رواية "صحفي المهمومين".. روايات عربية عن الأمل

سنتناول في هذا المقال أفضل رواية عربية عن الأمل، رواية صحفي المهمومين، أحداث رواية صحفي المهمومين، بقلم أ. صالح بن يوسف مبروكي.

يعمل السيد "المتفائل دائماً" كمحرّر لركن (قلوب في دوامة) في إحدى الصحف الأسبوعية المشهورة جداً على الساحة الإعلامية، يطالعها الخاص والعام، الكبير والصغير، الجاهل والمتعلم، الرجل والمرأة، صحيفة لا تجامل ولا تعادي وتعطي لكسرى ما لكسرى، مبدؤها الأول والثاني والأخير خدمة البلاد والعباد بالتوعية والمساهمة في بناء العقول وإرشادها إلى ما فيه خير الكلّ.

تفوق مبيعات هذه الجريدة الشعبية مبيعات أكبر الشركات التجارية وأكبر محلات الكفتاجي والملاوي، الكل يقرؤها وهي الجريدة الوحيدة التي لن يعيرها لك جارك إذا طلبتها منه بعد أن تنفذ من أكشاك الجرائد.

نجم هذه الجريدة ومحرّرها الأوّل كان يُعرف باسم مستعار "المتفائل دائماً" يشرف على تحرير ركن (قلوب في دوامة) الذي اشتهرت به هذه الجريدة على امتداد ثلاثين عاماً، منذ ثلاثة عقود وصديقنا يشرف على حظوظ هذه الصفحة الاجتماعية العاطفية والنفسية، ساعد ملايين الحيارى، وانتشل ملايين الضائعين التائهين من جحيم مشاكلهم ومد يد العون بالنصيحة والإرشاد والتوعية لمئات الآلاف من الفتيان والفتيات في مقتبل العمر، من المراهقين والمراهقات، والناضجين والناضجات.

جميع القراء يراسلونه من كل مكان، حتى من مناطق الظل، ويكتبون له عن مشاكلهم وهواجسهم الذاتية، والشخصية، والأسرية، والاجتماعية الخاصة جداً جداً.

إذا أقبل يوم الجمعة من كل أسبوع على مدار السنة فلن ترى في اليد غير جريدة الفصيح، تنتقل من يد إلى أخرى، تتفحصها العيون بنهم، عيون من يحسن القراءة ومن لا يحسنها، تُشترى هذه الصحيفة الجماهيرية بهذه الصورة المنقطعة النظير بفضل نجمها السيد "المتفائل دائماً".

منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن وصاحبنا المحرّر لا ينقطع عن تحرير ركن الحيارى الضالين، لم يهمل يوماً رسالة لقارئ ولو كانت بسيطة وسطحية المحتوى، يجيب عن جميع أسئلة من كاتبوه وعن كل ما يجول في خاطرهم، وقد عُرف بالتواضع والتبسّط، حتى إن القراء كانوا يطلقون عليه اسم "صحفي الشعب".

فهذه فتاة تكاتبه من داخل البلاد عارضة عليه مشكلتها الشخصيّة على النحو الآتي:

"سيدي المتفائل دائماً، يا لَشدّة ما تسعدني مراسلتك! وكم يطيب لي أن أتعرف إليك.

في البداية أعرض عليك مشكلتي، اسمي سميّة، من مدينة.... في شمال البلاد، تلقيت تعليماً محترماً، وبعد تخرجي مكثت في المنزل في انتظار التعيين، طال انتظاري وتأخر التعيين، اكتنفني إحساس بغربة هوجاء رمت بي في بركان مستعر من اليأس والإحباط، مرت سنة وتلتها أخرى حتى توقفت عن التأريخ للزمن، وهن جسمي وخمدت أنوار شبابي فصرت شبح فتاة لا غير هزيلة وصفراء.

حارت أمي في إيجاد دواء لحالتي فزارت جميع الأطباء والعرافين والمشعوذين دون جدوى، فكانت حالتي تسوء يوماً بعد يوم، أما أنا فكنت أعلم أن علاجي في تكسير طوق الرتابة الذي يسجنني ويخنق ما بقي لي من أنفاس، قررت في لحظة لاوعي أن أحل معضلتي بطريقتي.

عرضت نفسي على أحد أبناء حيّنا، وقد ربطتني به علاقة حب سابقة في أيام الدراسة الثانوية لاعتقادي أن حلّ مشكلتي يكمن في تفريغ ما أصابني من كبت عاطفي وجنسي على امتداد سنوات طويلة، زادته البطالة والفراغ تعكراً وسوءاً.

كنت مطلعة على علم النفس التحليلي، وأعلم أن الكبت الجنسي قد يؤدي بصاحبه إلى أمراض نفسية عديدة وقد يدفع به إلى الانتحار، ولكي يكون الفرد متزناً نفسياً يتحتم عليه أن يتشبّع جنسياً.

رفضني صديقي ذلك بدعوى أنني لم أعد أستهويه، ونصحني بلهجة ساخرة أن أبحث عن معالم أنوثتي وتضاريسها التي ضيعتها في الدروس والامتحانات و(البرسيالات) إن كنت بالفعل ما زلت أنثى.

قضت سنوات الدراسة على أنوثتي ونضارتي، ثم حلت سنوات البطالة والانتظار لتجهز على آدميتي، كنت أنثى رقيقة خلوقة جميلة وحالمة.. فأمسيت ظلاً شاحباً لا يصلح لشيء، لا للحب ولا للولادة.

سيدي "المتفائل دائماً"، إنني أفكر بجدية في وضع حد لحياتي التافهة هذه، لا قيمة لي فيها ولا مكان لي في المجتمع ولا دور، لا أحد يرغب فيّ حتى أفراد أسرتي سئموا رؤيتي وأصبحوا يخطبون لي كل من هبّ ودبّ حتى سقطُ المتاعِ من الناس، المهم أن يتخلصوا مني بأي ثمن.

ساعدني، سيدي، أرجوك ولا تهمل رسالتي، فمهمة الصحافة إنسانية قبل كل شيء، قد أمدُّ في حياتي إلى أن أقرأ ردك على رسالتي في "الفصيح" الأسبوع القادم، وإن أنت أهملت رسالتي تكون قد حكمت عليّ بالموت وما اعتدناك ظلوماً يا سيدي.

ملاحظة: أرجو أن نتراسل بصفة شخصية، هل هذا ممكن؟ وشكراً.

الإمضاء: المنكسرة

"س.ن. الشمال"

وصلت رسالة هذه القارئة إلى مقر الجريدة قبل موعد صدور "الفصيح"، فسُلمت إلى رئيس التحرير برفقة رسائل أخرى موجهة إلى "المتفائل دائماً" رُتبت جميعها حسب تاريخ ورودها على مقر الجريدة، ولم يكن أحد من محرّري الجريدة أو من إداريّيها مسموحاً له بفتح رسالة موجهة إلى صديقنا "المتفائل دائماً"،  وضعها السيد منجي على مكتبه ثم رفع سماعة الهاتف وتكلّم:

- سيدة حسنة، تعالي أرجوك..

وضع السماعة منتظراً قدومها، طرقت السيدة حسنة الباب فأذن لها بالدخول، جلست قبالة رئيسها وأنصتت:

- بريد صديقك جاهز ليرد عليه، ولا نريد أن نضيّع الوقت، أريدك أن تهاتفيه لتخبريه أن بريد قرائه اكتمل مثل كل أسبوع حتى يرسل من يتسلمه منك مثل كل مرة، اذهبي إلى الهاتف العمومي المقابل لمقر الجريدة وهاتفيه بسرعة ثم عودي لعملك".

- اتفقنا..

استأذنت السيدة حسنة من رئيسها المغادرة، مرت على زملائها في قسم الرياضة حيث تركت حقيبتها، تناولتها بسرعة وقصدت باب الخروج، بعد لحظات كانت بصدد مكالمة صديقنا...

- ألو.. من؟

- أنا حسنة..

- كيف حالك، يا عزيزتي؟

- بخير... وأنت؟ والصغيرة؟

- طبعاً أنا دائماً بخير وعلى أحسن حال والبسمة لا تفارقني...

- أنت دائم الانشراح والسعادة..

- طبعي.. طبعاً هذه عملتي الدائمة...

- دامت سعادتك..

- ما الموضوع يا حسنة؟

- أردت أن أعلمك باكتمال بريد قرائك، وكذلك نزولاً عند رغبة سيد منجي، كما أحب أن أخبرك أني سأتأخر قليلاً..

- متى ستعودين؟

- حوالي العاشرة ليلاً..

- جيّد..

- كيف حال الصغيرة؟

- بألف خير، تلعب وتلهو كعادتها..

- حسناً.. إلى اللقاء يا أسعد الناس..

- إلى اللقاء يا صغيرتي، لا تنسي أن تجلبي لي معك بريد القراء لأطلّع عليه..

لا يعرف رئيس التحرير شيئاً عن صاحبنا، لا اسمه، ولا لقبه، ولا عنوانه، ولا رقم هاتفه، ولا يعرف عنه أيّ فرد في الجريدة أي معلومة بسيطة عن هويته، باستثناء السيدة حسنة محرّرة ركن "مرايا الثقافة" التي تعرفه حق المعرفة.

حاول أحد زملائها الفضوليين السيد "طارق" يوماً أن يعرف منها معلومات عن صديقنا فأخبرته أن الأمر لا يعنيه ونهرته بشدّة.

في أحد الأيام دُعيت حسنت لتغطية أحد المعارض الفنية في المدينة، وبينما هي تسير في أحد الشوارع المكتظة اختطفت منها حقيبتها، انتزعها بقوة وبسرعة من كتفها شاب على متن دراجة نارية كبيرة وزاغ في لمح البصر عن الأنظار، جرت خلفه حسنة، لكن دون جدوى فتوجهت حينها إلى مركز الشرطة في المكان لتحرير محضر بالواقعة، بعدها واصلت طريقها نحو المعرض.

في احدى النهج الضيقة كان زميلها طارق في انتظار صاحب الدراجة الخاطفة، تسلم منه الحقيبة وسلمه مبلغ مئة دينار، صاحب الدراجة يعلم أن طارق صحفي، وأنه زميل الضحية صاحبة الحقيبة، وأنه دبّر أمر اختطاف الحقيبة لغاية في نفسه ربما ليظهر بمظهر الشجاع المقدام أمام حسنة لاستمالة قلبها عندما يرجع لها الحقيبة مدعياً أنه صارع مختطفها وطارده ساعات طويلة على شاكلة الأفلام الهندية.

وضع طارق حقيبة حسنة في حقيبة رياضية كبيرة وقصد منزله، وما إن أغلق باب منزله عليه، شرع في تفتيش الحقيبة بدقة، عثر فيها على مفكرة حسنة، تصفحها ورقة ورقة، لم تكن تحتوي على أكثر من بعض العناوين وأرقام الهاتف الخاصة بأصدقائها ومعارفها وأقاربها وفي الصفحة المخصصة لحرف الطاء قرأ طارق اسمه هو وعنوانه ورقم هاتفه (طارق...)، يعلم أن حسنة خطت هذه المعطيات عنه بطلب منه هو لتتصل به في حال احتاجته في مهمة صحفية عاجلة أو ليجري أيّ ربورتاج أو لقاء، في حال احتاجته ولم تجده في مقر الجريدة.

أعاد تصفّح المفكرة عدة مرات، لكنه لم يعثر على ضالته، اعتقد أنها تحتفظ في مفكرتها بعنوان صديقنا اللغز "المتفائل دائماً" غير أن حسنة خيبت آماله، إذ كانت تعلم مسبقاً أن طارق سيحاول معرفة سرها الصغير مهما كلفه ذلك، كيف لا وهو المعروف بـ (ميكيافيلي الصحافة) بين زملائه.

استشاط طارق غضباً، وحزّ في نفسه أن تهزمه حسنة، بينما هو غارق في محيط من الغيظ رن جرس الهاتف:

- ألو.. من؟

- أنا حسنة يا صديقي..

- أهلاً.. حســ..

- هل أعجبتك حقيبتي؟

- حقيبة.. حقيبة ماذا؟

- حقيبتي التي طارت بقدرة قادر، لتحط في منزلك وأنت الآن بصدد نبشها..

- أنت تهذين، حسنة..

- على أي حال أنت لك من يخطف الحقائب لحسابك، وأنا لي من يرصد لحسابي، وقد رُصدت وانتهى الأمر، واعلم أنك لن تتطلع على سري ما حيّيت..

- سنرى يا حسنة، إما أنا أو هو في حياتك..

- أنت مجنون يا طارق..

- مجنون بك، ربّما..

- هيا أيها المنحرف الصبي، احمل لي الحقيبة إلى رواق الفنون، مسجّلي فيها وأحتاجه في عملي، طارت نقودك في الهواء يا طارق..

تضحك بمكر وهي تضع سماعة الهاتف..

أعلن رئيس التحرير يوماً في جريدته أن "المتفائل دائماً" سينقطع عن تحرير ركن الحيارى الشهير بداية من العدد المقبل، وكان هذا الركن بالتحديد خالياً من إمضاء صديقنا، بل عوضه توقيع سيد منجي بـ "المبتسم أبداً"، وليته ترك الركن خالياً أو عوضه بركن جديد أفضل من أن يصبح مصدر تندر وسخرية بين زملائه وبين القراء، وجه إليه صهره ورئيسه في نفس الوقت "سي عبد الستار" رسالة تحتوي على كلمتين اثنتين: "عد إلى منزلك ونم"، أما صديقه "سي علي" فقد هاتفه مداعباً: "يا سي المنجي، كان من الأجدر بك أن تحافظ على إمضاء "المتفائل دائماً" وترد على رسائل القراء بطريقة تشبه طريقة غريمك فذلك أحسن من أن تُضحك العالم عليك، ربي يهديك يا صاحبي".

منذ ذلك الحين عرف سي المنجي أن "الفصيح" لا يمكن لها أبداً أن تتخلى عن خدمات صديقنا المحرّر الشهير.

ذلك أن رئيس التحرير اتخذ قراراً في لحظة تسرع دون أن يفكر في مطلب "المتفائل دائماً" الذي وصل إلى رئاسة التحرير عن طريق البريد ودون أن يستشير رئيسه في أمر هذا المطلب، يقضي بفصل صديقنا وتجميد إشرافه على ركن "الحيارى".

ذهب رئيس التحرير إلى مكتب حسنة ليقول لها: "يا حسنة، أخبري صديقك بأننا قبلنا إضافة صفحة جديدة لركنه وسنزيده مبلغ مئة دينار كما طلب وأراد، خذي هذه رسائل القراء، احمليها له، وهذا عقد العمل في شكله الجديد مختوم ومعتمد، وقولي له إنني مستعد لتلبية جميع رغباته، المهم ألا ينقطع عن تحرير ركنه، لقد سبب لي ذلك إحراجاً لن أنساه ما حييت.. وكادت خبزتي أن تُقطع..

انسحب من مكتب حسنة وفي الرواق المؤدي إلى مكتبه حدث نفسه قائلاً: "آه لو أعرف هذا المدعي المغرور، الذي لا أعرف له وجهاً أو شكلاً منذ أشرفتُ على رئاسة التحرير منذ عشر سنوات خلت، آه لو لم يكن سي عبد الستار يشد أزره لدمرته وفصلته".

لا يعلم أحد من موظفي الجريدة متى ابتدأ صديقنا العمل فيها خاصة وأنّ جميعهم حديثو العهد بالعمل في "الفصيح"، كل ما يعرفونه عنه أنه هو من وضع لبنة "الفصيح" الأولى، وأنه رفيق درب "سي عبد الستار"، وأنه اختار المكوث بعيداً عن الأضواء لغاية في نفسه لا يعلم كنهها أحد غيره.

حتى رئيس التحرير الذي يُشرف على إدارة الجريدة منذ عشرة أعوام فقد باشر مهمته بالجريدة وصديقنا متربع على حظوظ ركن "الحيارى" ربما قبل أن يولد "سي المنجي"..

حيّر هذا الرجل الجميع، من هو؟ من أين أقبل؟ لماذا يتخفى عن الناس؟ لماذا لا يكشف شخصيته؟ هل تمنعه موانع من التنعّم بالشهرة التي حقّقها على مرّ أكثر من ثلاثة عقود في خدمة القراء، ويشهد له أرشيف الجريدة بذلك.

خلال أحد الأيّام اجتمع السيد منجي بأسرة التحرير، وتعمّد أن تكون حسنة متغيّبة إذ كلفها هو بمهمة خارجية في إحدى مدن الجنوب لتغطية حدث ثقافي موسمي، قال: "إنه هام، ويتوقف عليه مصير صفحتها "مرايا الثقافة"، استهل اجتماعه بمرؤوسيه بمقولة شكسبير الشهيرة "أكون أو لا أكون، ذاك هو السؤال"، يا إخواني لقد حيرني هذا الرجل، من هو؟ من هو؟ أنا على أتم الاستعداد أن أُسند درجة ترقية، بل ثلاث درجات لمن يكشف لي عن سرّه منكم، وأوّل من ينجح في مهمته هذه سأعينه رئيس تحرير مساعد استثنائي، المهم أريد رأس هذا (soi- disant) "المتفائل دائماً" الذي صيّرني أضحوكة في الأوساط الصحفية..

هنا تدخل ساعده الأيمن والأيسر طارق ليقول: "سي منجي، المعذرة، لقد حاولنا وحاولنا وكأنه يقبع تحت الأرض، وكأنه في رحم الضباب يرانا ولا نراه، لا يعلم أحد عن أمره شيئاً ما عدا حسنة، وهي لن تكشف سره مهما حاولنا معها، ومهما ضايقناها حتى ولو سُحلت، لكني أقترح أن نحاول معها محاولة أخرى ولا نيأس، فمثلاً نضايقها في العمل، وندبر لها مكيدة أو ورطة في شغلها فنضطرّها إلى كشف سره أو الاستقالة من الجريدة. وقد رسمت لذلك خطة محكمة، تنتظر الضوء الأخضر منكم، وأقسم لك هذه المرة أننا سنكشفه ونحرق شهرته بين الناس.

امتلأ صدر سي المنجي ارتياحاً مُمنيّاً النفس بظفر قريب برأس صديقنا،

ثم خص طارق بالحديث قائلاً: "أحسنت يا داهية، مستقبلك سيكون مشرقاً ومشعاً في هذه المهنة.. وهذا أكيدٌ جداً".

وكان لمؤتمر المؤامرة ما أراد وما رسم، غير أن حسنة اختارت الاستقالة عن كشف ستر صديقنا وأستاذها وولي نعمتها.

خرجت من مقر الجريدة يائسة، وبائسة، وباكية وهامت على وجهها في شوارع المدينة مسترجعة ما حدث لها، وكيف أن ضمير الناس مات وقُبر وسُفك دم الحق في هذه الدنيا، أغمي عليها فحُملت إلى مستشفى قريب من وسط المدينة، وبعد أن تلقت الإسعافات الضرورية نقلتها الممرضة إلى غرفة في المستشفى ستمكث فيها تحت مراقبة الطبيب حتى تستقر حالتها، خاطبتها الممرضة بلطف:

- سيدتي، هل تحبين أن نتصل بأحد من أفراد أسرتك لنخبره عن حالك؟

- شكراً أختي، إذا سمحت ناوليني الهاتف سأقوم بذلك بنفسي، أنا بخير الآن.."

مكنت الممرضة حسنة من جهاز الهاتف ثم غادرت الغرفة بلطف:

- ألو..

- ألو.. نعم....

- أنا حسنة..

-  مرحباً، لماذا يبدو على صوتك أنه متغير ومتقطع؟ هل تبكين؟ هل من مشكلة؟

- لا، أنا بخير...

- لا تحاولي مراوغتي، فلا بد أنك تعانين من مشكلة، ومشكلة كبيرة..

- لا، أنا بخير، صدقني، أحس فقط ببعض الإرهاق الذي أصابني من فرط العمل، ربّما..

- إرهاق؟ عن أي إرهاق تتحدثين؟ لا تكذبي يا صغيرتي.

تُجهش حسنة ببكاء شديد جراء إحساس مرير بالقهر انتابها بقوة..

- ألو.. ألو حسنة، لقد أخبرني المدير العام بكل ما حصل..

- كل ما حصل؟ المدير العام؟

- نعم عرفنا "سي عبد الستار" وعرف الخبيث منجي، هو صاحب أكثر من أربع صحف وطنية ومجلة دولية شهيرة...

- أنا لا أعرفه...

- هو يعرفك، وأنا أعرفه وهو رفيق دربي وصديقي منذ عشرات السنين...

- وكيف علم بما حدث...؟

- له عيون وآذان في الجريدة مبثوثة في كل مكان فيها، ولا يعرفها أي فرد فيها، وقد أعلمني بالموضوع بالتفصيل ساخراً من حمق منجي وخيّرني على سبيل الانتقام لك بين عزله، أو توبيخه، و(تبزيع قهوته في الجريدة)، فاستسمحته أن يعفو عنه، إذ لا يمكننا العيش في الجريدة دون مناوشات ومؤامرات "سي المنجي" وحاشيته الحمقاء. فيكف يُعقل أن يُلصق بك أنت تهمة الارتشاء والجميع يعلم أنك مثال الصحفية النزيهة.

- وبخصوصي أنا؟

- أنت؟ ماذا؟

- أقصد بخصوص قرار عزلي من الجريدة..

- من الغد ستجدين في انتظارك مكافأة وترقية إلى منصب رئيس قسم الشؤون الاجتماعية والثقافية في انتظارك، وفوق كل هذا رسالة اعتذار من "سي المنجي" بشحمه ولحمه..

- أخبرني بالله عليك كيف حصل هذا؟

- يا صغيرتي، الحكاية طويلة، وساعة نومي قد أزفت، أرجو لك الشفاء العاجل، إلى لقاء قريب..

- إلى اللقاء..

يبلغ صديقنا "المتفائل دائماً" أكثر من ستين سنة من العمر، أمضى شطرها في خدمة الصحافة والقراء، ابتدأ حياته الصحفية برفقة السيد عبد الستار لحظة أنشأ هذا الأخير خلال الستينيات جريدة أسبوعية اجتماعية هزلية ساخرة تصدر بالعامية، فنشر إعلاناً في أحد أعدادها مفاده رغبة الصحيفة في انتداب محرّرين يحسنون اللغة العربية قولاً وكتابة، ولهم تجربة سابقة مدعمة في مجال الصحافة والأدب، ولا تهم الشهادات، المهم التجربة، والموهبة والحس الصحفي التحليلي..

أرسل صديقنا مطلباً إلى جريدة "أخبار الديار" آنذاك التي يشرف عليها "سي عبد الستار"، وتمت الموافقة على مطلبه بمعية خمسة مطالب أخرى، فدُعي المقبولون للعمل في جريدة أدبية ثقافية فنية حديثة العهد أسسها "سي عبد الستار" هي الأخرى، أمضى صديقنا خمس سنوات في هذه الصحيفة الأسبوعية التي كانت تسمى "أخبار الديار"، حقّق فيها نجاحاً باهراً وشهرة كبيرة فتمت دعوته من قبل المدير العام الذي أصبح صديقاً حميماً له للإشراف على ركن "قلوب في دوامة" في جريدة "الفصيح" المستحدثة، لم يمض أكثر من سنة فيها حتى اختفى تماما عن الساحة، واكتفى بإرسال مقالاته وكتاباته وتحليلاته إلى مقر الجريدة عن طريق البريد، كان عمره حينذاك يربو عن الثلاثين خريفاً.

أما أصدقاؤه الذين اشتغلوا معه قبل اختفائه فقد فرقتهم دروب الحياة، ولم يمكث منهم على الساحة الإعلامية غير "سي عبد الستار"، المدير العام لـ "أخبار الديّار"، و"أخبار الثقافة"، و"الفصيح"، و"إفريقيات" الصادرة باللغة الفرنسية من باريس.

تداول رئاسة تحرير "الفصيح" ثلاثة رؤساء تحرير كان آخرهم "سي منجي" الذي هو صهر "سي عبد الستار" وابن أخت زوجته، السيدة "وسيلة"، وهي مدرسة تعليم ثانوي، كان منجي يعلم أن صهره يعرف حقيقة "المتفائل دائماً" عن ظهر قلب، غير أنه فشل في الوصول إلى أي معلومات حتى عن طريق زوجته، السيدة "سرور"، ابنة "سي عبد الستار" الكبرى، لأنها بكل بساطة لا تعرف هي بدورها أية معلومة عن صديقنا.

كان سر صديقنا أبعد من أن يصل إليه أحد، كيف لا وقد ائتمن عليه "سي عبد الستار" الذي كان صديقنا يسميه "بئر الصحافة".

أما بخصوص رئيسي التحرير السابقين "للفصيح"، كان الأول يدعى "الحاج أحمد" وهو أحد أقارب "سي عبد الستار"، بقي في رئاسة التحرير حوالي عشرة أعوام ثم توفي على إثر حادث مرور، هو الآخر لم يعرف صديقنا ولم يكن يهتم بالأمر، فلم يكن يهتم "بمن عضّ منْ؟ (الكلب عضّ صاحبه، أم السيّد عضّ كلبه؟) كان كل همّه في الحياة: الوضوء والصلاة، يدخل مقر الجريدة متوضئاً مصلياً ويغادرها متوضئاً مصلياً، فلا يطيل البقاء في مكتبه أكثر من بضع دقائق، لم تكن للفصيح آنذاك شهرة ولا صيت، فكانت مبيعات الجريدة ألف نسخة، ولم تكن أسرة الجريدة تتجاوز ثلاثة أو أربعة أفراد بمن فيهم صاحبنا الذي كان وقتها معتكفاً في مكان ما.

بعد وفاة "الحاج أحمد" خلفه شقيق "سي عبد الستار" الدكتور "مصطفى" وقد عمّر هو الآخر عشر سنوات نُقل على أثرها لرئاسة تحرير "إفريقيات" في باريس.

"سي مصطفى" هو شقيق "سي عبد الستار" الوحيد، حاصل على دكتوراه فرنسية في علوم الاتصال، كان رجلاً فرنكوفونياً حتى النخاع، فلم يكن يهتم إلا بما ينتج باللغة الفرنسية، ولم تكن "الفصيح" بالنسبة إليه أكثر من "محطة صحفية واتصالية" (كما كان يحلو له أن يقول مبتسماً).

لم يكن يهتم لا بصديقنا، ولا بركنه، ولا بقراء الجريدة ،ولا بالعربية أو أهلها، كان يقضي معظم وقته في تأليف كتابه العلمي الأكاديمي حول "الاتصال والانفصال في العالم الفتي.." باللغة الفرنسية، كان يوكل مهمة مراجعة المقالات وتأشيرها إلى رئيس قسم "الشؤون السياسية".

بعد "سي مصطفى" حلّ ركب "سي منجي" الذي كان محرراً مبتدئاً على عهد سلفه "سي مصطفى"، وكان ولا يزال وصوليّا تعتريه عقدة العظمة، ولا يدخر جهداً في الوصول إلى هدفه الأوّل والأخير، كشف سرّ صاحبنا ونشر غسيله أمام القراء، إذ كان يظن أن وراء تخفي صاحبنا عن الأعين سر هائل ومن مصلحته تعريته، كما لا يخفى على أحد رغبة "المنجي" الظاهرة في وراثة الصحف الأربع وإحالة صهره المدير العام على التقاعد.

"سي عبد الستار" يعلم جيداً نوايا صهره، ويعلم أنه وصولي نفعي ومع ذلك كان يحترمه؛ لأنه على حدّ قوله: "ذكي، وطموح وهما ميزتان لا تتوفران إلا في الصحفي الناجح، علاوة على أنه زوج ابنته.

أمضى صاحبنا حوالي ثلاثين سنة في العتمة خلف ستار من الغموض لا يعرف مكنونه غير صديقه "سي عبد الستار" وتلميذته "حسنة".

انضمت "حسنة" إلى أسرة تحرير "الفصيح" بعد أن تدخل صديقنا عند "سي عبد الستار"، قبل ذلك كانت من قراء "الفصيح" الأوفياء فلم يكن يفوتها عدد على مدار السنة، منذ عهد شبابها وهي من المعجبات بركن الحيارى الذي يشرف عليه "المتفائل دائماً".

عندما كانت حسنة طالبة جامعية مرت عليها مشكلة عائلية خانقة هزتها وكادت تعصف بحياتها، فكتبت رسالة لصديقنا على عنوان "الفصيح" ليساعدها على إيجاد حلّ لمشكلتها كما تعوّد مع جميع القراء الحيارى التائهين الذين يطلبون مساعدته، وكانت ردود صديقنا على رسائل القراء تنشر تباعا على أعمدة "الفصيح"، غير أن رده على رسالة "حسنة" لم يعجبها ولم يقنعها، فكتبت إليه رسالة ثانية تقول فيها:

"إلى السيّد "المتفائل دائماً" المشرف على ركن "قلوب في دوامة"، بعد التحية والاحترام، أعلمكم أنّني قرأت في هذا العدد الذي هو بين يديّ ردّكم على رسالتي، قلتم: "يا آنستي، ح. م.، إن كانت هذه الأزمة التي مرّت بأسرتك جعلتكم فقراء، فالفقر ممكن وهو ليس عيب، وإن كانت هذه الأزمة جعلتك تعيدين السنة وترسبين، فأنت أخفقت سنة ولن ينتهي العالم وستنجحين السنة المقبلة، وإن كانت هذه الأزمة تسببت في هجرة أخيك، فالهجرة ظاهرة اجتماعية واقتصادية عادية وقد تصنع الرجال"..

قلتم كذلك: "يا آنستي، هذه المشاكل التي حدثتني عنها في رسائلك هي أزمات بسيطة، غير قاتلة، وتستطيعين تجاوزها بقليل من الحكمة والعزم، وذلك بإعادة المياه إلى مجاريها بين والديك المتخاصمين، وحث أبيك على التراجع عن فكرة الطلاق وهجر أسرته، فهل يمكن أن تتوقف الحياة بسبب هذه المشاكل العارضة، المتكررة تقريباً في جميع أسرنا وحلولها في المتناول، لا أعتقد أن فتاة عاقلة، ومثقفة، ومتعلمة مثلك تحدث نفسها بالانتحار بسبب هذا".

قلتم أيضاً في موضع آخر من الرسالة: "راجعي نفسك يا آنستي، الحياة جميلة، وتستأهل أن نحياها وننعم بها".

يبدو يا سيدي "المتفائل دائماً" أنك متفائل أكثر من المعقول، وأن تفاؤلك أمسى خيالاً وضرباً من المثاليات، فإن كان الفقر ليس بمشكل، وإن كان الطلاق ليس بمشكل، وإن كان تشتت أسرة ليس بمشكل، وإن كان اليأس ليس بمشكل، وإن كان شبح التشرد ليس بمشكل، وإن كان الفشل ليس بمشكل، فما المشكل إذن يا سيدي؟ تنصحني بالتفاؤل، كيف لي أن أتفاءل والفشل أمامي وورائي وطريقي مسدودة؟ تنصحني بالصبر، من أين آتي به؟

أنصحك سيدي "المتفائل دائماً" أن تسمي نفسك "المقيم في البرج العالي" أو "الضاحك على ذقون الحيارى" أنت تضحك علينا وتصف لنا وصفات وهمية، وإنني أقسم أنك لم تجرب الفقر ولا الحرمان ولا اليأس ولا الفشل، وأقسم أنك شخص ميسور الحال لا تعرف معنى هذه الكلمات، فكيف يحس أمثالك بمشاكل أمثالي...؟

أنصحك سيدي "المتفائل دائماً" وأنت الذي تعوّد على توجيه النصح من برجه العالي بتجربة الواقع وصفعات الحياة وخشونة الدنيا وبعدها انصح العباد".

(مع الشكر، ح. م. (الوسط)

وصلت رسالة حسنة إلى صديقنا، قرأها، تأثر بها، فأمر بنشرها في الجريدة كاملة دون قصّ، وعلّق عليها بكلمتين: "أشكر الله يا آنسة ح. م. فعلى الأقل حالك أحسن من حالي بألف مرّة".

قرأت حسنة تعليق صديقنا على رسالتها في "الفصيح"، ولم تستطع فكّ رموز الجملة المقتضبة تلك، بل فهمتها على أساس أنها كلمات تهكّم وسخرية منها، فحرّرت رسالة جديدة إلى صديقنا قرأها دون أن يرد عليها، وتكرّرت رسائلها دون أن يوليها المحرّر عناية، كانت جميعها تصب في غرض واحد: نقد "المتفائل دائماً" والسخرية من بورجوازيته الساذجة التي تصوّرت أنه يعيشها، فحسنة آمنت أنه بورجوازي يقبع في برج عال متعال عن أرض الواقع، وأنه يدّعي التواضع والإنصات لمشاكل القراء.

لم تنقطع حسنة عن مراسلة صديقنا على امتداد أكثر من أربعة أعوام وقد انفرجت خلالها أزماتها ومشاكلها، فكانت تخبره عن أحوالها وأحوال أسرتها شاكرة له نصائحه التي تفطنت لمغزاها مع مرور الزمن والتي ساعدتها على إنقاذ أسرتها بعد أن تآلفت القلوب، فتخرجت هي من كليّتها واستقرت أسباب الحياة لأخيها في المهجر، فاستحال بؤسها أملاً وحزنها فرحاً.

كانت رسائل حسنة مصدر سرور كبير له إذ كان ينتظر حلولها بفارغ الصبر عندما يسلمها إليه "سي عبد الستار" من أسبوع إلى آخر.

كانت جميع رسائلها تحمل في هامش ورقة التحرير الجملة الآتية: "سيدي، المتفائل دائماً" أرجوك أن تقول لي: ماذا كنت تقصد بجملتك (حالك أحسن من حالي بألف مرة، أرجوك، أريد تفسيراً لهذه الجملة اللّغز" حسنة..

كان صاحبنا يعرف عن حسنة كلّ تفاصيل حياتها تقريباً، فقد عرّفته بنفسها بصورة ضافية عن طريق رسائلها وصورها برفقة أفراد عائلتها وأصدقائها التي كانت ترسلها إليه تباعاً.

أما هي فلم تكن تعرف عنه شيئا أكثر من اسمه الصحفي المستعار أو صوته إذ كان يهاتفها في منزلها من وقت إلى آخر، لم يفصح عن حقيقته لحسنة وتركها في حيرتها قائلاً في نفسه: "في اللحظة المناسبة سأخبرها بحقيقتي قريباً".

أُعجب صديقنا كثيراً بثقافة حسنة وسعة اطلاعها على جميع الميادين والعلوم تقريباً، وكثافة معلوماتها في علوم الاتصال والصحافة خاصة، واعتبرها ابنة له فكان يكتب إليها عديد الرسائل على عنوانها في مدينتها وسط البلاد ناصحاً مرشداً، فاعتبرته هي بدورها أباً روحياً لها، فكانت تطلعه على أدق تفاصيل حياتها وعلاقاتها الاجتماعية، وتحكي عن لحظات سرورها وتكدّرها بكل عفوية وتلقائية.

وقد أرسل إليها يقول: "إلى ابنتي العنيدة حسنة، اشتقت كثيراً إلى مشاكساتك التعبيريّة العذبة بعد أن انقطعت عن مراسلتي، ما خطبك ابنتي؟ هل تمرين بمشكلة ما؟ أخبريني عاجلاً عن كل ما يعتريك، لن أطمئن عليك حتى يصلني مكتوبك، حاولت مهاتفتك ولم أفلح، إلى اللقاء.. أبوك "المتفائل دائماً"..

قرأت حسنة الرسالة فتأكدت أن صديقنا أحسّ بتكدرها، وأنه يروم مساعدتها، فهمّت يومها بكتابة رسالة إليه تخبره فيها عن كل ما ينغّص حياتها، غير أن بعض الإرهاق اعتراها وجعلها تؤجل التحرير إلى الغد.

عند مساء ذلك اليوم رنّ جرس الهاتف في غرفة الجلوس، كانت حسنة بصدد مشاهدة جهاز التلفزيون، رفعت حسنة السماعة:

- ألو.. نعم..

- ألو.. أنا أبوك "المتفائل دائماً..

- أهلاً ومرحباً، كم أنا مسرورة بسماع صوتك، بمجرد سماعه طار عني الإرهاق...

- ما بك يا ابنتي؟ أنا قلق عليك، لا رسائل ولا مكالمات، ما الأمر؟

أجهشت حسنة بالبكاء وتوقفت عن مكالمة صديقنا.

- ألو.. حسنة.. حسنة..

- ...

- ما بك يا بنتي؟

بعد لحظات من الصمت استعادت حسنة وعيها وردّت عليه:

- أرجو المعذرة.. في الحقيقة إنني متأزمة مهمومة الخاطر بسبب الانتظار، انتظار التعيين، الفراغ يكاد يقتلني وأنا قابعة في مكاني دون أن أستطيع تغيير وضعيتي، فشلت في أن أتحرك إلى الأمام بعد تخرجي ولو قيد أنملة...

- هذا فقط ما يرهقك...؟

- وهل هذا بسيط يا بابا...؟

- اسمعي يا حسنة، غداً صباحاً أريدك أن تكوني في مقر "الفصيح" لمقابلة رئيس التحرير "سي منجي" الذي سيسلمك أوراق تعيينك في الجريدة كمحرّرة متربصة في ركن الثقافة، أنت من المساهمين في إنشاء هذا الركن فضلاً عن أنك متحصّلة على أستاذية في اللّغة والآداب العربية، لا تنسي أن تجلبي معك ملفاً كاملاً، مبارك..

- لا أكاد أصدق، لا أكاد أصدق.. هل سأشتغل أخيراً مثل بقية خلق ربي، هذه معجزة يا بابا...

وفي غمرة فرحها طبعت على سماعة الهاتف قبلات متتالية كان لها دويّ جذاب وحنون في أذن صديقنا.

- لا شكر على واجب بنيتي، أنت تستحقين هذا العمل بجدارة، وأنا من رشحتك للعمل بهذه الخطة اعتماداً على المراسلات التي كنت أتلقاها منك فهي تعكس مستوى محترماً وحذقاً في اللغة العربية نحواً، وتركيباً، وتعبيراً، وبلاغة، فضلاً عن أن الجريدة تنوي منذ فترة انتداب صحفيّين تتوفر فيهم الشروط نفسها التي تمتلكينها...

- غداً، غداً، يعني غداً...؟

يضحك صاحبنا..

- نعم غداً، هنيئاً لك، إلى اللقاء الآن، سأنتظرك غداً..

في اليوم الموعود حلّت حسنة بالعاصمة قادمة من مسقط رأسها، وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً كانت واقفة أمام مكتب "سي منجي".

- أنت إذن حسنة، الآنسة حسنة التي تدخّل لها "سي المتفائل.." شخصياً..

- نعم يا أستاذ..

كان منجي في قرارة نفسه يلعن حسنة هذه وأهلها ويلعن صاحبنا وتمنى لو يستطيع طرد هذه الفتاة القادمة من (زون الظل) كما سيسميها المنجي لاحقاً، ويصفعها صفعة يسمع دويها "المتفائل.." في مخبئه، وبرغم ما يعتمل في قرارة نفسه من كره لهذه الفتاة النحيفة التي توسط لها غريمه عند "سي عبد الستار" مولى المول، فقد تمالك نفسه وابتسم لها قائلاً:

- هنيئا لك يا آنسة، هذه أوراق تعيينك، أرجو لك التوفيق في مهمتك، لا تنسي أنك ستبقين تحت التمرين والتربص لمدة ليست بالهينة، فاجتهدي في عملك، أرجو لك التوفيق في مهنة المتاعب (الصحافة).

- أرجو أن أكون عند حسن الظن، يا أستاذ..

- بإمكانك الشروع من الآن في عملك، طبعاً بعد إتمام إجراءات انتدابك الإدارية من قبيل تعمير بعض المطبوعات وتعريفها، سيمرنك "سي طارق" زميلنا على العمل الصحفي تدريجياً، فهو صحفي قديم، وقد أوكلت له مهمة تدريبك والإشراف عليك لمدة سنة كاملة قبل أن يحين موعد ترسمك، طبعاً بعد النجاح في التربّص الإجباري بالجريدة.

رفع "سي منجي" سماعة الهاتف وحادث "طارق" يوصيه بمساعدة زميلته الجديدة وحسن تدريبها.

همت حسنة بالخروج غير أنها عادت أدراجها وخاطبت رئيسها الجديد بصوت محتشم:

- عفواً "سي منجي"..

- نعم، تفضلي..

- أريد أن أسألك..

- نعم، تفضلي..

- بخصوص، بخصوص، "المتــــ..

- آه..  بخصوص النجم الساطع والجوهرة الفريدة وأعجوبة الدنيا الثامنة، "سي المتفائل دائماً"..

- نعم يا أستاذ، إذا سمحت لي..

- اسمعيني جيداً.. إذا أردت الارتزاق في هذه الجريدة فلا تسألي كثيراً..

- أسأل عنه، أردت أن أشكره، والتعرف إليه مباشرة..

- تريدين معرفة "سي المتفائل.." وأنت صحفية منذ ربع ساعة، إنني أشتغل في هذا المكان منذ سنوات طويلة ولا أعرف شيئاً عنه...

- عفواً سيّدي، أردت فقط أن...

قطع "سي منجي" هذا الحوار بإشارة من يده المراد منها:

- هيا، اغربي عن وجهي..

خرجت حسنة من مكتب رئيسها بعد حوالي نصف ساعة، ورأسها يعج بعشرات الأسئلة الحائرة، هل يعقل ألا يعرف رئيس تحرير جريدة ما صحفيّا يشتغل تحت إشرافه؟ أقنعت نفسها وهي متجهة إلى قاعة التحرير التي دلّها عليها أحد المحرّرين أن "سي منجي" يشاكسها لا سيّما وقد حذرها صديقنا من خبثه ولؤمه.

مكثت حسنة ذلك اليوم وهي تنتظر قدوم صديقنا لكن دون جدوى.

أمضت ليلتها في إحدى النزل القريبة من مقر الجريدة، ومن الصباح كانت تجلس إلى مكتبها الجديد، رن جرس المكتب الصغير.

- ألو..

- ألو.. صغيرتي حسنة.. أنا "بابا المتفائل دائماً"..

- أهلاً، كيف الحال؟ أنا سعيدة بسماع صوتك، لقد انتظرتك بالأمس واليوم كثيراً ولم تأت..

- هل تسلمت عملك الجديد، هل أعجبك..

- نعم، شرعت في العمل، لكن لماذا لم أجدك؟ ولم أعثر على مكتبك في الجريدة، سألت عنك الجميع هنا فأخبروني بأنك غير موجود في الجريدة، وأنه لا مكتب لك هنا..

- ها أنا بجانبك يا حسنة، لا تتعبي نفسك بالسؤال عني، وعن مكتبي..

- سأهاتفك كلما استدعى الأمر..

- لماذا لا أستطيع زيارتك في مكتبك..

- فلننس الآن هذا الأمر، افتحي الآن درج مكتبك وستجدين عقد شقة صغيرة في إحدى الأحياء القريبة من الجريدة لمدة سنة كاملة قابلة للتجديد، الشقة مؤثثة، عند منتصف النهار سيأتيك من يوصلك إلى مستقرك الجديد، مبروك يا بنيتي..

عجزت حسنة عن مواصلة الكلام، الشكر لا يكفي لهذا الرجل، ولا يفيه حقه، كيف سترد له هذا الجميل؟ شغّلها، وأسكنها، وحباها رعايته، لماذا يفعل معها كل هذا...؟ هل يفعل معها الخير للخير أم أنه يضمر لها أمراً ما هي لا تعلمه؟

بقيت حسنة فاغرة الفم وسماعة الهاتف تتدلى في يدها اليمنى، طرحت على نفسها عشرات الأسئلة وراحت تحدث نفسها في نفسها: "لا بدّ أنه يرغب في ثمن لهذا الجميل الكبير الذي قدمه لي (ما فماش قطوس يتصيّد لربي..) ما هو الثمن الذي يريده؟ كل شيء بثمنه في هذه الدنيا، هذا مؤكد (خوذ وأعطي) هذه هي عملة العصر، طبعاً هو مثل كلّ الرجال لن يطلب من أنثى أغرقها بحسناته غير جسدها وعفتها.."

غير أن صوتاً آخر أكثر هدوءاً واتزاناً اخترق هواجسها وراح يحدثها: "لا تظلمي الرجل وهو الذي يناديك ببنيتي، ويؤكد لك دائماً أنه في مقام والدك، وعلى أي حال هذه مبادرة تصدر عنه أولاً وستعلمين آجلاً أو عاجلاً مراميه"..

اطمأنت حسنة لهذا التفسير الحكيم، قائلة لنفسها في صوت خافت: "الأيام كفيلة بكشف ما خفي"..

عادت إلى سماعة الهاتف معتقدة أن صاحبنا لا يزال على الطرف الآخر من الخط.

- ألو، ألو..

- ...

غير أن مهاتفها غادر الخط لأن حوارها مع نفسها طال وعزلها عن حوارها معه.

مرت الأيام هادئة في حياة حسنة الصحفية وأصبحت محترفة بفضل توجيهات صديقنا من حين إلى آخر إذ لم يكن يمر يوم دون أن يهاتفها ويطمئن عليها وعلى عملها، ثم لا ننسى فضل زميلها "طارق" الذي أحسن تدريبها وأجاد، فأحبها جميع زملائها واحترمها رؤساؤها فأطلقوا عليها اسم صاحبة الجلالة لما عرفت به من إتقان لمهنتها، وقد ارتفعت بفضل صفحتها الثقافية مبيعات "الفصيح" فضلاً عن صفحة صديقنا "قلوب في دوامة" الشهيرة.

ولم تحاول الآنسة حسنة أن تعرف عن صديقنا أكثر ممّا عرفت عنه، فهي مقتنعة أنه عظيم، زكي الأصل لا مثيل له وأنه سيأتي يوم ويخبرها هو بنفسه بكل صغيرة وكبيرة عن حياته الغامضة، فما عليها سوى الانتظار لا سيما أنه وعدها بأنه سيكشف لها عن حقيقته في الوقت المناسب.

كانت ردود صديقنا على بريد قرائه تصل إلى مقر الجريدة عن طريق "سي عبد الستار" الذي يوصله إلى منزله بواسطة "عم ساسي" الذي يشتغل في منزل صديقنا، ومنذ تعلق صاحبنا بحسنة واطمئنانه إليها، وإيلائها جميع الاهتمام أصبح يرسل إليها هذه الردود مباشرة إلى شقتها عن طريق "عم ساسي".

وبذلك أعفى "سي عبد الستار" من عبء، وكم فرحت حسنة بهذا التشريف، ورأت فيها خطوة كبيرة يقطعها صديقنا في الوعد الذي قطعه على نفسه بالكشف عن حقيقته.

تسلمت حسنة الردود من العجوز، وقبل أن يغادر سلمها رسالة على حدة مؤكداً أنها تخصها مرسلة من "المتفائل دائماً" شكرته، وأسرعت إلى فتحها فقرأت الآتي:

"ابنتي حسنة، أزفت ساعة الحقيقة، يمكن لك الآن أن تطلعي على سرّي وهذا هو العنوان"،

"عمك ساسي" سيصحبك هذا المساء إلى منزلي عند الساعة الثامنة، كوني في الانتظار، أبوك "المتفائل دائما"..

فرحت حسنة بقرار صديقنا هذا، وبادرت إلى تمزيق تلك الرسالة مثلما طلب منها صديقنا ذلك في نفس هذه الرسالة، وأخيراً ستتمكن من فك رموز لغز الرجل الذي حيّرها سنوات طويلة وحيّر من قبلها أسرة الجريدة كافة والقراء جميعاً دون أن يتمكّن أحد من كشفه، حتى "سي منجي" صاحب النفوذ والسلطة أخفق في إماطة اللثام عنه، أحست نفسها قوية أقوى حتى من "سي منجي"، حملت ردود صديقنا إلى قسم التصنيف والرقن، سلمتها إلى العاملين هناك وغادرت الجريدة.

أزف الموعد، حلّ "عم ساسي" واصطحب معه حسنة إلى منزل صديقنا على متن سيارة تاكسي، بعد حوالي نصف ساعة من انطلاقهما كانت السيارة واقفة أمام باب بناية متواضعة قديمة ذات طابقين صُممت على الطراز الإيطالي في منطقة ريفية جنوب العاصمة، دفع "عم ساسي" أجرة التاكسي وصرف صاحبها، ثم فتح الباب بمفتاح كبير سحبه من جيب سترته، استدعى حسنة للدخول..

- مرحبا، تفضلي، تفضلي..

- شكراً لك يا عمّي..

- سي محمّد، أوصاني بك خيراً..

- شكراً له ولك "عم ساسي"..

ولج الاثنان باب هذا المنزل العتيق المحاط بأشجار الزيتون والمسيّج بجدار قصير بنيّ مزيّن بنبات متسلق غير مرتّب.

دعا "عم ساسي" حسنة إلى صعود المدارج الموصلة إلى الطابق الأوّل حيث يوجد صاحبنا، كانت حسنة تتبع العجوز في ذهول وحيرة، لماذا لم يستقبلها مضيفها بنفسه كما جرت العادة بين الناس؟ لماذا يخيّم على منزله هذا الهدوء الغريب؟ وما هو مصدر هذه الرائحة الرطبة التي تنبعث منه وكأنها في منزل (الكونت دراكولا)، ثم لماذا يسكن في هذا المكان البعيد النائي؟

التفتت حسنة متوجسة نحو "عم ساسي" الذي يسير وراءها:

- أين هو "سي محمّد"؟

- في غرفته...!

لماذا في غرفته؟ لماذا يريد الرجل استقبالها في غرفته؟ في غرفة نومه؟ ترددت الفتاة قليلاً في صعود المدارج وهي تحدث نفسها في حيرة، رامت بشدة العودة من حيث أتت وهمت في حركة لاشعورية بالنزول غير أن العجوز كان يحثها على مواصلة الطريق بلطف:

- هيا يا بنيتي، "سي محمّد" ينتظرنا وهو يعلم أنك وصلت منذ فترة..

يعلم أنها وصلت، هل كان يراقبها، يراقب دخولهما من شباك غرفته في هذا المنزل المخيف؟ كبتت حسنة جماح هواجسها وتقدمت من غرفة صديقنا، همت بطرق الباب وإذا بها تلتفت إلى الرجل العجوز معتقدة أنه هو من سيطرق الباب للاستئذان في دخول ضيفته، لكنها لم تجده بجانبها، ربما يكون قد دخل إحدى الغرف الأخرى الكثيرة، تردّدت في طرق الباب وبقيت واقفة متسمرة في مكانها أمام باب الغرفة لا تبرحه.

فجأة سمعت صوتاً، كان صوت رجل كهل يدعوها للدخول..

- مرحباً، تفضلي بالدخول حسنة..

ثم انفتح الباب من تلقاء نفسه..

تملك الفتاةَ هلع شديد، ولم تجب، عاد الصوت ثانية:

- ادخلي، يا حسنة، لا تترددي، أرجوك..

كان هذا الصوت يصل إلى مسامعها من مكان ما في الحائط، أصر صوته عليها أن تدخل وكان لا مهرب لها من ذلك فدخلت:

كانت إضاءة الغرفة خافتة، بحثت الفتاة عن مصدر الصوت فما استطاعت العثور عليه وهي تظن أن صاحبه ربما يكون جالساً على أريكة كبيرة تحتويه فلا يُرى منه شيئاً مثلما يظهر في أشرطة الرعب السنيمائية التي تعشقها حسنة

- سي محمّد، أين أنت؟

- هنا.. أنا هنا يا بنتي وراء هذا الستار المحاذي للنافذة التي تقابلك مباشرة..

كان الصوت هذه المرة طبيعياً يصدر مباشرة عن شخص مستلقٍ على سرير النوم، وقد كان في مستهل دخول حسنة الغرفة صادراً عن مضخم صوت صغير مثبت في سطح رواق الطابق الأوّل.

ألا يكفيه أن يستقبل ضيفته في غرفة نومه حتى يدعوها إليه وهو مستلق على سريره، لماذا يفعل معها هذا؟ هل جاء وقت رد الجميل الآن يا حسنة، عليك إيفاؤه أجره، إنه يطلبه الآن.. حان وقت (خلاص الفاتورة) يا حسنة؟

- المعذرة "عم محمّد" أنا في انتظارك هنا، حتى تنهض من سريرك؟

- تعالي يا بنيتي، لا تخافي..

تقدمت الفتاة نحوه في خطا متثاقلة، رفعت الستارة ببطء مطأطئة الرأس وهي تظن أنها ستراه بزي آدم مستلق على سريره مثلاً، لماذا إذن أصّر على دعوتها إلى مخدعه إن لم يكن يرغب في مراودتها عن نفسها ويظهر أنه بيّت للأمر منذ مدة..

- أهلاً وسهلاً يا حسنة.. مرحباً..

ببطء شديد رفعت الفتاة رأسها دون أن تنبس بكلمة، صرخت، شهقت ثم تقهقرت إلى الوراء لتسقط مغشية عليها، هرع إليها "عم ساسي" الذي كان يقف خارج الغرفة بعد أن سمع صراخها.

- اسكب عليها بعض العطر لتستفيق يا "ساسي خوي.."...

استعادت الفتاة وعيها فساعدها العجوز على النهوض وأجلسها على أريكة مقابلة لسرير صاحبنا الذي خاطبها برفق:

- ما بك، يا بنيتي...؟

انفجرت حسنة باكية وهي تمسك رأسها بكلتا يديها.

- هل أفزعتك؟

لم تستطع أن تنطق بحرف واحد، غصّت بالكلام وكأنها فقدت النطق فجأة...

- أرجوك، يا ساسي، اجلب لها كأساً من عصير الليمون وقهوة لي، سأشربها هذه المرّة من يد بنيتي حسنة..

غاب "العم ساسي" لحظة ثم عاد وهو يحمل ما طُلب منه، وضع الصينيّة أمام حسنة فوق طاولة صغيرة وانصرف.

- هيا يا بنيتي، اشربي عصيرك، لماذا كل هذا الجزع. إنها حكمة الله وقضائه...

أحست الفتاة ببعض الهدوء، فتكلمت بصوت متقطع باك..

- ماذا حلّ بك...؟ يا إلهي..

- قضاء الله، يا حسنة، حكمة ربي..

- اعذرني، اعذرني..

الآن فقط فهمت حسنة جملة صديقنا التي كتبها لها مرّة: "اشكري ربك، فحالك أحسن من حالي ألف مرة" كانت الفتاة تكلم شبه إنسان، لم يبق من جسمه غير النصف العلوي: رأسه، رقبته وقليل من فخذيه خالياً من أطرافه العلوية والسفلية، فلا يدين، ولا ذراعين، ولا قدمين ولا ساقين، أحاطت به مجموعة من الأجهزة الكهربائية والميكانيكية المتداخلة: على يمينه وعلى يساره وفوق رأسه..

- لا أكاد أصدق.. يا إلهي..

- بل صدقي يا حسنة، يوجد في هذه الحياة من حاله أسوأ من حالي بكثير ورغم ذلك نجده سعيداً متعلقاً بالحياة وبأسبابها..

- كيف حصل لك هذا؟

- أصبت بحادث مرور خطير، نجوت منه بأعجوبة، وماتت على إثره كلٌّ من زوجتي وابنتي الوحيدة "حسنة"، كان اسمها مثل اسمك، لو بقيت على قيد الحياة لكان الآن عمرها في مثل عمرك، رحمهما الله، الحمد لله لقد عوّضني الله خيراً بك أنت يا حسنة، الحمد لله والشكر له..

كانت الفتاة تنصت إلى صديقنا والأسى ينهش قلبها فتنفجر باكية دون توقف..

انتقلت حسنة إلى العيش مع صديقنا بعد أن ألغت عقد كراء شقتها، ولم تطلع أحداً على حياتها الجديدة، أخفتها عن الجميع وخاصة عن "سي منجي" وفرقته وعلى رأسها "طارق" الذي يلح عليها في الزواج ولا ينفك عن إحراجها.

وتمر الأيام، يواصل فيها صديقنا حياته سعيدةً برفقة حسنة، حياة ملؤها السرور والحبور... فملأت عليه وحدته وأعادت لبيته دفء الأسرة الذي فقده منذ ثلاثة عقود خلت، فأصبحت الفتاة هي كل حياته: الصديقة، والبنت، والأخت، والسكرتيرة، والممرضة، والطاهية، وكل شيء..

 خلال أحد الأيام كانت حسنة بصدد السهر مع صديقنا تقرأ له قصة سارتر "الغثيان" التي يحبها صديقنا كثيراً، وهو يصغي إليها باهتمام معجباً بصوتها الملائكي الحنون ومأخوذاً بحذقها لصوتيات اللّغة الفرنسية، عند الصفحة السبعين توقفت الفتاة فجأة عن القراءة، طوت الكتاب، رفعت رأسها مخاطبة صديقنا دون مقدمات وبكل تلقائية وكأنها سترمي عليه حملاً من الكلام يؤرقها ويثقل كاهلها:

- لماذا لم تتزوج مرّة ثانية؟ ما المانع؟

- هل يستطيع الزواج من هو في مثل حالتي زيادة عن سني؟ وهل توجد امرأة يمكن أن تقبل بي؟

- ألف تتمناك، سعيدة الحظ التي تتزوجك إن وافقت أنت طبعاً..

- من هي يا حسنة التي تقبل أن تربط مصيرها بشبه جسم رجل؟

- أنا، ويشرفني ذلك، نعم أنا، أنا..

مرت أيام الزفاف سعيدة واستطاعت حسنة أن تعيد إلى صديقنا ثقته بنفسه على جميع المستويات، بعد سنتين من زواجهما حملت حسنة منه وأنجبت بنتاً جميلة سماها صديقنا "حسنة" على اسم ابنته الراحلة وزوجته العزيزة العظيمة.

ازداد "المتفائل دائما.." إقبالاً على العيش فأبدع وأجاد في مهنته، ولم تبق حياته باردة ميّتة في الظل بعد أن بزغت فيها شمس "حسنة" الدافئة..

ومضت الأيام..

تناولنا في هذا المقال أفضل رواية عربية عن الأمل، رواية صحفي المهمومين، أحداث رواية صحفي المهمومين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة