تُعد رواية «سنوات المغر: هوامش من سيرة الغريب» علامة فارقة في المشهد السردي الخليجي؛ فتغوص الكاتبة والشاعرة الإماراتية مريم الزرعوني في أعماق التاريخ الاجتماعي للإمارات، لتستخرج منه سيرة جيل كامل قارع قسوة الطبيعة وتحولات العصر.
ببناء سردي يمزج بين الحنين تقنيات تعدد الأصوات، لا تكتفي الرواية بتوثيق حقبة زمنية تمتد أربعين عامًا عبر تلاحم سيرة منجم حديد جزيرة أبو موسى مع التغريبة التراجيدية للبطل «غريب»، بل تطرح تساؤلات وجودية عميقة حول جدلية الإنسان والمكان، وأزمة الهوية في مجتمعات سريعة التغير. إننا أمام ملحمة روائية تُشرح سيكولوجية الاغتراب وتكرم ثبات الرعيل الأول وسط أمواج التحولات الاقتصادية والسياسية.
من هي مريم الزرعوني؟
مريم الزرعوني كاتبة وفنانة تشكيلية ونحاتة إماراتية، صدرت لها مجموعة من المؤلفات الأدبية، منها: رواية «سنوات المغر»، ورواية «رسالة من هارفارد» الحائزة على جائزة أفضل كتاب للطفل من جائزة العويس للإبداع عام 2018م.

تحليل مضامين الرواية وتقنيات السرد الفني فيها
هذه الرواية التي تتكوّن من عنوان رئيس (سنوات المَغَر) وآخر فرعي (هوامش من سيرة الغريب) هي رواية للكاتبة والشاعرة الإماراتية مريم الزرعوني، تقع في 223 صفحة، وصادرة عن مركز أبوظبي للغة العربية سنة 2025م.
وكما يدل عليها عنوانها المركب، تجمع الرواية بين سيرة المكان الذي يُشير إليه «المغر» (وهو منجم حديد في جزيرة أبو موسى) وسيرة الإنسان الذي تُجسّده شخصية «غريب»، وقد حوَّلتها الرواية إلى نموذج لجيل كامل واجه الصعاب في البر والبحر؛ إذ نجد إشارة واضحة في الصفحتين 104-105 من الرواية إلى هذا البعد «الجمعي» في الشخصية حين يقول السّارد:
«بكى غريب بالنيابة عن كلّ الذين أرادوا الانتحاب ولم يتمكّنوا فشعر أنّ المهمّة مُوكلة إليه..».
1. الإطار التاريخي لرواية «سنوات المغر»: رصد تحولات المجتمع الإماراتي
ترصد الرواية تحوّلات المجتمع الإماراتي (والخليجي عامّة) بتسليط الضوء على تفاصيل من الحياة اليومية والصراعات والمغامرات والعلاقات الإنسانية التي مرّ بها المجتمع في حقبة امتدّت لعشرات السنين. ونجد في الرواية إشارات وتلميحات إلى المدة الزمنية التي تحتضن أحداثها، من ذلك:
العبارة الواردة على لسان عرّاف بوشهر «بعد كساد اللؤلؤ» (ص 145): فقد كان صيد اللؤلؤ من التقاليد الراسخة ومصدر رزق محوري في الخليج العربي إلى حدود الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين.
ما صرّح به «غريب» في الصفحة 193 حين قال: «قام اتّحاد بين إمارات سبع في دياري» في إشارة إلى إعلان قيام اتّحاد دولة الإمارات في السبعينيات من القرن الماضي.
إشارة إلى الكوارث التي لحقت بالخليج بسبب الحرب في الصفحة 185: «ولم تكن الأرض قد ابتليت بالكوارث البيئية بعد».
إشارة صريحة في فصل «طائرة البوينغ 737» التي تكفّلت بسرد فصل كامل: «في مطلع الثمانينيات.. لطالما حلّقتُ في هذا المجال الجوّي ومعي العديد من الطائرات الحربية وطائرات الاستطلاع وطائرات التدريب، كنّا نحلّق فوق خليج يضطرب منذ ثلاثة أعوام.. الحرب هناك..» (ص ص 211-219)، وفي ذلك إشارة إلى حرب الخليج الأولى التي اندلعت في بداية الثمانينيات.
كلّ هذه القرائن، مضافة إلى سنوات تيه غريب الذي غادر أهله في عمر 13 سنة تقريبًا وعاد محاولًا الاستقرار في الخمسين من عمره، تجعلنا أمام فترة زمنية تمتد لنحو 40 عامًا؛ وهي وحدة القياس الدورية والزمنية التي نحدّد بها عمر جيل والمدّة الكافية التي نرصد منها تحوّلاته المختلفة (كما يقول ابن خلدون في مقدّمته)، لذلك تبدو سيرة «غريب» في الرواية سيرة جيل مؤسّس تقلّب بين تحوّلات اجتماعية واقتصادية وسياسية شديدة التعقيد. وهو ما يجعل الرواية، وهي تُلاحق مغامرات بطلها، أشبه ما يكون «بسفر الخروج» الذي يقدّم لنا صورًا قاسية من الغربة والمكابدة والترحال والتيه.
ولعلّ الكاتبة حين قسّمت روايتها إلى أكثر من ثلاثين فصلًا (في حدود 37 فصلًا) كانت تحاكي سنوات تغريبة بطلها وتلمّح إلى محنة جيل كامل.
2. ثنائية المغر وغريب: جدلية الإنسان والمكان وصراع الهوية في الرواية
أما المكان في الرواية: فيتكثّف في «المغر»، وهو منجم طين أحمر يقع في جزيرة «أبو موسى» تديره شركة بريطانية، التحق به «غريب» بعد أن فارق أهله مُغاضبًا «يطمح إلى أجر واف يكفيه عن والده» (كما قال «مستر ديفدسن» الإنجليزي الذي يشرف على المنجم في ص 17).
بنيما يعود اللون الأحمر إلى توفّر المنجم على «أكسيد الحديد» (ص 15) الذي يجعل ترابه بذلك اللون (ص 39) وهو «بطعم الصّدأ. ذلك الحديد المنسحق في التراب الأحمر» (ص 28).
غير أنّ الرواية لا تغفل عن رمزية أخرى في هذا التراب الأحمر إذ تربطها بلون الدم (ص 14). وبذلك يبدو جليًّا الترابط الرمزي بين عنصري الطين والدم اللذين يعبِّران عن الارتباط الوثيق بالأرض ويدلان على معاني الخلق والتضحية (فمغامرات غريب تبدأ من عمله في هذا المنجم، وانطلاقًا منه سيسعى إلى نحت كيانه). فالطين أصل الوجود، ولونه الأحمر الدموي هو عند الآخرين سبب في أطماعهم (الحديد)، وهو عند «غريب» سبب في الارتباط بالأرض والتضحية في سبيلها.
وأما الإنسان: فهو شخصية «غريب» الذي حمل في ملامحه وخصاله كثيرًا من خصائص المكان، إذ يُلقّب «بالأصهب» (أي ذو اللون الأصفر الضارب إلى شيءٍ من الحمرة) إلى درجة أنّ سائق شركة «أكسيد الحديد» خاطبه متندّرًا في الصفحة 15: «هل كانوا يُطعمونك أكسيد الحديد في صغرك؟». كما لمّح «مستر ديفدسن» إلى التمازج بين المكان والشخصية بقوله في الصفحة 19: «بشرته اصطبغت بحمرة التراب».
ولا تقتصر الخصائص التي ورثها «غريب» عن المكان في اللون الأحمر أو الأصهب، بل تجاوزته إلى اندماجه السريع في الخليط غير المتجانس من العمّال، فتعلّم ألسنتهم حتّى صار يتقن لغات مثل الهندية والأردية والفارسية، كما جالس «مستر ديفدسن» وتعلّم منه الإنجليزية نطقًا وكتابةً، حتّى إنّ «ديفدسن» أكّد على هذه الخاصيّة فيه حين قال في الصفحة 56: «هو شاب لمّاح ذو ذهن متّقد يُتقن اللغات»، ورشّحه ليكون «قبطانًا فذًّا أو تاجرًا نابِهًا» (ص 56).
وانطلاقًا من تفاعل الإنسان والمكان، يمكننا القول إن الرواية ليست وقوفًا على الأطلال أو «نوستالجيا»، بقدر ما هي محاولة لفهم الجذور وتكريم جيل صمد فوق الطين ليصنع المستقبل، وتشبّث بهويّته وبحث عنها في التفاصيل وواجه من أجلها المحن.
3. البناء الفني لدى مريم الزرعوني: بين قسوة المسرود وشاعرية السرد
أ. قسوة المسرود: أبعاد الغربة ومأساوية مصير البطل «غريب»
يبدو المسرود في هذه الرواية شديد القسوة، إذ تجعلنا الكاتبة نلاحق بطلها «غريبًا» في رحلة بحثه عن وثيقة هويّة وفي سعيه لإثبات وجوده وانتمائه إلى الأرض على الرغم من كل المتاعب والعراقيل التي وقفت في وجهه. ومن مظاهر هذه القسوة في سيرة «غريب»:
تيه عجيب زاد عن الثلاثة عقود (ص 8).
تآمر عليه أبوه وأخوه والأقدار (ص 9)، وجار عليه والد زوجته في الكويت بعد وفاتها واستبدّ بالمتجر (ص 31). وتنكّر له كثيرون ممّن عرفهم أو مرّ بهم أو عمل معهم حتّى تحوّلت «آصرة الدم إلى مياه صرف صحيّ عندما تقاطعت مع المال» (ص 13).
تبلّدت مشاعره بحكم الغربة والظلم (ص 17).
هو في نظر كثيرين «مقطوع من شجرة ولا يُعرف له أصل» (ص 31) بل «لعلّه ابن غير شرعيّ من الضفّة الشرقيّة» (ص 50).
ماتت أمّه واحترق أبوه واختلّ عقله (ص 105).
جرّب العمل في المنجم كما جرّب التجارة وانتهى إلى الفشل الذي طال حتّى حياته الاجتماعية والزوجية فأخفق في كلّ زيجاته (طلاق، نفور، صدّ، موت..).
ظلّ طوال حياته يسعى للحصول على بطاقة هويّة وإثبات جنسيته؛ فكان «عديم الجنسية» (ص 187) و«لا يمتلك أوراق هويّة» (ص 13).
انتهى نهاية مأساوية كبطل تراجيدي ملحمي واجه أقداره بكلّ شجاعة في صراع غير متكافئ القوى، فاستقرّ بعد حادثة سقوط الطائرة في قاع البحر.
أي أنّ الرواية صوّرت لنا غربة «غريب» في أبعادها المختلفة: الغربة الاجتماعية عن الأهل، الغربة عن الذات وحالة الانفصام التي يعيشها والتمزّق بين المتناقضات الذي رافقه طيلة حياته (حب وكراهية، رحيل واستقرار، فقر وغنى...).
والغربة عن المكان فهو كما تقول الرواية في صفحتها 187: «رجل قضى شبابه وكهولته في غير موطنه واعتاد على الارتحال»، فكأنّه كان من كلّ مكان أو فاض على المكان. فقد «تاه في جميع الدنيا وأضاع طريقه إلى الإمارات» (ص 13) و«استأنس الشتات والاغتراب» (ص 141) فهو يحمل من اسمه نصيبًا؛ «اسمه غريب وما حدث له غريب» (ص 154). وحتّى عندما عاد من سفره فقد بدا «كجريح نجا من ساحة حرب» (ص 166).
حياته كلّها تلخّصت في نبوءة «عرّاف بوشهر» في الصفحة 144 من الرواية حين قال له: «سفر سيسلّمكَ إلى سفر، وأرض تلفظك إلى البحر.. ذلك أمركَ إلى حين..».
لقد ضاعت «الجهات الستّ» كما يقول بطل الأديب التونسي محمود المسعدي، أو انتهت الرحلة ولم تبدأ الطريق بعد، أو كما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى..».
وعمومًا، يذكِّرنا غريب في سيرته بغريب أبي حيّان التوحيدي حين عرّفه بالقول «الغريب من كان في غربته غريبًا». أليست مسيرة غريب في هذه الرواية شبيهة بهذا التعريف الذي ذكره التوحيدي: «هذا وصفُ غريبٍ نأى عن وطنٍ بُنِيَ بالماءِ والطين، وبَعُدَ عن أُلاّفٍ له عهدهم الخشونة واللين.. فأين أنت عن غريبٍ طالت غربته في وطنه، وقلَّ حظّه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟! وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان ؟!».
ب. شاعرية السرد: التقنيات والجماليات الأسلوبية في رواية «سنوات المغرّ»
لا تلفت هذه الرواية الانتباه إليها بما تضمنته من حكايات «غريب» المتقلّبة ومغامراته المثيرة، بقدر ما تشدّنا إليها أساليبها وتقنياتها التي اعتمدتها الكاتبة مريم الزرعوني، ومنها:
تعدد الأصوات الروائية وتوظيف الجمادات والأمكنة
على خلاف الروايات الكلاسيكية، لا تقدّم لنا هذه الرواية بطلها دفعة واحدة بل في مشاهد وفصول ومن خلال وجهات نظر متنوّعة، لذلك تعدّد الرواة وكلٌّ ينظر إلى «غريب» من زاوية نظره. والطريف أنّ هذه الأصوات السردية لم تكن كلّها شخصيات إنسانية بل فيها المكان والأشياء. ويمكننا تقسيم هؤلاء الرواة إلى فئات على هذا النحو:
- نساء حول غريب: الأم سهيلة، الزوجات والحبيبات (الممرضة الإنجليزية جوديث، عنايت خاتون، منيرة الزوجة الغريقة، حبرة سيّدة الوكر)، ثمّ الشيخة سندية (التي كانت سببًا في ثروته) وأخته آمنة.
- رجال حول غريب: ديفدسن الإنجليزي (الذي اضطلع بالسرد في أكثر من موضع)، الأب صالح الأعرج، الإخوة وأبناء العمومة، عرّاف بوشهر، موظّفو الدوائر الحكومية.
- أنسنة الأمكنة: والأطرف من كلّ ذلك أنّ الكاتبة مريم الزرعوني قد أسندت دور الرواية إلى الأمكنة مثل (المقبرة، المغر، جزيرة أبو موسى، صخرة الشاطئ..)، ففي رواية «سنوات المغر» لا يكتفي المكان بوظيفته التقليدية في تأطير الأحداث، بل يتحوّل إلى فواعل قصصيّة مؤثرة في حبكة الرواية ومحدّدة لمصير البطل.
- أنسنة الأشياء: بل ما زاد الأصوات السردية طرافة هو إسناد دور الرواية إلى الأشياء من قبيل (سيارة اللاندروفر، مقام الخضر، شجرة السّدر/ الفصل 6، المرآة، يوم الأحد/ الفصل 7، الفونوغراف، المركب/ الخشبة في الفصل 11، طائرة البوينغ 737...).
وبهذه الطريقة جعلتنا الكاتبة ننظر إلى الشخصية من زوايا متعدّدة بل متناقضة أحيانًا، خاصّة وأنّ حظّ السارد الخارجي ضئيل في كلّ هذا السرد، وهو ما يجعلنا نشعر وكأنّ «غريبًا» قد حلّ في المكان والأشياء وبقية الشخصيات، أو أنّ دمه قد تفرّق بين كلّ هؤلاء. ففي كلّ عناصر الرواية شيء من «غريب».
الجملة الشعرية وحضور الأمثال السائرة
مريم الزرعوني هي في الأصل شاعرة، ولعلّه لهذا السبب لا تخلو جملها من شعرية؛ إذ كثيرة هي العبارات التي تقطر مجازًا وتخييلًا، بل إنّ بعض المقاطع تجري مجرى الأمثلة السائرة على عادة كبار الشعراء، ومن أمثلة ذلك:
في وصف عنايت خاتون زوجة غريب: «بعد انحسار الطفولة عن جبل الجمال» (ص 147).
«إنّها ذكرى تُشعرني بالعطش» (ص 153).
في وصف الحبال: «حبال تلتوي.. تشبه هذه الطرقات.. تتحوّل إلى أفاعٍ متوثبة..» (ص 125).
استعارة لدغة الأفعى للتعبير عن الإساءة التي لحقت «غريبًا» من أهله: «لدغة القربى أصابته في مقتل» (ص 125).
من الأمثال السائرة في الرواية: «حتّى الخسارات لها سعر» (ص 9). ومنها الجملة التي يردّدها صالح الأعرج والد «غريب» بعد احتراق دكانه واحتراقه: «اليد المبتورة لا تقدح نارًا» (ص 78). كذلك نجد هذه الجملة: «العُمر عفار من عَدْو» (على لسان اللاندروفر ص 124)، أو قول الخضر ص 185: «لكنّ الحَذَر، لو حلّ الأجل، لم يمنع القدر»، أو عنوان الفصل 10: «وفي التنقّل عزّ للفتى وعُلا» (ص 56).
التناص الأدبي والقرآني في النص
نجد في مواضع كثيرة توظيفًا رشيقًا لنصوص غائبة نجحت الكاتبة في صهرها في نصّها الجديد حتّى أضحت مكوّنًا من مكوّناته:
مع الشعر قديمه وحديثه، شرقيه وغربيه: من ذلك سطر شعري قديم (للشاعر الجاهلي تميم بن مقبل) أعاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش (مديح الظل العالي) توظيفه، وجعلته الكاتبة عنوانًا لفصل في روايتها «ليت الفتى حجر» (ص 52) لتصوّر التماهي بين بطلها «غريب» وصخور الشاطئ التي نقش عليها «غريب» أسماء من يحب، وهذا التماهي هو ما عبّرت عنه الرواية بوضوح في صفحتها 53 على لسان الصخرة: «والآن يستوطنني هذا الفتى.. وسهيلة تدخل فيّ، تتماهى، تصير صخرة، تحلّ في صخرة..».
استدعاء «سدرة المنتهى» من النصّ القرآني: وإسناد دور مركزي «للسدرة الملاسية» (ص 34) في الرواية سردًا وفاعلية، إذ تحوّلت من مجرّد مصدر للغذاء (النبق) إلى شاهد على طفولة «غريب» ويتمه (ص 38) ومأساته وسيرته، فكانت رحلته من السدرة وإليها سفرًا في الذاكرة والمكان والذات. فهي سدرة الابتداء وسدرة المنتهى، وما نهايتها إلا صورة من نهاية «غريب» وتحوّلات المكان، وهو ما تشير إليه الرواية في الصفحة 209: «ما إن وصل الشاطئ حتّى رأى السدرة مقتلعة يابسة وممدّدة وخلفها المقبرة..».
التناصّ مع حكاية من حكايات ابن المقفّع المثلية: وهي «مثل النّاسك وجرّة السمن»، وقد نجحت الكاتبة في تكثيفها واختزالها في جملة تعبّر عن خيبة «غريب» وفشل مساعيه وهو يطارد أحلامه وأوهامه بينما تلاحقه هواجسه وانكساراته، إذ تقول الكاتبة في الصفحة 124-125: «يأتي إلى دبي هذه المرّة بجرّة مثقوبة تكاد تفرغ، خرّ معظم سمنها، بلا مال ولا غنم ولا أماني..» (على لسان اللاندروفر).
التقنيات السينمائية وأبعاد الواقعية السحرية
بالإضافة إلى ما سبق، في الرواية احتفاء بصري سينمائي مذهل بتفاصيل المكان وبالروائح والأصوات والألوان والملامح والمشاهد، ما يمنح الرواية طابعًا سينمائيًا وتوثيقيًا مهمًّا.
كذلك لا تكاد تخلو الرواية من انفتاح على خصائص الواقعية السحرية بتداخل العوالم والتقاء الأرواح وامّحاء الحدود الفاصلة بين الواقع والحلم (عودة الأم من عالم الأموات وتسللها مع ضوء القمر لزيارة ابنها غريب في السجن، حديث المقبرة عن التقاء الأرواح وتناجيها، النهاية الملتبسة المربكة...).
بدت رواية «سنوات المغر: هوامش من سيرة الغريب» للإماراتية مريم الزرعوني سيرة للإنسان وسيرة للمكان في مواجهة تحوّلات عميقة شهدها الخليج العربي عامّة ودولة الإمارات خاصّة في لحظة تاريخية مفصلية. فكانت الرواية صرخة أمام هذا التحوّل العاصف الذي قد يقتلع الجذور ويمحو الهوية، بتكريم جيل رافق تلك التحوّلات وكان شاهدًا عليها، وتخليد مغامراته وتثمين تشبّثه بالأرض والذاكرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.