في اليوم التالي ودعت هيام خالتها وندى، ووعدتها بزيارتها في القريب العاجل، واستقلت القطار للعودة إلى منزلها.
وفي المنزل استقبلتها والدتها بسرور، وأخبرتها هيام أنه تم قبولها للعمل، وغدًا سترتاح من السفر ثم ستبدأ عملها بعد الغد، دعت لها والدتها وتمنت لها التوفيق، وقضت هيام اليوم تقص على والدتها أخبار البلدة وماذا حدث معها هناك.
مر اليوم التالي سريعًا، ولم تنم هيام تلك الليلة من توترها، لمعرفتها أنها بدءا من الغد مضطرة لرؤية حازم يوميا وفي الصباح جهزت لها والدتها الإفطار، واستعدت هيام للخروج، وكانت في غاية الجمال، فقد اختارت لون الفستان بما يتناسب مع بشرتها البيضاء المائلة للحمرة.
واستقلت هيام سيارة أجرة للذهاب إلى الشركة حتى لا تتأخر في أول يوم لها بالعمل، وكانت تشعر بتوتر شديد لسببين؛ أولهما حازم، وثانيهما أنها لأول مرة ستعمل وتخرج لمجتمع جديد عليها، وصلت إلى الشركة وكانت في انتظارها السكرتيرة لتعرّفها القسم الذي ستعمل به وأين يقع بالشركة، ولسوء حظها كان القسم الذي ستعمل به بجوار مكتب حازم تمامًا، وهو من يباشره، وهذا سيجعلها تراه كثيرًا على غير ما كانت تتوقع.
تعرفت على زملائها في القسم، وكان مكونًا من ثلاثة أشخاص غيرها؛ شاب وفتاتين، كان الشاب يدعى طارق، وهو خجول نوعًا ما، لكن يبدو عليه الذكاء، وكانت الفتاتان إحداهما تدعى سارة، وأخرى تدعى أسماء، وكانتا الاثنتان متزوجتين ولديهما أبناء، وعرفت منهما أن حازم جعل مكانًا مخصصًا بالشركة يُعدّ كروضة للأطفال كي يستطيع العاملون الذين لديهم أبناء الاطمئنان عليهم بوجودهم قريبين
منهم، وهناك في الروضة فريق كامل لتدريسهم.
تفاجأت هيام مما كانت تسرده زميلاتها عليها خلال الأيام التالية من ما يفعله حازم بالشركة، من تحمل للمسؤولية والاهتمام بالعاملين، حتى أنها وجدته شخصية محبوبة من الجميع، ولكن بقيت صفة فيه لم
يستطع التخلص منها، كان لا يزال يتمتع بشيء من الغرور، رغم ما حدث بشخصيته من تغيير، احتفظ بتلك الصفة التي تكرهها هيام به، فهو برغم محاولاته الدائمة لمساعدة من حوله، إلا أنه يصنع حاجزًا
ثلجيًا في التعامل بينه وبين العاملين لديه.
ومر شهران منذ بداية عمل هيام بالشركة، كانت ترى حازم على فترات متقاربة بينما كان يتفقد العمل، وغالبا كان يباشر كل شيء بنفسه.
وذات يوم، وأثناء فترة الدوام، وجدت هيام فتاة جميلة تدخل إلى القسم الذي تعمل به وتسأل: أين حازم؟ لم أجده بمكتبه، كنت أظنه هنا.
أجابها طارق وهو ينظر إليها بنظرة إعجاب: ستجدينه في المخزن الخلفي على ما أعتقد، هو ذهب إلى هناك منذ قليل لتسليم شحنة الدواء، ابتسمت الفتاة وقالت له بنعومة: وكيف حالك أنت؟ جاوبها
طارق وهو ينظر بخجل لمن حوله: بخير شكرًا لك، ابتسمت له الفتاة ابتسامة عذبة وهي تغادر القسم.
وعندها نظرت إليه هيام وقالت وهي تبتسم: إحم.. لا تؤاخذني ولكن من هذه الفتاة؟
قبل أن يجيبها طارق هتفت زميلتها أسماء: هذه الفتاة تكون مريم الأخت الصغرى والوحيدة لمديرنا السيد حازم.
ابتسمت هيام وقد شعرت أن هناك شيئًا يدور بين طارق ومريم. وبعد عدة دقائق وجدت مريم تدخل وهي تتأبط ذراع أخيها وتقول لهم: أخي العزيز يقول لكم يكفي عملا اليوم، فاليوم عيد ميلاده وهو
دائمًا ينساه.
رد عليها حازم: أنت تعلمين ضغط العمل يا صغيرتي، ثم نظر إلى طارق والجميع وقال: انصرفوا أنتم إلى منازلكم، يكفي عملا اليوم.
ولكن قالت مريم في سرعة: ألن تعزمهم يا أخي؟ لدينا اليوم حفل، وكانت ترمق طارق بنظراتها وهي تستطرد: اليوم عيد ميلادك، وقد نظمت احتفالا لك الليلة.
قال لها حازم: ولكن.. قاطعته: أعلم أنك لا تحب الاحتفالات، ولكن أنا أنتظر هذا اليوم كي أجتمع معك
ومع الأصدقاء، واستطردت وهي تضع يدها على كتفه: لا تُحزني يا أخي.
ثم نظرت لهيام وتساءلت: أنتِ ، لم أرك هنا من قبل، أأنت جديدة في العمل بالقسم؟!
جاوبتها هيام وهي ترمق حازم بطرف عينها: نعم لي هنا فقط شهران، قالت لها مريم: إذًا أنت أيضًا يجب أن تحضري اليوم.
ردت عليها هيام بارتباك: لا أظن أستطيع ذلك، قالت لها مريم بغضب مصطنع: إذًا سأحزن وتتسببين في مرضي.
عندما قالت هذه الجملة وجدت وجه حازم قد انقلب فجأة، وهتف بأخته: لا تقولي هذا الشيء مرة أخرى.. ثم نظر إلى هيام وقال بصيغة الأمر: الكل مدعوون لحفل اليوم، لا أعذار.
وخرج مع أخته وترك هيام خلفه تشعر بالدهشة والحيرة من أسلوبه هذا، انتشلها طارق من حيرتها عندما قال فجأة: مريم كانت مريضة بالقلب وعالجها شقيقها في الخارج، لكن الطبيب نصحهم ألا تتعرض للتوتر، ولذلك السيد حازم يشعر بالخوف عليها، وهي المدللة عنده، ولا يرفض لها طلبًا، ثم استكمل في صوت يملؤه الرجاء: أرجو أن تتفهمي الوضع وتأتي معنا الليلة.
شعرت هيام بالحزن على مريم، فمن الواضح أنها فتاة طيبة القلب، ولا تستحق بالفعل أن يحدث معها شيء سيء، وافقت هيام على الذهاب، وودعت زملاءها وذهبت إلى منزلها كي ترتاح قليلا
وتستعد للاحتفال.
وفي غرفتها كانت هيام تشعر بتوتر، كيف تستطيع الذهاب إلى منزل حازم؟ هي بالأساس تشعر بتوتر بسبب وجوده بالشركة، الآن عليها أيضًا أن تراه خارج العمل، وقالت في نفسها: ما هذا الموقف الذي
أنا به الآن؟ ماذا أفعل؟
ولكنها عندما فكرت بمرض مريم شعرت أنه يجب عليها أن تذهب حتى لا تُحزنها، وأبلغت والدتها أنها ستذهب إلى حفل في المساء ووعدتها أن لا تتأخر.
أتى الموعد المحدد واستعدت هيام، ولم تنسَ أن تبتاع هدية لحازم، قبل أن تذهب للحفل، فاشترت له عطرًا كانت تعلم أنه يفضله.
وصلت هيام إلى الفيلا التي يقطن بها حازم مع شقيقته الوحيدة، والتي كانت قد أخذت عنوانها مسبقا من زملائها، وعندما دخلت الاحتفال لفتت أنظار جميع الحاضرين، فقد كانت ترتدي فستانًا قصيرًا
ورديًا، وتترك شعرها الطويل ينسدل على ظهرها، كانت في غاية الرقة والجمال.
وجدت مريم تأتي لاستقبالها بسعادة وترحب بها، ثم أمسكت يدها بود ومشت بها نحو حازم، الذي كان يقف وظهره لهما، نادت عليه أخته وهي تقف وراء ظهره، فالتفت لها وهي تقول له: ألن ترحب بضيفتنا؟ وأشارت نحو هيام التي مدت يدها إليه لتعطيه هديته
وتهنئته بميلاده، ولم يستطيع إشاحة وجهه بعيدًا عنها وهو يتناول منها الهدية ويشكرها.
وابتعدت هيام بهدوء لتذهب إلى زملائها، وظل هو يرمقها بنظراته وهي تبتعد، حتى أن أخته لاحظت نظراته فهتفت وهي تمازحه:
أعلم أنها جميلة، ولكن لا تنسَ أنك المدير، رد عليها بارتباك: لا تبالغي، لست معجبًا بها، قالت له وهي تبتعد والابتسامة على وجهها: واضح أنك لست معجبًا بها.
وكانت هيام تشعر في تلك اللحظة بالاختناق، فها هي الآن مرة أخرى تصطدم بحازم في حياتها لتعاد ذكرياتها الأليمة معه من جديد، خصوصًا ذلك الاحتفال الذي يذكرها باحتفال تخرج حازم الذي
تعرضت فيه للإهانة.
وكانت مريم تقف على مقربة منها مع طارق، فقطعت أفكارها عندما نادت عليها أن تأتي لتقف معهما، ظلوا ثلاثتهم يتحدثون ويتضاحكون، ونسيت هيام أفكارها الحزينة بسبب خفة دم مريم، وأسلوبها الودود.
انتهي اليوم وودعت هيام مريم، ولكن فاجأتها مريم عندما استدعت حازم وقالت له: لقد تأخر الوقت ومنزل هيام بعيد، ما رأيك يا أخي أن توصلها إلى منزلها؟
وافق حازم على مضض بسبب إلحاح أخته عليه، ولكن هيام اعترضت وقالت لهم إنها تستطيع أن تأخذ أي سيارة أجرة، ولكن مريم أصرت عليها أن توافق، ولم تعطِ هيام أي فرصة للرفض.
واستقلت هيام السيارة بجوار حازم، وهي تحاول أن تتماسك ولا يبدو عليها الانفعال، فقد كانت تشعر بتوتر كبير وهو على مقربة منها هكذا.
لكنها ما لبثت أن شعرت بالصدمة وكاد قلبها أن يتوقف عندما هتف حازم بها فجأة: ألم نلتقِ من قبل؟!
نظرت هيام له وبصوت خافت مرتبك قالت له: لا.. لماذا اعتقدت هذا؟!
أجابها حازم: لا أعلم، أشعر أنك تذكرينني بأحد ما، ولكن لا أدري من، فاعتقدت أنني التقيت بك من قبل.
وفي تلك اللحظة شعرت هيام بالخوف من أن يتعرف عليها حازم، فحاولت أن تغير الموضوع في سرعة وقالت: حمدًا لله أن غدًا إجازة، فالوقت قد تأخر ولم أكن لأستطيع أن أصحو مبكر ًا.
أجابها حازم وهو يمازحها: وكان مديرك سيخصم من راتبك عندما تأتين متأخرة.
ابتسمت هيام لدعابته، وقد زال توترها قليلا، وظل حازم يتحدث معها إلى أن وصلت إلى منزلها، شكرته ونزلت من السيارة. بينما أخذ حازم يراقبها فترة إلى أن غابت عن عينيه ثم انطلق بالسيارة مبتعدًا.
وعندما صعدت هيام إلى شقتها وجدت والدتها نائمة، فذهبت مباشرة إلى حجرتها لتستبدل ملابسها وتستريح.
لم تستطع هيام النوم بسبب خوفها من مشاعرها المتناقضة تجاه حازم، فهي أحيانا تشعر أنها تكرهه وتود لو تستطيع الانتقام منه، وأحيانا أخرى تشعر أنها ما زالت تحبه ولا تستطيع أن تنساه، فهو بالنسبة لها أول حب وأول شعور، ولم يخفق قلبها من بعده لأحد مرة أخرى، الكثير من المشاعر المتناقضة داخلها تجاهه.. واستسلمت للنوم وهي على هذه الحالة تفكر به.
ايضا حازم لم يستطع النوم تلك الليلة، ظل يفكر بذلك الشعور الذي بداخله، هو ولأول مرة يشعر بهذا الانجذاب نحو فتاة ما، هو دائمًا يفكر بالعمل ولا مكان للعواطف في حياته، لماذا لا يستطيع إخراجها
من تفكيره؟ لماذا يشعر وكأنه يعرفها منذ زمن؟ وما هذا الارتباط الغريب الذي يشعر به نحوها؟
فمنذ أن أتت إلى الشركة وهو يشعر عندما يراها بارتياح غريب، شعور لم يشعر به من قبل! وتذكر حازم الهدية التي أهدتها له في الحفل، فذهب ليفتح الغلاف ويراها، ليفاجأ بالعطر المفضل لديه،
ولكن لا أحد يعلم ذلك، فهو منذ فترة لم يستخدمه، كيف تعلم هي بهذا الشيء، أحس بالحيرة ثم ما لبث أن شعر بالسرور، عندما أحس أن ذوق هيام يناسب ذوقه، وظل يفكر بها لفترة ثم أخيرًا استسلم للنوم.
في صباح اليوم التالي أتت خالة هيام وابنتها ندى لزيارتهم، وعندما جلست ندى مع هيام داخل غرفة الأخيرة، قصت عليها ما حدث معها خلال الشهرين الأخيرين، وشرحت لها كيف أن حازم قد تغير ولم يعد ذلك الشخص الذي عرفته في الماضي.
وشعرت ندى من حديث هيام عن حازم أنها ما زالت تحبه، ولكنها لم تواجهها بشعورها هذا، ولكن نصحتها وهي تودعها في آخر اليوم أن تحترس ولا تتصرف أي تصرف باندفاع.
انتهت عطلة هيام وذهبت في اليوم التالي للعمل ورحبت بزملائها وبدأت عملها، وفي منتصف اليوم استدعاها حازم إلى مكتبه، وعندما دخلت إلى المكتب وجدت حازم يسألها، كيف استطاعت أن تعرف نوع العطر المفضل لديه.
وارتبكت هيام وشعرت أنها وقعت في خطأ بشرائها ذلك العطر، أجابته أنه فقط نوع معروف، وأحست أنه سيعجبه، ولم تكن تعرف أنه هو بالذات العطر المفضل لديه.
وشكرها حازم مرة أخرى على هديتها، ثم طلب منها طللبًا غريبًا، قال لها فجأة: هل تأتين اليوم معي لتناول الغداء في المطعم المجاور للشركة، تفاجأت هيام من طلبه هذا وشعرت بالخوف من أن يتكرر ما
حدث في الماضي.
فأجابته على الفور أنها تعودت على تناول طعام الغداء مع والدتها، ولن تستطيع أن تقبل طلبه هذا،
واحس حازم أنها تتحجج بوالدتها كي لا تأتي معه، فلم يضغط عليها أكثر، فقط قال لها إنه يتفهم هذا الأمر.
وعندما خرجت من المكتب أحس حازم أن هناك شيئًا ما تخفيه هيام، شيئا غامضًا، دائمًا تتهرب من النظر إليه مباشرة، وقال لنفسه بالتأكيد وراءها شيء، غير أنه يعلم جيدًا أن طلب الغداء إذا عرضه على أي فتاة في الشركة كانت سترحب بالتأكيد، لماذا تلك الفتاة
تحاول الابتعاد عنه بينما الجميع يتمنى الاقتراب منه؟!
ماذا سيحدث بعد ذلك ؟ هل سيتذكر حازم هيام ام سيظل في حيرته؟ هذا ما سنعرفه في الأحداث التالية من الرواية ..
يتبع….
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.