لنكمل من حيث انتهينا في الجزء السابق
....
نهضت مجغان، وبدأت تنفض الغبار عن ملابسها وهي تضحك:
– «فريدة، أنتِ حقًا مجنونة»، قالت.
أما أنا، فلم أنهض من مكاني. كنت أرتجف وقلت لها بصوت مرتجف:
– «كيف تفتري عليَّ هكذا دون أن تخافي الله، يا أختي؟ أنا لا أزال طفلة».
ثم لم أستطع تمالك نفسي، وبدأت أبكي.
في تلك الليلة، داهمتني حمى شديدة وأنا في فراشي. لم أستطع النوم، كنت أهذي وأتقلب كسمكة كبيرة علقت في شباك الصيد.
الحمد لله أن الليالي كانت قصيرة، فلم تتركني مجغان وحدي حتى أشرقت السماء.
كنت أشعر وكأن شيئًا ما قد تغير في جسدي، وكأن خوفًا شديدًا لا يُقاوَم واشمئزازًا من نفسي يتملكني. وكنت بين لحظة وأخرى أرتمي على عنق مجغان بنشيج طفل، وأقول باكيةً:
– «لماذا قلتِ ذلك، أختي؟»
كان من الواضح أنها تخشى أن تتعرض لهجوم جديد، فلم تقل «نعم» ولا «لا»، فقط كانت تلاطف شعري، وتضع رأسي في حجرها محاولةً أن تهدئني.
لكن، مع اقتراب الفجر، بدأت هي أيضًا تفقد أعصابها، وانفجرت في وجهي بصوت حاد مملوء بالغضب:
– «مجنونة! وهل الحب عيب؟ لم تقع القيامة بعد! وإن لم يكن بد، فتتزوجان وتنتهي القصة... نامي الآن أمامي، لا أريد أي تصرف غير لائق».
أمام هذا الضغط المفاجئ وغير المتوقع من أختي مجغان، خضعتُ أنا هذه المرة. ثم إن جسدي ما عاد فيه قوة للمقاومة أصلًا.
كنت مثل عنزة مسيو سوغان التي ظلت تصارع الذئب في الجبل طوال الليل، ثم استسلمت مع أولى خيوط الصباح.
وقبل أن أغفو، سمعت صوت مجغان وقد أصبح جامدًا من جديد، تقول:
سمعتها تهمس:
– «يبدو أنه هو أيضًا ليس غير مبالٍ بكِ».
لكنني لم أعد أملك القوة للغضب أو الاحتجاج، فاستسلمت للنوم.
في اليوم التالي، كنا مدعوين إلى مزرعة لأحد الأثرياء المحليين.
لم يسبق لي أن قضيت يومًا من المرح والانفلات مثل ذلك اليوم.
تركت خالتي عائشة ومجغان بجانب بركة المزرعة ينهمكن في القيل والقال مع الكبار،
أما أنا، فقد جمعت الأطفال خلفي وأحدثت الفوضى في كل شيء، خلطت العشب بالعشب والماء بالماء، كما يُقال.
وفي لحظة من لحظات الحماس، حاولت حتى ركوب حصان عارٍ، ما كاد يعرِّضني لحادث بسيط.
خالتي ومجغان، كلما رأياني، أخذتا تلوّحان لي بأيديهما ورأسيهما.
كنت أفهم تمامًا ما تقصدانه، لكنني لم أرغب في الاعتراف بذلك، فتظاهرت بأنني لم أفهم، واختبأت مجددًا بين الأشجار.
نعم، كنت أدرك أنه من غير اللائق لفتاة في الخامسة عشرة من عمرها، حسب تعبيرهم الرقيق «مثل أمّ الأحصنة» – يقصدون أنها فتاة مسترجلة – أن تتصرف بتلك الفوضوية بين الفلاحين والخدم، بشعر مكشوف، وساقين عاريتين، وملابس مبعثرة...
لكنني، مع ذلك، لم أكن أستطيع إقناع نفسي بالتوقف.
في لحظة ما، وجدت مجغان وحدها، فأمسكت بذراعها وقلت:
– «ماذا تفهمين من تلك النسوة المتصنعات مثل كنائن الأرمن؟ تعالي معي بدلًا من الجلوس هناك!»
لكنها غضبت تقريبًا وقالت:
– «أنتِ حقًا مخلوق غريب، كأنكِ وحش يا فريدة!
ألم تري كيف كنتِ البارحة؟ لم تنامي حتى ساعتين هذا الصباح، ثم نهضتِ من جديد، ولا يبدو عليكِ أي أثر للتعب.
لونكِ مشرق، عيناكِ تلمعان... أما أنا، فانظري إلى حالتي!»
كانت مجغان المسكينة فعلًا في حالة يُرثى لها.
من قلَّة النوم، أصبح وجهها شاحبًا بلون شمع النحل، حتى بياض عينيها بدا باهتًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.