رواية طائر النمنمة الجزء الثالث

نتقلب في الماء لأعلى ولأسفل، ﻧﻐﻨﻲ أغاني شعبية، وﻧﺄﻛﻞ اﻟﻄﻌﺎم... ﺛﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﺸﻌﺮ ﺑﺎﻟﻨﻌﺎس، ﻧﺼﻨﻊ اﻟﻮﺳﺎﺋﺪ ﺑﺘﻜﺪﻳﺲ اﻟﺮﻣﻞ، وﻧﻨﺎم وأﺟﺴﺎدﻧﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺎء، ورؤوﺳﻨﺎ ﺧﺎرجه، متعانقتين وخدًّا إلى خد.

أﻧﺎ ﻣﻌﺘﺎدة على ﻋﺎﻟﻢ اﻟﻤﻴﺎه ﻫﺬا ﻟﺪرﺟﺔ أﻧﻨﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ أﻋﻮد إلى اﻟﻤﻮﺻﻞ، أﻛﻮن ﻣﺜﻞ ﺳﻤﻜﺔ ﺧﺎرﺟﺔ ﻣﻦ اﻟﺒﺤﺮ. وأﺗﺬﻣﺮ من هذا ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار، ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺴﻨﺢ ﻟﻲ اﻟﻔﺮﺻﺔ، أﺧﻠﻊ ﻣﻼﺑﺴﻲ وأرﻛﺾ إلى اﻟﺸﺎرع عارية.

ﻛﺎن ﻟﺪى ﻓﺎﻃﻤﺔ زﻳﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﻮﺷﻢ على أﻧﻔﻬﺎ ووﺟﻨﺘﻴﻬﺎ وﻣﻌﺼﻤﻬﺎ. ﻛﻨﺖ ﻣﻌﺘﺎدة على ﻫﺬه اﻟوشوم لدرجة أنني حين أرى وجوهًا ﻻ ﺗﺤﺘﻮي على وﺷﻢ ﺗﺒﺪو ﻗﺒﻴﺤﺔ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻲ. ﻛﺎن أول ﺣﺪاد ﻛﺒﻴﺮ ﻟﻲ ﻫﻮ اﻧﻔﺼﺎﻟﻲ ﻋﻦ مربيتي ﻓﺎﻃﻤﺔ.

دار الزمن وأﺗﻴﻨﺎ إلى ﻛﺮﺑﻼء. ﻛﺎن ﻋﻤﺮي أرﺑﻊ ﺳﻨﻮات. إنه عمر مناسب لأتذكر ﻛﻞ ﺷﻲء صغير وكبير. لقد جاء نصيب فاطمة. ولا أنسى ذلك اﻟﻴﻮم كأنه في عيني الآن، اليوم اﻟﺬي أﺻﺒﺤﺖ ﻓﻴﻪ ﻣﺮﺑﻴﺘﻲ ﻋﺮوسًا وﺟﻠﺴﺖ ﻓﻲ اﻟﺰاوﻳﺔ.

ﻓﻲ ﻣﻨﺰل ﻣﻠﻲء ﺑﺎﻟﻨﺴﺎء اﻟﻠﻮاﺗﻲ ﺑَﺪوْن اﻷﺟﻤﻞ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻲ ﻷن وﺟﻮﻫﻬﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻮﺷﻮﻣﺔ ﻣﺜﻞ ﻓﺎﻃﻤﺔ، ﻛُنَّ ﻳﺄﺧﺬﻧﻨﻲ ﻣﻦ ﺣﻀﻦ إلى ﺣﻀﻦ ﺛﻢ ﻳﺠﻠﺴن ﺑﺠﻮار ﻓﺎﻃﻤﺔ. ﺛﻢ أﺗﺬﻛﺮ كيف أكلنا خطفًا كل الضيافة التي قُدمت لنا من على اﻟﺼﻮاﻧﻲ..

أﺧﻴﺮًا، ﻣﻦ ﺗﻌﺐ اﻟﻨﻬﺎر وصوت اﻟﺪﻓﻮف اﻟﺠﺮﺳﻴﺔ والطبول، ﻧﻤﺖ ﻣﺮة أﺧﺮى ﻣﺒﻜﺮًا على رﻛﺒﺔ ﻣﺮﺑﻴتي. ﻻ أﻋﺮف ﻣﺎ إذا ﻛﺎﻧﺖ واﻟﺪﺗﻨﺎ ﻓﺎﻃﻤﺔ على ﻗﻴﺪ اﻟﺤﻴﺎة ﻋﻨﺪﻣﺎ اﺳﺘﺸﻬﺪ اﺑﻨﻬﺎ ﺣﺴﻴﻦ ﻓﻲ ﻛﺮﺑﻼء، ﻟﻜﻦ إذا كانت كذلك فإنه حتمًا كان ذلك اﻟﻴﻮم يومها اﻷﺳﻮد.

ولكنه لم ﻳﻜن ﺷﻴﺌًﺎ ﻣﻘﺎرﻧﺔ ﺑﺎﻟﻔﺎجعة اﻟﺘﻲ عشتها ﻋﻨﺪﻣﺎ وﺟﺪت ﻧﻔﺴﻲ ﻓﻲ ﺣﻀﻦ اﻣﺮأة أﺟﻨﺒﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻨﺰل ﺻﺒﺎح ﻟﻴﻠﺔ اﻟﺰﻓﺎف. ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، أﻋﺘﻘﺪ أنه حتى ﻛﺮﺑﻼء ﻟﻢ ﺗﺸﻬﺪ ﻣﺜﻞ ﻫﺬا اﻟﺤﺪاد اﻟﺼﺎﺧﺐ.

صرخت حتى قُطع صوتي ﻣﻦ اﻟﺼﺮاخ، ثم أﺿﺮﺑﺖ ﻋﻦ اﻟﻄﻌﺎم ﻟﻌﺪة أﻳﺎم ﻣﺜﻞ ﺮﺟﻞ كبير. ﺑﻌﺪ أﺷﻬﺮ، ما جعلني أﻧﺴﻰ ﻣﺮﺑﻴﺘﻲ هو أﺣﺪ أفراد الجيش اﺳﻤﻪ ﺣﺴﻴﻦ. ﻛﺎن ﺣﺴﻴﻦ ﺟﻨﺪﻳًّﺎ أﺻﻴﺐ ﺑﺴﻘﻮﻃﻪ ﻋﻦ ﺣﺼﺎﻧﻪ أﺛﻨﺎء اﻟﺘﺪرﻳﺐ.

أﺧﺬه واﻟﺪي إلى اﻟﻤﻨﺰل ﻛﻀﺎﺑﻂ آﻣﺮ مشرف عليه. ﺣﺴﻴﻦ ﻛﺎن ﻣﺠﻨﻮنًا. ﻟﻘﺪ أﺣﺒﻨﻲ ﺑﺴﺮﻋﺔ وأﻧﺎ قابلته ﺑﺨﻴﺎﻧﺔ غير متوقعة وﻻ ﺗُﻐﺘﻔﺮ.

على اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أﻧﻨﺎ ﻟﻢ ﻧﻨم ﻣﻊ بعضنا مثل مربيتي ﻓﺎﻃﻤﺔ، ﻟﻜﻦ ﻓﻲ اﻟﻠﺤﻈﺔ اﻟﺘﻲ أﻓﺘﺢ ﻓﻴﻬﺎ ﻋﻴﻨﻲ استجابة لصياح الديوك ﻓﻲ اﻟﺼﺒﺎح الباكر، كنت أتجه إلى حسين في غرفته فورًا وأﺟﻠﺲ على ﺻﺪره ﻣﺜﻞ اﻟﺤﺼﺎن وأﻓﺘﺢ ﺟﻔﻨﻴﻪ بأصابعي...

- اقرأ أيضاً رواية طائر النمنمة الجزء الأول

- اقرأ أيضاً رواية "طائر النمنمة".. روايات رومانسية ج4

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة