أن تفارق عقلها.
تفكِّر في كل الأحداث في آنٍ واحد، تتذكر شعورها وكيف أحسَّت أن هاتين العينين تخترقانها، اقشعر جسدها وسرت نسمة باردة بجانبها كما لو كانت تذكرها بما حدث الليلة الماضية، فقفزت فزعًا تلتفت يمينًا ويسارًا، لكنها لم تجد أي شيء مرة أخرى.
سألها زميلها بجانبها: هل يزعجك شيء؟
مريم: لا، فقط شعرت أن شخصًا ما يراقبني.
ضحك زميلها ممازحًا: لا تقلقي، مجرد إرهاق عمل، أنا أشعر في بعض الأحيان بذلك الشعور لكني أطرده من عقلي حتى لا أُجن.
لم تطمئن لكنها أظهرت ابتسامة صفراء دلَّت على ما في نفسها (بمعنى اصمت ولا تتحدث فيما لا يعنيك). صمت زميلها على الفور وأحس كما لو أنه ممسوس، ثم نهض من جانبها، ولا تدري أغضب من موقفها أم هو فقط خائف قليلًا؟ ما تعرفه هو أنه في الحقيقة فرَّ هاربًا لما رأى من ملامح مخيفة تتشكل في وجهها.
أكملت يومها وهي تشعر أن كتفيها سيقتلانها ألمًا كما لو أن أحدًا قرَّر أن يستعير كتفيها ليركبهما بدلًا عن المشي. وصلت منزلها، حيَّت أهلها بتعب وأخبرتهم أنها ستنام ولا تريد منهم إيقاظها إلا إذا حدث أمر طارئ جدًّا، كحريق مثلاً أو أن العالم ينهار.
لكن لا شيء آخر، وأكدت على شيء آخر، فهي تعرف أن أختها الصغري ستوقظها لأتفه الأشياء، مثل: كسرت ظفري وأنا أعمل، أو أن أصبعها جُرح بالسكين... ثم توجهت لغرفتها وأقفلت الباب بالمفتاح.
خلعت كل ما عليها، ووقفت أمام المرآة، وجدت كدمة أخرى فوق كتفها، استغربت كيف لتلك الكدمات أن توجد في جسدها؟! فهي تهتم بنفسها جيدًا.
طردت كل الأفكار من رأسها وارتدت بجامتها المفضلة وأخذت قرص بنادول لعلاج الصداع، ثم تحققت من أن الباب موصد بالمفتاح، أطفأت المصباح ثم توسَّدت سريرها ووسادتها، لم تمضِ دقيقة حتى غرقت في النوم، لكنها استيقظت فزعة مرة أخرى وأحسَّت بما حدث قبل ذلك نفسه، لكن هذه المرة أصابها شلل النوم.
صارعت كي تتحرك أو حتى تنطق لكن لا فائدة، فقط عيناها تتجولان خوفًا وتبحث في غرفتها إذا كان هناك أي شيء، فهي لا تستطيع حتى أن تصرخ طلبًا للمساعدة، كل تلك الآيات القرآنية اختفت وتبخَّرت من عقلها ولم تعلم ما تقول، بدأت بالتعوذ ثم البسملة، لكنها سمعت تلك الأنفاس الثقيلة مرة أخرى بجانب سريرها، تساقطت دموعها على وجنتيها..
يا الله ساعدني أنا خائفة. لم تستطع أن تصدر صوتًا ولا أن تتحرك، شعرت أن الأنفاس الثقيلة تقترب منها وخطوات الأقدام أصبحت أقرب ثم أقرب، فجأة دق باب الغرفة، بدأت أطرافها تتحرر، اختفى التنفس الثقيل وابتعدت أصوات الأقدام.
أخيرًا تحرَّرت ونهضت وركضت نحو الباب، سقطت عدة مرات وتعثرت كثيرًا، أحست كما لو أن الباب يبعد أميالًا وليس مجرد خطوات صغيرة، فتحت الباب والدموع تتساقط على وجنتيها، لم تصدق، تحرَّرت وخرجت من هناك، يا إلهي كم أنا خائفة، وجدت أختها أمامها فاحتضنتها وبكت كطفل رضيع بين ذراعيها، وخافت الأخت ثم أخذت تنهال بالأسئلة.
الأخت: ماذا حدث؟ من مات؟ قولي لي ولا ترعبيني، ما بك؟ ما الخطب؟
ثم بعد نصف ساعة هدأت الفتاة وقصَّت لأختها كل ما حدث، استغربت الأخت، وطمأنتها؛ فما حدث ليس شيئًا مخيفًا.
الأخت: كل شيء سيكون بخير، هي تلك الأفلام التي تشاهدينها، وأخبرتك مسبقًا أنك ستندمين يومًا ما لكنك لم تستمعي لي، لقد فسد عقلك من كثرة ما تشاهدين وتقرئين كل تلك الأشياء المرعبة.
ابتسمت مريم وقالت لها: معكِ حق، كلها خيالاتي المريضة.
نهضت وغسلت وجهها، ثم توجهت للخارج؛ فهي لا ترغب أن تظل هناك مرة أخرى.
يتبع...
🤣🤣🤣 فسد عقلك 🤣🤣🤣🤣🤣
جدا جدا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.