في روايته الجديدة «فُقِدتُ في الحياة»، الصادرة عن دار فِكر، يقدم المترجم والروائي مكاريوس سليم دليلًا سرديًّا عن الهشاشة الإنسانية، وتنتمي الرواية لمدرسة الأدب الوجودي، حيث يتشكل النص من خلال مونولوج داخلي وتأملات فلسفية غير خطية.
وقد نُشرت الطبعة الأولى للرواية للكاتب مكاريوس سليم هذا العام، ضمن فعاليات معرض الكتاب، وكنت من المحظوظين الذين اقتنوا هذه الرواية في أثناء زيارتهم للمعرض.
ولعلّ السبب وراء ذلك يعود إلى الغلاف، الذي يبعث في النفس شعورًا بالحنين إلى الماضي، فضلًا عن نبذة الرواية التي توضِّح أنها موجَّهة إلى أولئك الذين فُقِدوا في دروب الحياة، سواء بالعمى المادي أو الروحي، أو بفقدان الأحبة. كما تقدِّم الرواية رحلةً وجودية عبر مراحل الحياة المختلفة، سعيًا وراء غاية البحث عن الذات، أو الهوية، أو معنى الحياة.
وانطلاقًا من ذلك، أسعى في هذا المقال إلى تقديم مراجعة نقدية للرواية، والوقوف عند عددٍ من محطاتها الفنية والفكرية، وفتح حوارٍ حياديٍ وبنّاءّ مع النص الأدبي.
ملخص رواية «فُقِدتُ في الحياة»
تدور رواية «فُقِدتُ في الحياة» حول سيرة آدم فوزي، شاب ينتمي إلى جيل الألفية، تتشكَّل هويته عبر سلسلة من الصدمات والتناقضات العائلية والاجتماعية. منذ الطفولة، يعيش آدم صراعًا بين ما يُراد له أن يكونه، وما يشعر في داخله أنه عليه أن يكونه، في ظل خطاب أبوي متناقض، وخبرات فقد مبكرة، وانجراف مؤقت نحو مسارات هامشية.
يتطور المسار النفسي للشخصية مع انتقاله من حلم المكانة الاجتماعية المرموقة المتمثلة في دراسة الطب، إلى البحث عن شغفه الحقيقي في الكتابة، وهو تحوُّل يتجسد خلال منحة دراسية في نابولي، حيث تتقاطع حياته مع نماذج بشرية متعددة تمثل اختبارات أخلاقية وعاطفية، أبرزها علاقتاه بمالينا وماريا.
تبلغ الرواية ذروتها مع إصابة آدم بالعمى البصري، الذي يتحول إلى رمز لعمى معنوي أعمق، يتجلَّى في فقدان الحب والمعنى، لا سيما بعد زواج ماريا، وما يحمله ذلك من انكسار وجودي.

وفي النهاية، تقدِّم الرواية مسارًا رمزيًا يرى في التمرد على المسارات المفروضة ثمنًا لا مفر منه لتحقيق الحرية وتشكيل الذات، حتى وإن جاء ذلك مقرونًا بالخسارة والتضحية.
الفكرة العامة: فلسفة الفقد
عند النظر إلى رواية «فُقِدتُ في الحياة» نجد أنفسنا أمام عمل فريد من نوعه إلى حدٍّ ما؛ فهي رواية اجتماعية درامية نفسية، أحداثها واقعية، وإن كانت تدور في جيل الألفية، جيل البناطيل الفضفاضة.
يكفي عنوان الرواية وحده: «فُقِدتُ في الحياة»، ليكون ملفتًا للنظر، فهو يضرب على وترٍ حساس عند كل إنسان؛ فتجارب الحياة التي نمرُّ بها جميعًا تُجبرنا، بطريقة أو بأخرى، على التخلِّي عمَّا نحلم به، والسعي وراء ما يتماشى مع متطلبات المجتمع، أو مع رغبات وطموحات الآباء.

لذا، تناقش الرواية قضايا عدة، وكلُّها تدور في فلكٍ واحد حول فكرة البحث عن الذات. يتجلَّى هذا السعي في مصاحبة أصدقاء السوء، وتأثيرهم، ثم تأثير الابتعاد عنهم، والتمرُّد على الرغبات الأكاديمية للعائلة، وما يترتَّب على ذلك لاحقًا، وصولًا إلى التحرُّر من قيود الأسرة.
كما تتناول الرواية الوقوع في الحب عدة مرات بعضها حبًا معنويًا خالصًا والأخرى حبًا عاطفيًا لا جدوى منه، وتتناول العمى البصري والمعنوي، بل والفراق، سواء بالموت أو بفقدان الحبيب.
كلّ ما يقدِّمه لنا الكاتب يجعلنا نظنُّ، في لحظةٍ ما، أن هذا كلَّه عبث، وأن الشخصية الرئيسة تهيم على وجهها مع كل هذه المحطات البارزة؛ غير أن هذا العبث الظاهري يتحوَّل في النهاية إلى لوحةٍ فنيةٍ باهرة، تعيد تشكيل الذات بالصورة التي يبتغيها، رغم ضريبة التضحيات التي تكبَّدها للقدر، سعيًا لأن يكون حرًّا بذاته، على النحو الذي يرنو إليه.
ولا ضير في القول إن الفكرة مبتكرة، ومشبعة بروح الإبداع، إذ تنطلق من مفهوم الحرية والأصالة في تشكيل الذات، وهو ما يشكِّل لبَّ الفلسفة الوجودية عند جين بول سارتر كما عبر عنها بقوله الشهير: «الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرًا»، وهي الفكرة العامة (Theme) التي يسعى الكاتب لتأكيدها بهدف شحذ معدن الشخصية الرئيسة، آدم فوزي، في ذات الوقت عبر تمرده في محطات حياته على فكرتي «المجتمع صنعني»، أو «هكذا ولدت».
الشخصيات: بين نابولي والقاهرة
أغلب شخصيات الرواية تبدو حية وقابلة للتصديق، ويمكن العثور على نماذجها في الحياة اليومية، ولا سيما الشخصية المحورية: آدم فوزي.
يتتبَّع الكاتب تطور آدم منذ طفولة يتداخل فيها الاكتشاف المبكر للعاطفة مع تناقض تربوي واضح، يتمثل في الفجوة بين خطاب الأب وسلوكه العملي، إضافة إلى خبرات الفقد المتتالية، بدءًا من فقدان الجدة، مرورًا بالانجراف نحو أصدقاء السوء.
ومع تقدُّم السرد، يشبُّ آدم عن الطوق، متحولًا من السعي وراء المكانة الاجتماعية المرموقة التي يمثلها الطب، إلى البحث عن شغفه الحقيقي في الكتابة، وهو تحوُّل تتكثف ملامحه خلال منحة نابولي، وعلاقته بماريا، التي لا تمثل فقط حبيبة لاحقة، بل لحظة وعي عاطفي ومعرفي.
ويبلغ هذا المسار ذروته في إصابته بالعمى البصري، الذي يتبعه عمى معنوي أشد قسوة، يتجلى في زواج ماريا من بيتر رامز، بما يحمله ذلك من دلالة رمزية على فقدان المعنى لا البصر فقط.
تخدم أغلب الشخصيات الفكرة الرئيسة للرواية، غير أن بعضها يظهر بوصفه أدوات لتحريك الحدث أكثر من كونه كيانات درامية مكتملة، مثل مالينا في نابولي، وأنطونيو موتسوليني.
أما النهاية، فهي منطقية في سياق البناء العام، وتميل إلى الرمزية، إذ تؤكد فكرة التضحية بوصفها ثمنًا لتحقيق الأهداف. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن تعميمه على جميع التجارب الإنسانية، إذ لا يستلزم كل إنجاز بالضرورة فقدانًا وجوديًا مماثلًا.
الحبكة والبناء السردي
بالنظر إلى الحبكة والبناء السردي، نجد أن الرواية تقوم على حبكة متكاملة، ولغة سردية وصفية كثيفة الدلالة، تتسم بترابط الأحداث ووضوح التصاعد الدرامي، دون الوقوع في المبالغة أو الافتعال. كما تأتي النهاية منطقية ومنسجمة مع المسار العام للشخصيات.
غير أن هذا التماسك لا يمنع تسجيل ملاحظة نقدية على شخصية ماريا، التي تبدو طيبتها في بعض المواضع مبالغًا فيها، بل ومُستغلَّة سرديًا إلى حد ما. فقرارها العودة من اليونان إلى القاهرة بعد طلاقها من بيتر رامز، وبدء حياة جديدة، لا يبدو مدفوعًا بشخص آدم فوزي بقدر ما هو مرتبط بتحوله إلى كاتب عالمي مشهور. وهو ما يفتح تساؤلًا مشروعًا: هل كانت ستعود إليه لو لم يحقق هذا النجاح؟
هذا الطرح يضع الشخصية في منطقة رمادية، ويجعل علاقتها بالبطل أقرب إلى استجابة للنجاح والاعتراف الاجتماعي، لا لارتباط إنساني خالص، وهو ما يُضعف صدقية هذا التحول العاطفي، رغم وجاهته الدرامية.
الرؤية والرسالة: صراع القيم
على مستوى الرؤية والرسالة، تطرح الرواية شبكة من الأسئلة الوجودية والفكرية، لا بوصفها إجابات جاهزة، بل عبر حوارات ومواقف سردية تفتح أفق التأمل أمام القارئ.
تتساءل الرواية عن العلاقة الإشكالية بين الطموح والرضا، وهل السعي الدائم نحو الأفضل يحمل في طياته قدرًا من عدم الاكتفاء، أم أنه شرط أساسي لاكتمال الذات. كما تميِّز بين الوحدة بوصفها غيابًا للأفراد، والوحدة الأعمق الناتجة عن الاغتراب الثقافي واختلاف المنظور.
وفي سياق العلاقات الإنسانية، تناقش الرواية طبيعة الحب: هل هو شعور نسبي متغير تحكمه الظروف والتحولات، أم قيمة ثابتة تملك جوهرها الخاص؟ وتمضي أبعد من ذلك حين تطرح فكرة الموت بوصفه، في بعض الحالات، شكلًا من أشكال الرحمة، لا نهاية عبثية للحياة.
كما تقارن الرواية بين الحب والنجاح واكتشاف الذات في منح الوجود معناه، متسائلة عن أيِّها أكثر رسوخًا وأبقى أثرًا. وتختتم هذا المسار الفكري بطرح ثمن التمرد على الحتميات الجاهزة وعلى فكرتيْ «المجتمع صنعني» أو «هكذا وُلدت»، مؤكدة أن اختيار الطريق الخاص لا يأتي بلا تكلفة.
تقييم أخير: فجوات المنطق الدرامي
وأخيرًا، ورغم ما تحمله الرواية من نقاط قوة فنية واضحة، فإنها لا تخلو من بعض نقاط الضعف التي تؤثر في مصداقية البناء السردي. ومن أبرز هذه الملاحظات خطُّ أحداث علاقة آدم فوزي بمالينا الراقصة خلال فترة دراسته في نابولي.
إذ يبدو التحول الدرامي الذي يقود طالب ماجستير إلى التورط، ولو معنويًا، في جريمة قتل بدافع علاقة عاطفية تحولًا غير مبرر سرديًا، خاصة مع الطريقة التي تُقدَّم بها شخصية مالينا، وتحريضها لآدم على قتل خطيبها أنطونيو موتسوليني بحجة انتمائه للمافيا. وتزداد الإشكالية حين تنفذ مالينا الجريمة بنفسها، دون أن تترتب على ذلك أي تبعات قانونية أو تحقيقات تُذكر، وكأن الحدث يُطوى سرديًا بمجرد انتهاء دوره الوظيفي في تحريك الحبكة.
هذا التجاوز يُعد ضعفًا فنيًا واضحًا، إذ يخل بمنطق العالم الروائي، ويقوض الإحساس بالواقعية الذي نجح النص في ترسيخه في مواضع أخرى.
ومع ذلك، تظل الرواية جديرة بالقراءة، خاصة لمن أوتي قدرًا وافرًا من الشجاعة لمواجهة معترك الحياة، والسير عكس التيار والمسارات الجاهزة، متكئًا على حدسه الخاص. فهي رواية قد تبدو عبثية في ظاهرها، لكنها تلمِّح إلى أن الحياة، وإن بدت خداعة، فإن موازينها قد تميل في النهاية لصالح من يجرؤ على اختيار ذاته رغم ما سيبذله في سبيلها من تضحيات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.