رواية طائر النمنمة الجزء الأول

ﻛﻨﺖ ﻓﻲ اﻟﺼﻒ اﻟﺮاﺑﻊ. ﻳﺠﺐ أن ﻳﻜﻮن ﻋﻤﺮي ﺣﻮاﻟﻲ اﺛﻨﻲ ﻋﺸﺮ عامًا.

السيدة ألكسي هي معلمة اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ. ﻓﻲ أﺣﺪ اﻷﻳﺎم، أﻋﻄتنا المعلمة أﻟﻜﺴﻲ وظيفة ﻛﺘﺎﺑﻴﺔ. ﻗﺎلت: حاولن أن تكتبن أول ذكرى تخطر على بالكن من حياتكن، دﻋونا نرى ﻣﺎذا ﺳﺘﺠﺪن؟

أﻧﺎ ﻻ أﻧﺴﻰ أﺑﺪًا؛ ﻟﻘﺪ ﺳﺌﻢ اﻟﻤﻌﻠﻤﻮن ﻣﻦ ﺷﻘﺎئي وأﺣﺎدﻳﺜﻲ.

ﻓﺼﻠﻮﻧﻲ ﻋﻦ أﺻﺪﻗﺎﺋﻲ في الفصل، وأﺟﻠﺴوني على ﻣﻘﻌﺪ ﺻﻐﻴﺮ ﻳﺘﺴﻊ ﻟﺸﺨﺺ واﺣﺪ ﻓﻲ اﻟﺰاوﻳﺔ.

وﺑﺤﺴﺐ قول اﻟﻤﺪﻳﺮة، ﻓﻘﺪ ﺣُﻜﻢ ﻋﻠﻲَّ ﺑﻘﻀﺎء ﺣﻴﺎة اﻟﻤﻨﻔﻰ ﻫﻨﺎك ﺣﺘﻰ أتعلم أﻻ أﺗﺤﺪث ﻣﻊ زملائي في المقعد أﺛﻨﺎء اﻟﺪرس وأن أﺳﺘﻤﻊ إلى ﻣﻌﻠﻤﻲ ﺑﺄﺧﻼق ﺟﻴﺪة.

على أﺣﺪ ﺟﺎﻧﺒﻲ ﻋﻤﻮد ﺧﺸﺒﻲ ﺿﺨﻢ. والذي مهما حاولوا لم يتمكنوا من إخراجه خارج الفصل، يقف بقامة طويلة وهيبة، متحملًا بكرامة وهدوء من دون أن يحدث لا صوتًا ولا صدى شقوق سكيني على حوافه من حين إلى آخر.

على اﻟﺠﺎﻧﺐ اﻵﺧﺮ مني، ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎك ﻧﺎﻓﺬة ﻃﻮﻳﻠﺔ، ﻟﻢ ﺗُﻔﺘﺢ ﻣﺼﺎرﻳﻌﻬﺎ أﺑﺪًا، وﻳﺒﺪو أﻧﻬﺎ ﺻﻨﻌﺖ ﻟﺘﻮﻓﻴﺮ الهيئة اﻟﺮاﺋﻌﺔ واﻟمهيبة اﻟﺘﻲ ﺗﻄﻠﺒﻬﺎ اﻟﺘﻨﺸﺌﺔ اﻟﺮﻫﺒﺎﻧﻴﺔ.

قمت باستطلاع رائع، ﻋﻨﺪﻣﺎ أﺳﻨﺪت ﺻﺪري على اﻟﻤﻘﻌﺪ ورﻓﻌﺖ ذﻗﻨﻲ ﻗﻠيلًا، لأتمكن من رؤﻳﺔ ﻧﺎﻓﺬة ﺷﻘﺔ واﺣﺪة مقابلة لنا وجدار اﻠﺸﺮﻓﺔ ﻣﻦ ﺧﻼل اﻟﻤﺼﺎرﻳﻊ، وجزء ﻣﻦ اﻟﺴﻤﺎء وأوراق شجرة ﻛﺒﻴﺮة.

ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﻤﻨﺎﻇﺮ هناك ﻏﻨﻴﺔ على اﻹﻃﻼق. ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻨﺎﻓﺬة ﻣﻐﻠﻘﺔ داﺋﻤًا، وﻛﺎن يوجد ملابس ولحاف طفل صغير دائمًا معلقة على درابزين الشرفة، ﻟﻜﻨﻨﻲ ﻛﻨﺖ ممتنة ﺑﻬﺬا اﻟﻘﺪر.

في أﺛﻨﺎء الحصة، وضعت ﻳﺪَي ﺗﺤﺖ ذﻗﻨﻲ، وسألت ﻣﻌﻠﻤتي مشيرة بعيني إلى اﻟﺴﻤﺎء اﻟﺘﻲ ﺷﻮﻫﺪت ﻣﻦ ﺧﻼل ﺷﻘﻮق اﻟﻤﺼﺎرﻳﻊ، فيما ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻔﺘﺮض أن ﻳﺒﺪو النظر إلى اﻟﺴﻤﺎء اﻟﺤﻘﻴﻘﻴﺔ روحانيًّا ﻟﻠﻐﺎﻳﺔ.

كانوا يبتهجون، ظانين أنها بداية قلقي. بينما أنا تجاوزتهم وبدأت كما لو أنني أشاهد الحياة التي يحاولون إخفاءها عنا، وهذا ﻛﺎن ﻣﻦ دواﻋﻲ ﺳﺮوري واﻧﺘﻘﺎمي.

ذهبت المعلمة أﻟﻴﻜﺴﻲ ﺑﻌﺪ أن أنهت ﺷﺮحها، وتركتنا نقوم بالوظيفة.

وُﺿﻊ اﻟﻤﺤﺘﺮﻣوﻦ ﻣﻦ اﻟﺪرﺟﺔ الأولى لكي ﻳﺰﻳﻨﻮا اﻟﺼﻔﻮف اﻷﻣﺎﻣﻴﺔ.

ﻳﺒﺪو اﻷﻣﺮ ﻛﻤﺎ ﻟﻮ أﻧﻨﻲ ﻗﺮأت ﻣﺎ يكتبونه على أﻛﺘﺎﻓﻬﻢ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻻ أﻛﻮن ﻣﻌﻬﻢ.

ﻛﻨﺖ أﻋﺮف أن: "الذكرى الأولى لي ﻫﻲ أﻣﻲ اﻟﻌﺰﻳﺰة العطوفة الحنونة المنحنية على سريري وشعرها الذهبي الحريري يتدلى، وﻋﻴﻨﺎﻫﺎ اﻟﺴﻤﺎوﻳﺘﺎن ﺗﺒﺘﺴﻤﺎن ﻓﻲ وﺟﻬﻲ ﺑﻤﻮدة".

 ﻛﺎذب قولي بخصوص شعرها؛ ﻓﻲ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ، ﻛﺎن ﻣﻦ اﻟﻤﻤﻜﻦ أن ﺗﻜﻮن اﻷﻣﻬﺎت ﺑﺄﻟﻮان ﻏﻴﺮ الشعر الذهبي والعينين الزرقاوين. لكن الصيغة هذه كانت هي المألوفة في أقلام اﻟﻔﺘﻴﺎت المتعلمات في هذا الوقت وﻛﺎنت إﻟﺰاﻣًﺎ ﻷوﻟﺌﻚ البائسين، فهذه الطريقة للكتابة ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻨﺎ كأنها عرف.

أما أنا، ﻛﻨﺖ ﻃﻔﻠﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺗﻤﺎﻣًﺎ. لا أﺗﺬﻛﺮ ﻜﺜﻴﺮًا ﻋﻦ واﻟﺪﺗﻲ اﻟﺘﻲ ﻓﻘﺪﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﺳﻦ ﻣﺒﻜﺮة ﺟﺪًّا. ﻟﻜﻦ ﻛﺎن ﻣﻦ المؤكد أنه ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﺪيها ﺷﻌﺮ ذﻫﺒﻲ وﻋﻴﻮن زرﻗﺎء.

ﻟﻢ توجد ﻗﻮة ﻗﺎدرة على ﺟﻌﻠﻲ أﻓﻜﺮ في أمي وأحبها بوجه آخر أبدًا غير وجهها اﻷﺻﻠﻲ.

ﻟﻘﺪ أﺧﺬﻧﻲ اﻠﺘﻔﻜﻴﺮ. ﻣﺎذا أﻛﺘﺐ؟ على اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن ﺳﺎﻋﺔ اﻟﻮﻗﻮاق اﻟﻤﻌﻠﻘﺔ ﺗﺤﺖ صورة ﻣﺮﻳﻢ اﻟﻌﺬراء اﻟﻤﺮﺳﻮﻣﺔ على اﻟﺤﺎﺋﻂ اﺳﺘﻤﺮت ﻓﻲ اﻟمضي، ﻛﻨﺖ ﻻ أزال أتلهى. ﻗﻤﺖ ﺑﻔﻚ اﻟﺸﺮﻳﻂ الذي على رأﺳﻲ، وأنزلت ﺷﻌﺮي على جبهتي ببطء، ﺑﻴﺪ واﺣﺪة ﻛﻨﺖ أﺿﻊ ﻗﻠﻤﻲ ﻓﻲ ﻓﻤﻲ، وأﻋﻀﻪ وأدﻳﺮه ﺑﻴﻦ أﺳﻨﺎﻧﻲ. يوجد كثير من اﻟﻌﺎدات اﻟﻐﺮﻳﺒﺔ ﻟﻠﻔﻼﺳﻔﺔ والكُتَّاب وﻏﻴﺮﻫﻢ ﻣﺜﻞ حك أﻧﻮﻓﻬﻢ وﺷﺪ ذﻗﻮﻧﻬﻢ أﺛﻨﺎء اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ.

وأنا حين أﻗﻀﻢ ﻗﻠﻤﻲ وأنزل ﺷﻌﺮي على ﻋﻴﻨﻲ ﻫذا ﻋﻼﻣﺔ على أﻧﻨﻲ منغمسة ﻓﻲ التفكير.

ﻟﺤﺴﻦ اﻟﺤﻆ، ﺳﺎﻋﺎت ﺗﻔﻜﻴﺮي ﻧﺎدرة ﺟﺪًّا. ﻷﻧﻪ ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ ﺳيمضي عمري ﻓﻲ مجموعة شعر مختلطة أو سلسلة قصصية، ﻣﺜﻞ ﺣﻴﺎة زوﺟﺔ شارشمبا اﻟﺸﻬﻴﺮة وموقد الأم ﻓﻲ اﻟﻘﺼﺺ اﻟﺨﻴﺎﻟﻴﺔ قبل ﺳﻨﻮات عديدة، ﻋﻨﺪﻣﺎ بدأت ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﺔ ذﻛﺮﻳﺎﺗﻲ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ أﺟﻨﺒﻴﺔ، ﻓﻲ ﻏﺮﻓﺔ ﻓﻨﺪق أﺟﻨﺒﻴﺔ، ﻓﻘﻂ ﻟﻤﻮاﺟﻬﺔ اﻟﻮﺣﺪة ﻓﻲ اﻟﻠﻴﻠﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﺒﺪو أﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﻨﺘﻬﻲ أﺑﺪًا، أمسكت ﺷﻌﺮي بإﺣﺪى ﻳﺪي وحاولت

ﺳﺤﺒﻪ ﻓﻮق ﻋﻴﻨﻲ، مثل طفل صغير.

ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻠﺴﺒﺐ ﻓﻲ ذﻟﻚ، لقد ﻛﻨﺖ ﻃﻔلة ﻣُﻬملة وغير رازنة ولا أهتم ﻛﺜﻴﺮًا باﻟﺤﻴﺎة ﻣﻦ ﺣﻮلي. يبدو أﻧﻨﻲ ﻛﻨﺖ أﺣﺎول أن أﺿﻊ ﺳﺘﺎرة ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﺸﻌﺮ ﺑﻴﻦ ﻋﻴﻨﻲ واﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻷﻛﻮن وﺣﺪي ﻣﻊ ﻧﻔﺴﻲ، ﺑﺄﻓﻜﺎري اﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻓﻲ اﻷوﻗﺎت اﻟﺼﻌﺒﺔ.

- اقرأ أيضاً رواية "طائر النمنمة".. روايات رومانسية ج2

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميل جدا
انا من محبي مسلسل طائر النمنمة وبحثت كثيراً عن الرواية لم اجدها في مصر، هل هذا الجزء ملخصك الخاص أم أنه جزء من النسخة الكتابية الأصلية ؟
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة