في صباح أحد الأيام رنّ المنبه معلن ًا السابعة صباحًا، وضعت هيام الوسادة فوق رأسها كي لا يزعجها ضجيج المنبه، إلى أن دخلت والدتها
إلى الغرفة وأغلقته وشدت الوسادة من فوق رأس هيام قائلة: استيقظي أيتها الكسولة.. أليس لديك مقابلة عمل اليوم؟!
ردت هيام وهي تقفز من السرير: نعم يا أمي، شكر ًا لك أنك أيقظتني، سأجهز على الفور.
وأسرعت لتغتسل وتجهز نفسها للمقابلة، كانت هيام فتاة في السابعة والعشرين من عمرها، تتمتع بالذكاء والرزانة وطيبة القلب، هادئة الطباع، تتمتع بشيء من الخجل، وهي أيضًا رقيقة الملامح، وعلى درجة
عالية من الجمال، تحب الخير للجميع وترغب في سعادة من حولها، كانت قد تخرجت من الجامعة منذ فترة وبحثت كثيرًا عن فرصة عمل تناسب شهادتها وتخصصها في العلوم، لكن محاولاتها لإيجاد
فرصة العمل المناسبة لها والتي تحلم بها كانت تفشل دائماً، حتى وجدت هذا العمل.
كانت قد قرأت في إعلان عبر مواقع التواصل أن هناك وظائف شاغرة في شركة لصناعة الأدوية، وتواصلت معهم، وكان اليوم هو يوم المقابلة مع مدير الشركة.
وكانت متحمسة لتلك الوظيفة، فهي تريد أن تحقق شغفها بالعمل في المجال الذي تحبه، وهو أيضًا مجال دراستها التي تفوقت بها، تعيش في المنزل مع والدتها فقط، فهي لم يكن لها إخوة، ووالدها متوفي منذ وقت طويل.
خرجت هيام مسرعة ولم تنسَ أن تودّع والدتها وطلبت منها الدعاء لها، استقلت سيارة أجرة كي تصل سريعًا ولا تتأخر عن الموعد.
وعندما وصلت إلى الشركة وجدت في قاعة الانتظار مجموعة كبيرة من المتقدمين للوظيفة، حتى شعرت بالإحباط، فالمطلوب للوظيفة ثلاثة أشخاص فقط، والعدد كبير جدًا هنا، مما جعل فرصة قبولها ضعيفة.
وأخيرًا جاء دورها، وطلبت منها السكرتيرة الدخول إلى مكتب المدير، وداخل المكتب كان يوجد مع مدير الشركة أحد رؤساء الأقسام يعتمد عليه ويأخذ رأيه في من يشغل هذه الوظائف المتاحة.
كان مدير الشركة يقف خلف مكتبه ينظر عبر النافذة، ويعطيها ظهره، بينما دعاها للجلوس الشخص الذي معه، وبدأ في سؤالها بعض الأسئلة الخاصة بمجال دراستها، وأجابت عليه بثقة فهي مُلمة بكل شيء حول مجال دراستها.
وكان مدير الشركة يستمع بهدوء لهما دون أن ينظر، ولكن عندما انتهت المقابلة وقال لها رئيس القسم: سيتم الاتصال بك لإبلاغك بنتيجة المقابلة إن تم اختيارك، وقفت وشكرته وهمت بالخروج، عندما التفت المدير لها ليتمنى لها التوفيق، لكن عندما التفت ورأت هيام وجهه أصابها الذهول، وكانت بانتظارها أكبر مفاجأة بحياتها!
نظرت هيام بدهشة إلى المدير الذي كان شابًا وسيمًا في أوائل الثلاثينات من عمره، وهتفت بصوت خافت: أنت!
لم يسمع ما قالته، فقد كان صوتها خافتاً، وأيقنت هي أنه لم يتعرف عليها، غادرت المكتب وهي تهمس لنفسها: كيف يحدث ذلك؟!
وفي خارج المكتب استوقفتها السكرتيرة كي تؤكد على رقم هاتفها، ثم ذهبت وهي تسترجع ما حدث معها بالماضي، وصلت إلى المنزل وهي في حالة من الشرود، قابلتها والدتها وقالت لها: كيف كانت مقابلتك؟!
أجابتها هيام وكان وجهها شاحباً: خيرًا يا أمي بإذن الله. هتفت بها والدتها: ولكن ما بك؟ أراك شاردة حزينة، أحدث شيء في مقابلتك أزعجك؟!
أجابتها هيام: لا يا أمي، أنا أشعر فقط بالقليل من الإرهاق، سأذهب لغرفتي لأستريح قليلا. تركتها ودخلت إلى غرفتها واستبدلت ملابسها، وجلست شاردة تسترجع ما حدث معها بالماضي، بالتحديد في السنة الأولى لها بالجامعة.
في ذلك الوقت لم تكن فرحة هيام تسعها، فهي قد حققت حلمها بالجامعة التي تمنتها وسعت لأجلها، لكن ما كان يعكر هذه الفرحة هو عدم وجود أصدقاء لها، الكل يبتعد عنها وينفر منها.
فقد كانت تعاني من مشكلات بالهرمونات جعلتها بدينة جدًا، فكانت تملك وجهًا ممتلئًا بشكل مبالغ فيه وجسم مترهل، فقط شخص واحد كان يشعرها باهتمامه بها، وهو زميلها حازم الشاب الوسيم الذي تسعى لأجله جميع فتيات الجامعة.
كان حازم في السنة الأخيرة، وقد قابلته للمرة الأولى في مؤتمر لاتحاد الطلبة، لكنه لم يُبدِ أي اهتمام بها وقتها، لكنها فجأة وجدته يسعى للحديث معها والتقرب منها، ودائمًا في كافيتريا الجامعة كان يأتي للجلوس معها، وكانت تلاحظ أن الكثير من الزملاء ينظرون نحوهما، لكنها أرجعت الأمر لوسامة حازم وحقد الفتيات عليها.
وانتهى العام الدراسي سريعًا، وكانت الجامعة ستنظم احتفالا للخريجين من السنة الأخيرة، وبالطبع طلب منها حازم أن ترافقه للحفل بحكم صداقتها معه.
وتجهزت هيام واستعدت للذهاب إلى الحفل، لكنها رغم تأنقها كان جسدها الممتلئ يؤرقها، الملابس لا تليق بها وتظهر بشاعة جسدها غير المنسق، لكن حب حازم وتقربه منها كان يعطيها الثقة بنفسها دائمًا.
ذهبت إلى الحفل وكانت تملؤها السعادة أن حازم اختارها هي لتشاركه احتفاله في هذا اليوم، استقبلها حازم وكانت السعادة تملأ وجهه، ثم حدث ما لم تكن تتوقعه.
فقد جمع حازم جميع أصدقائه وطلب منهم الوقوف في دائرة كبيرة تتوسطها هيام، ثم فجأة جثا على قدمة ونظر نحو هيام التي رفعت يدها بدهشة وذهول إلى فمها غير مصدقة ما يفعله حازم، وكان قلبها سيتوقف من فرحتها، أخرج حازم خاتم خطبة من جيبه وقال لها: أتقبلين الزواج بي؟!
ارتبكت هيام واحمرّ وجهها وهي تجاوبه على الفور بسعادة غامرة: نعم أقبل.
وفجأة حدث ما لم تتوقعه حتى في أسوأ كوابيسها، فقد ظهرت فتاة من خلفها في نفس اللحظة لتمد يدها لحازم وتقول له: نعم أقبل، لتصاب هيام بالدهشة وهي ترى حازم يقف ليلبس الفتاة الخاتم في يدها.
ظلت هيام صامتة من فرط صدمتها، وانعقد لسانها وهي تنظر لضحكات الجميع من حولها، ثم نظرت لحازم وقالت في تساؤل ملأته دهشة: ماذا يحدث هنا؟!أجابها حازم: كان رهانًا بيني وبين أصدقائي أن أجعلك تحبينني وأقنعك أنني أحبك، ثم استكمل وهو يبتسم في تهكم: شكراً، لك جعلتِني أربح.
نظرت له والدموع تملأ عينيها وبصوت مبحوح قالت: أكان كل شيء مجرد تمثيل وكذب؟!
قال لها: ماذا كنت تتوقعين؟ فتى مثلي يملؤه العشق لفتاة مثلك أنت! .. كيف تظنين ذلك؟
قاطعته وقالت له: يكفي، لا داعي أن تهينني، يكفي أنك قد نزلت من عيني وللأبد.
ثم خرجت مسرعة من الحفل لتذهب إلى منزلها وهي منهارة مما تعرضت له من إهانة.
قطع أفكارها صوت والدتها وهي تستدعيها لتناول الغداء، مسحت عينيها اللتين كانتا قد اغرورقت بالدموع من هذه الذكرى المؤلمة، كي لا تلاحظ والدتها شيئًا، وخرجت من غرفتها.
قالت لوالدتها وهما على الغداء: أريد الذهاب غدًا لخالتي في البلد. ردت والدتها: هل تريدين أن أذهب معك؟
أجابتها: لا يا أمي، سأذهب وحدي.
ثم أنهت طعامها وذهبت إلى غرفتها لتحادث ابنة خالتها وصديقتها الوحيدة ندى، وتخبرها بأنها ستحضر غدًا لزيارتهم.
كانت تحتاج الحديث مع ندى، تحتاج أن تخبرها بما حدث معها، وأنها رأت حازم مرة أخرى بعد كل هذه السنين، فقد كانت ندى هي الوحيدة التي تعلم قصتها الكاملة مع حازم، وهي التي وقفت بجوارها بعد هذه الحادثة التي مرت بها، وجعلتها تحول من جامعتها بالمدينة لجامعة أخرى في بلدة ندى.
وقتها هيام كانت في حالة سيئة، لا تريد أن تقابل أي شخص في جامعتها حتى بعد تخرج حازم وعدم وجوده بالجامعة، هناك الكثير من زملائها شاهدوا ما حدث معها، لذلك استمعت لرأي ندى وقتها، وذهبت للإقامة والدراسة لدى خالتها بعيدًا تمامًا عن كل ما يذكرها بحازم.
جاء اليوم التالي، وودعت هيام والدتها وذهبت لتستقل القطار للذهاب إلى منزل خالتها، وأثناء رحلتها بالقطار استرسلت في ذكرياتها، تذ كرت دعم ابنة خالتها لها ووقوفها بجوارها، حتى أصبحت بالشكل الذي هي عليه الآن.
فهي بعد صدمتها بحازم ظلت تعاني من اكتئاب شديد، وعندما قدمت أوراق قبولها في الجامعة الجديدة الموجودة في بلدة ندى، أصرت عليها ندى أن تذهب معها إلى طبيب شهير لديهم بالبلدة يعالج حالة هيام، وله سمعته في هذا المجال.
وفي الإجازة الصيفية قبل دخولها إلى الجامعة الجديدة، وحتى لا يتكرر معها نفس الموقف وتتعرض للتنمر من زملائها الجدد، استجابت هيام لرغبة ندى بالذهاب إلى هذا الطبيب، وعندما رآها الطبيب طمأنها أنها وبظرف ثلاثة أشهر ستتخلص من المشكلة الهرمونية التي تعاني منها وللأبد، فقط إن واظبت على علاجها.
وكان لدى هيام إصرار كي تعالج وتشفى من مرضها الذي يتسبب في عدم تناسق جسدها، وداومت على أخذ الدواء الذي وصفه لها الطبيب، ونفذت جميع ما قاله بمنتهى الدقة، حتى أنها قد تحولت قبل أن تنتهي الثلاثة أشهر إلى فتاة في غاية الرقة والجمال، تفتن كل من ينظر إليها، حتى أن والدتها عندما ذهبت
لزيارتهم بالبلد لم تتعرف عليها من فرط التغيير الذي حدث لجسدها وملامحها.
أفاقت من أفكارها عندما وصل القطار إلى المحطة، وكانت ندى في استقبالها على محطة القطار، واستقبلتها استقبالا حارًا، وذهبتا إلى المنزل لترحب بها خالتها، ثم اصطحبتها ندى إلى غرفتها التي كانت مخصصة لها أيام الجامعة.
وعندما دخلت هيام إلى غرفتها وجدتها كما هي منذ أن تركتها، لم تغير شيئا بها، وكانت سعيدة بالرجوع إليها، تركتها ندى لتستبدل ملابسها وذهبت لتحضر الطعام هي ووالدتها، وبعد الغداء جلست هيام بغرفة ندى كي تقص عليها ما حدث، شعرت ندى بعد حديث هيام بالدهشة الشديدة، وذكرت هيام أن والد حازم كان يمتلك فيما مضى شركة للأدوية، بالتأكيد هي تكون هذه الشركة التي يترأسها حازم الآن، وسألتها ماذا ستفعل إن تم قبولها بالشركة، فأجابتها هيام أنها لم تفكر في هذا الاحتمال؛ لأنه بعيد، فالمتقدمون كانوا كثيرين للدرجة التي تجعل احتمال قبولها ضعيفًا.
وقضت الفتاتان ليلتهما وهما تتسامران وتتضاحكان حتى أن الفجر اقترب وهما على هذا الحال، إلى أن شعرتا بالنعاس فذهبت هيام لغرفتها، وما إن لامست السرير حتى ذهبت في نوم عميق.
أتى الصباح وأتت معه المفاجأة التي لم تتوقعها هيام، فقد تلقت اتصالا من سكرتيرة شركة حازم لتعلن لها خبر قبولها في العمل بالشركة، وقالت لها إن عليها أن تأتي لاستلام عملها خلال ثلاثة أيام.
وعلى الإفطار لاحظت ندى توتر هيام فسألتها هامسة: ما بك اليوم؟!
ردت عليها بصوت خافت أنها ستقص عليها الأمر بعد الانتهاء من الإفطار.
وخرجت ندى مع ابنة خالتها للسير قليلا في الأراضي الزراعية حول المنزل والتي تمتلكها أسرة الفتاتين، وقصت هيام على ابنه خالتها تفاصيل مكالمة السكرتيرة لها، والتي استقبلتها في الصباح، فسألتها
ندى: ماذا ستفعلين الآن؟!
أجابتها هيام بحزم وكأنها قد حسمت أمرها: بالطبع لن أذهب، لا استطيع التعامل مع هذا المغرور أو حتى رؤيته مرة أخرى.
ردت عليها ندى: لست معك في هذا القرار، إذا لم تذهبي فأنت تضيعين حلمك.. شركة حازم شركة كبيرة، إضافتها للملف "السي في" الخاص بك سيصنع فارقا كبيرًا..
واستكملت ندى حديثها قائلة: كذلك يجب عليك موجهة الماضي حتى تنسيه تمامًا، وتصنعي لك ذكرى جديدة خالية من الألم، وبالنسبة لحازم لا تلتفتي لوجوده، لا تعيريه أي اهتمام.
جاوبتها هيام بعد طول صمت وتفكير: معك حق، هذا حلمي أن أعمل في مجال تخصصي، وإن أضعت الفرصة من الممكن ألا تأتي فرصة جديدة، فالجميع يبحث عن الذين يمتلكون خبرة بالعمل سابقا..
واستكملت حديثها قائلة: نعم سأقبل بالتأكيد، يجب أن أواجه الماضي بقوة، فكما قلتِ لن أنسى إلا إذا صنعت ذكريات جديدة، وحمدً ا لله أنني لم أعد تلك الحمقاء التي استغلها ذلك المغرور، وبالتأكيد لن يتعرف عليّ، فقد مر وقت طويل وأنا الآن شخص جديد تمامًا.
قالت لها ندى: إذًا هيا بنا لجمع أشيائك كي تذهبي غدًا وتستعدي لعملك الجديد. ذهبت الفتاتان وانهمكتا في الحديث أثناء تجهيز الحقيبة الخاصة بهيام،
واتصلت هيام على والدتها لإخبارها بحضورها غدًا.
ماذا سيحدث بعد ان تعمل هيام في الشركة مع حازم هذا ما سنعرفه في الجزء الثاني... يتبع
ياسلام لقد استمعت بخيلك الذي يدل عن تجربة رزينة وسلاسة في الحكي مما يجعل القارء يتبع الحكاية حتى نهايتها فمزيدا لك من التوفيق ومزيدا لنا بالاستمتاع بحكيك وأتمنى أن تطول هذهالمعرفة الثقافية
شكرا لذوقك
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.