ﻛﺎنت المعلمة تستمع ﻟﻲ وﻋﻴﻨﺎها ﻣﺜﺒﺘﺘﺎن ﻋﻠﻲّ، ثم سألتني: ﺣﺴﻨﺎً، ﻛﻴﻒ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ اﻟﻤﺪرﺳﺔ؟
ﻗﻠﺖ دون ﺗﺮدد: "ﻗﻔﺰت ﻣﻦ فوق اﻟﺤﺎﺋﻂ ﺧﻠﻒ ﻏﺮﻓﺔ اﻟﻐﺴﻴﻞ".
المعلمة قالت وهي ترفع يديها على رأسها من شدة تفاجئها: ﻛﺎرﺛﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻛﻴﻒ تجرؤين؟
قلت ﺑﻨﻔﺲ اﻟﻌﻔﺔ والهدوء: -ﻻ تقلقي ﻳﺎ ﺳﻴﺪﺗﻲ... اﻟﺠﺪار ﻣﻨﺨﻔﺾ ﺟﺪاً، ﻋﻼوة على ذﻟﻚ، ﻛﻴﻒ ﺗﺮﻳﺪﻧﻲ أن أﺧﺮج ﻣﻦ اﻟﺒﺎب؟ ﻫﻞ ﺳﻴﺴﻤﺢ ﻟﻲ اﻟﺒﻮاب ﺑﺎﻟﺮﺣﻴﻞ؟
قلت للمعلمة في فصل الصف الأول: "المعلمة ﺗﻴﺮﻳﺰ تناديك يا معلمتي"! ﻟﻘﺪ كذبت لأهرب منها... وأضفت: ﻣﻦ ﻓﻀﻠﻚ ﻻ ﺗﺨﺒﺮيها أﻳﻀﺎً بما حدث؛ ﻷن ﻫﻨﺎك خطراً ﻣﻦ أن اﻟﻜﻼب ﺳﻮف ﺗﺠﻮع...
ﻳﺎ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ أﻧﺎس ﻏﺮﻳﺒﻴﻦ هؤلاء المعلمين، أﻋﺘﻘﺪُ أﻧﻨﻲ إذا ﻓﻌﻠﺖ ذﻟﻚ ﻓﻲ ﻣﺪرﺳﺔ أﺧﺮى، ﻓﺴﺄﻛﻮن إﻣﺎ مسجونة أو ﺳﻴﺤﻜﻢ ﻋﻠﻲّ ﺑﻌﻘﻮﺑﺔ أﺧﺮى.
ﺟﻠست المعلمة ﻗﺮﻓﺼﺎء لتواجهني وقالت: "ﻣﻦ اﻟﺠﻴﺪ ﺣﻤﺎﻳﺔ اﻟﺤﻴﻮاﻧﺎت اﻟﺼﻐﻴﺮة". ﻟﻜﻦ اﻟﻌﺼﻴﺎن ﻟﻴﺲ جيدا على اﻹﻃﻼق... اﺗﺮكي اﻟﺴﻠﺔ ﻟﻲ... ﺳﺄرﺳﻞ اﻟﻔﺘﺎت إلى اﻟﺒﻮاب لينقلها للكلاب.
أﻋﺘﻘﺪ أن ﻻ أﺣﺪ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻲ أﺣﺒﻨﻲ ﻣﺜﻞ ﻫﺬه اﻟﻤﺮأة.
أﻓﻌﺎل ﻫﺆﻻء المعلمين ﺗﺸﺒﻪ ﺗﺄﺛﻴﺮ اﻟﺮﻳﺢ على اﻟﺼﺨﺮة، ولكن مع ذلك لم يبد أﻧﻬﺎ ﺳﺘﻤﻨﻊ ضرري وﻋﺪم طاعتي، ومع ﻣﺮور اﻟﻮﻗﺖ، أخشى أنها تركت آثاراً ﻻ ﺗﻤﺤﻰ في ﺪاﺧلي، واﻟﺘﻲ اﺧﺘﺮﻗﺖ ﺳﺮاً ﻓﻲ وتركت ﻟﻲ ﺑﻘﺎﻳﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﻋﻼﺟﻬﺎ ﻣﻦ اﻟﻀﻌﻒ.
ﻧﻌﻢ، ﻛﻨﺖ ﺣﻘﺎً ﻃﻔﻠﺔ ﻏﺮﻳﺒﺔ وﻏﻴﺮ ﻣﻔﻬﻮﻣﺔ.
أﺳﺎﺗﺬﺗﻲ ﺿﻌﻔﺎء وﻟﻘﺪ أﻣﺴﻜﺖ نقاط ضعفهم، ﻛﻨﺖُ أﻋﺮف جيداً ﺳﺒﺐ ﺷﻌﻮر ﻛﻞ واﺣﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺎﻟﻀﻴﻖ والحزن وبناء على ذلك قمت بعمل المحاكمات.
على ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻤﺜﺎل، ﻛﺎن ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻣﺪرس ﻣﻮﺳﻴﻘﻰ ﻗﺪﻳﻢ، وﻣﺘﻌﺼﺐ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ اﺳﻤﻪ ﻣﺎﺗﻴﻠد، ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻛﺎن ﻳﺼﻠﻲ واﻟﺪﻣﻮع ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻪ أﻣﺎم ﺗﻤﺜﺎل ﻣﺮﻳﻢ اﻟﻤﻌﻠﻖ على اﻟﺤﺎﺋﻂ، ﻇﻬﺮ اﻟﺬﺑﺎب ﻳﻄﻴﺮ ﺣﻮل اﻟﺘﻤﺜﺎل: "المعلم قال: ﺟﺎءت اﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﻟﺰﻳﺎرة أﻣﻨﺎ اﻟﺤﺒﻴﺒﺔ"!
ﻟﻘﺪ ﻻﺣﻈﺖ أن ﻣﺪرﺳﺎً آﺧﺮ ﻛﺎن ﻧﻈﻴﻔﺎ ودﻗﻴًﻘﺎ ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ ذات مرة وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻣﺮرت به، ﺗﻈﺎﻫﺮت بأن ﻗﻠﻤﻲ ﻻ ﻳﻜﺘﺐ ﺑﺸﻜﻞ ﺟﻴﺪ، وﻫﺰزته ﺑﻘﻮة فرش اﻟﺤﺒﺮ على اﻟﻴﺎﻗﺔ اﻟﺒﻴﻀﺎء ﻟﻠﺮﺟﻞ اﻟمسكين.
- اقرأ أيضاً رواية طائر النمنمة الجزء الأول
- اقرأ أيضاً رواية "طائر النمنمة" ج14
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.