رواية طائر النمنمة الجزء الرابع

إنه بديل مربيتي فاطمة وحديقتها وريفها، ﻟﻘﺪ عودني ﺣﺴﻴﻦ ﻋلى حياة اﻟﺠﻴﺶ ﻓﻲ اﻟﺜﻜﻨﺎت، ﻟﻢ أر أﺑﺪًا ﻣﻬﺎرة أي ﺷﺨﺺ آﺧﺮ ﻓﻲ اﺧﺘﺮاع اﻷﻟﻌﺎب، مثل ﻫﺬااﻟﺮﺟﻞ اﻟﻀﺨﻢ ذو اﻟﺸﺎرب اﻟﻄﻮﻳﻞ، وﻛﺎن ﺟﻤﺎله هذه الألعاب في أن ﻣﻌﻈﻤﻬﺎ ﻛﺎنﻋﺮﺿﻴًﺎ مفاجئًا وﻣﺜﻴﺮًا.

على سبيل المثال، ﻛﺎن ﻳﺮﻣﻲ ﺑﻲ ﻓﻲ اﻟﻬﻮاء ﻣﺜﻞ ﻛﺮة ﻣﻄﺎﻃﻴﺔ، أو ﻳﺠﻠﺴﻨﻲ ﻋلى ﻗﺒﻌﺘﻪ وﻳﻤﺴﻚ ﺑﻘﺪﻣﻲّ وﻳﺠﻌﻠﻨﻲ أﻗﻔﺰ وأدور، ﻛﺎن ﺷﻌﺮي يتطاير ويتشابك، وتمتلئ ﻋﻴﻨﺎي ﺑﺎﻟﺪﻣﻮع، وﻟﻢ أﺟﺪ ﻣﺘﻌﺔ اﻟﺼﺮاخ ﻓﻲ أي ﺷﻲء ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ.

تحدث ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻷﺣﻴﺎن ﺤﻮادث لكننا ﻋﻘﺪﻧﺎ صفقة أﻧﺎ وﺣﺴﻴﻦ إذا ﺗﺄذﻳﺖ ﻓﻲ اﻟﻠﻌﺒﺔ ﻓﻠﻦ أﺑﻜﻲ، وﻟﻦ أﺷﻜﻮ ﻷي ﺷﺨﺺ، ﻫﺬا أكثر من الصواب.

لكن هذا ما يميزني فأنا ﻣﻌﺘﺎدة ﻋلى اﻻﺣﺘﻔﺎظ ﺑﺎﻷﺳﺮار ﻣﺜﻞ الراشدين ولكني في الحقيقة كنت أﺧﺸﻰ أﻧﻪ ﻟﻦ ﻳﻠﻌﺐ ﻣﻌﻲ ﻣﺮة أﺧﺮى.

عندما كنتُ طفلة وﺻﻔﻮﻧﻲ ﺑﺎﻟﺨﺸﻮﻧﺔ، رﺑﻤﺎ ﻟﺪﻳﻬﻢ مبرر لهذا أﻳﻀًﺎ، أﻳًّﺎ ﻛﺎن ﻣﻦ ﻟﻌﺒﺖ ﻣﻌﻪ، أحيانا ﻛﻨﺖ أﺗﺄﻟﻢ وأﺻﺮخ وأحيانًا كنت أواجه كارثة ﺑﻮﺟﻪ ﻣﺒﺘﺴﻢ وأنا أﺘﺄﻟﻢ، ﻫﺬه عادتي، وﻋلى اﻷرﺟﺢ هي ﺑﻘﺎﻳﺎ ﻣﻦاﻟنزلات اﻟﺘﻲ ﻟﻌﺒﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﺣﺴﻴﻦ.

إﻧﻬﺎ إرﺛﻪ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻲ، أﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻓﻲ اﻟﺜﻜﻨﺎت اﻋﺘﺎد ﺣﺴﻴﻦ أن يعزف مع ﺟﻨﻮد اﻷﻧﺎﺿﻮل على الناي، وﻳﻀﻌﻮﻧني ﻋلى ﻗﻤﺔ ﺗلة ﻣﺜﻞ إﺑﺮﻳﻖ وﻳﻤﺎرﺳﻮن رقصات عديدة.

ذات مرة سرقنا خيل والدي ولمرة واﺣﺪة فقط، واﻟﺪي لم يكن ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺰل عندها سرق ﺣﺴﻴﻦ اﻟﺤﺼﺎن ﻣﻦ اﻟﺤﻈﻴﺮة، وﺠﻌﻠﻨﻲ أﺟﻠﺲ ﻓﻲ ﺣﻀﻨﻪ وقادني ﻓﻲ أرﺟﺎء اﻟﺮﻳﻒ ﻟﺴﺎﻋﺎت.

لكن مرحنا لم يدُم ﻃﻮﻳﻼً، فقد وشت بنا الطباخة لأبي وﺗﻌﺮﺿﻨﺎ ﻟﺘﻮﺑﻴﺦ واﻟﺪي، وﻟﻢ ﻳﺠﺮؤ ﺣﺴﻴﻦ اﻟﻤﺴﻜﻴﻦ ﻋلى اﻻﻗﺘﺮاب ﻣﻦ اﻟﺤﺼﺎن ﻣﺮة أﺧﺮى ﺑﻌ ﺪأن ﺗﻠﻘﻰ ﺻﻔﻌﺘين ﻣﻨﻪ.

يقولون بأن اﻟﺤﺐاﻟﺤﻘﻴﻘﻲ لا يأتي دون عراك وصخب، اﻋﺘﺪﻧﺎ أن ﻧﺘﺸﺎﺟﺮ أنا وﺣﺴﻴﻦ على الأﻗﻞ ﺧﻤﺲ مرات ﻓﻲ اﻟﻴﻮم، ﻛﺎن ﻟﺪي أﺳﻠﻮب ﻏﺮﻳﺐ لإعلان غضبي.

ﻛﻨﺖ أجلس ﻋلى اﻷرض ﻓﻲإﺣﺪى زوايا اﻟﻐﺮﻓﺔ، وأواﺟﻪ اﻟﺤﺎﺋﻂ، ﺑﻌﺪأن يتركني ﻓﻲ ﻫﺬه اﻟﺤﺎﻟﺔ ﻟﻤﺪة ﺛﻼث  أوﺧﻤﺲ دﻗﺎﺋﻖ.

ﻛﺎنﺣﺴﻴﻦ ﻳﻤﺴﻚ ﺑﻲ ﻓﺠﺄة ﻣﻦﺧﺼﺮي وﻳﺮﻓﻌﻨﻲ ﻓﻲ اﻟﻬﻮاء ﺑﺪاﻓﻊ اﻟﺸﻔﻘﺔ وأبدأ في الطيران، وﺑﻌﺪ أن أبقى ﻓﻲ ﺣﻀﻨﻪ ﺑﺎﻟﺴﺎﻋات، ﻛﻨﺖ أواﻓﻖ أﺧﻴﺮًا ﻋلىﺗﻘﺒﻴﻞ اﻟﺠﻨﺪي من ذﻗﻨﻪ ونتصالح.

اﺳﺘﻤﺮت ﺻﺪاﻗﺘﻨﺎ ﻣﻊ ﺣﺴﻴﻦ ﻟﻤﺪة ﻋﺎﻣﻴﻦ، ﻟﻜﻦ ﺳﻨﻮات ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ لا تشبه هذه السنوات، ﻟﻘﺪ ﻣﺮ وﻗﺖ ﻃﻮﻳﻞ ﺟﺪًا، تلك السنوات كانت طويلة...

أﻟﻴﺲ ﻣﻦ اﻟﻤﺨﺠﻞ أن أﺗﺤﺪث داﺋﻤًﺎ ﻋﻦ ﻓﺎﻃﻤﺔ وﺣﺴﻴﻦ وأﻧﺎ أﺻﻒ ذﻛﺮﻳﺎت ﻃﻔﻮﻟﺘﻲ؟

 اقرأ أيضًا

- رواية طائر النمنمة الجزء الأول

- رواية "طائر النمنمة".. روايات رومانسية ج5

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة